2021-03-30 19:08:10

ماذا يعيق بايدن؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

ماذا يعيق بايدن؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

ماذا يعيق بايدن؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 30 آذار 2021

كانت إحدى الشعارات الرئيسية للمرشح الرئاسي جو بايدن عام 2020 هي العودة إلى الإتفاق النووي الذي وقعه رئيسه باراك أوباما عام 2015 مع الجمهورية الإسلامية في إيران بعد أكثر من عامين من المفاوضات السرية ثم العلنية..

 ولأن بايدن كان يومذاك نائباً للرئيس الأمريكي فإنه كان مشاركاً فعلياً في العملية وشريكاً أساسياً في الموافقة على كل ما ورد في تلك الإتفاقية، وهو بعد عودته إلى البيت الأبيض رئيساً بداية العام 2021 ملزم أخلاقياً بالعودة إلى ما وافق بنفسه عليه سابقاً، خصوصاً وأنه قد وصل إلى الرئاسة بفضل الدعم الصريح والقوي له من جانب باراك أوباما..

ولذلك فإنه مدين للرجل...

ويجب أن يعيد الحياة للعناوين الرئيسية لذلك العهد!

 إضافة إلى أن الإتفاقية اتخذت طابعاً دولياً بعد التصويت عليها بالإجماع في مجلس الأمن الدولي حيث كان المندوب الأمريكي من جملة الموافقين عليها، وعلى هذا الأساس فإن المصداقية الأمريكية هي اليوم على المحك، والعودة الأمريكية غير المشروطة إلى الإتفاقية تعني إثبات إحترام الإدارة الجديدة لقرارات المنظمة الدولية والتي صادق عليها مندوبها بعدما استهزأ ترامب بكافة المؤسسات الدولية وتملص من أهم المعاهدات والإتفاقيات ذات الطابع الدولي، وعليه فلا فضل لأمريكا في ذلك على أحد، ولا يمكن لها أن تطلب ثمناً لعودتها إلى ما أقرته هي من قبل..

لكن،

ما يعيق إدارة بايدن من إعلان قرارها العودة إلى الإتفاق النووي بصورة صريحة بحسب اعتقادي هو أربعة أمور:

 1 ـ إن الرئيس الأرعن السابق دونالد ترامب لم يسلّم بواقع مغادرة البيت الأبيض إلاّ عنوة، وبعد إعلان القوات المسلحة الأمريكية الخروج عن سلطته واعترافها بالرئيس الجديد، وبعد مصادقة المحكمة العليا على نتائج الإنتخابات التي تعلن فوز بايدن، وهو على الرغم من ذلك يعمل بجد لإفشال الرئيس بايدن في كل خطوة، ويتشبث بكل هفوة للنيل منه، فترامب مثلاً يستند إلى تعثر بايدن على سلّم الطائرة الرئاسية لكي يهزأ من شخصيته ويشكك في قدراته، وهو أعلن أيضاً نيّته السفر إلى الحدود الجنوبية والحضور إلى جانب الجدار الذي شرع في بنائه هو مع المكسيك والذي أوقف استمرار العمل به خّلَفه الرئيس بايدن، علماً بأن لا دور لترامب بعد انتهاء ولايته، ولا صلاحية له في التدخل في قرارات الإدارة الأمريكية الجديدة، لكن ترامب يريد معاكسة خَلَفه بأية مناسبة، والتشويش على قراراته بكل حال، وهو يعمل للحفاظ على تأييد عشرات الملايين من الذين صوتوا له في الإنتخابات الرئاسية، ويحاول بكافة الوسائل استقطاب ما أمكن من الذين صوتوا لبايدن ليرد الصفعة له في العام 2024، وهذا الامر واضح لكل ذي عينين.

لذلك،

 نرى الرئيس الأمريكي الذي وقّع في أول لحظة جلوسه على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض على 17 قرار تنفيذي دفعة واحدة يوقف بموجبه العمل بقرارات سلفه، وهو وأعضاء إدارته ومنذ أول ساعة لإعلان الفوز يصرّحون كل يوم بأنهم يريدون العودة إلى الإتفاق النووي الذي خرج منه دونالد ترامب، لكنهم يواجهون المناخ الداخلي السلبي تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران والذي عمل ترامب بكل جهده على خلقه وتكريسه، وسانده في ذلك اللوبي الصهيوني ذات النفوذ في الولايات المتحدة، ومعلوم أن الصورة المشوّهة التي عمل ترامب على تثبيتها في أذهان الأمريكيين لا يتمّ تصحيحها بكبسة زر.

2-  إن بنيامين نتنياهو الذي سخر الرئيس ترامب طوال 4 سنوات بصورة كاملة لتحقيق أمنياته، إذ كان صهر ترامب اليهودي حامل الجنسية الإسرائيلية هو صاحب القرار الأمريكي الحقيقي في موضوع الشرق الأوسط، وهو بقي يعمل حتى آخر لحظة لخدمة الكيان الصهيوني ودفع أكبر عدد من الدول العربية إلى التطبيع معه والضغط على دول أخرى في العالم لنقل سفاراتها إلى مدينة القدس المحتلة، وترامب هذا بذل في نفس الوقت كل الجهد للإبقاء على نتنياهو في سدة رئاسة الوزراء رغم تورطه في الفساد وإدانته من قبل القضاء الصهيوني.

وكان التناغم بين نتنياهو وترامب واضحاً في مختلف المجالات طوال عهد الأخير، لكن نتنياهو هذا يعيش اليوم مأزقاً كبيراً مع فوز بايدن ليس بسبب تأييد الرئيس الأمريكي الجديد لحقوق الشعب الفلسطيني ووقوفه إلى جانب القضايا العادلة، بل لاختلاف الأسلوب ومحاولة الإدارة الجديدة بث الروح في العلاقة مع حلفاء واشنطن التاريخيين في أوروبا وإعادة التوازن في علاقات الولايات المتحدة مع دول العالم عبر ما أسمته " إحياء الديبلوماسية "، وعلى رأس تلك السياسة يأتي إعادة الحياة للإتفاق النووي مع إيران، لعل ذلك يكون البداية لفتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية.

لكن نتنياهو الذي استغل موقع الولايات المتحدة وسلطة الرئيس الأمريكي طوال العهد السابق في خدمة تحقيق الاهداف الصهيونية، فهو لا يريد أن يرى أي نوع من التقارب الأمريكي مع الجمهورية الإسلامية، وهو يستعمل جميع قدراته وأدواته وشبكة علاقاته الواسعة داخل أمريكا وخارجها لتعطيل الجهود الرامية لإحياء الإتفاق النووي.

3- إضافة إلى الكيان الصهيوني هناك دول أخرى في المنطقة كانت قد راهنت على دونالد ترامب لتنشيط دورها خارج حدودها وتوسيع مجال نفوذها في البلاد الأخرى، وهي أيقنت ببقائه في السلطة لدورة ثانية لمدة 4 سنوات، فبنت حساباتها على هذا الأساس، لكنها صُدمت صدمة كبيرة لما جاءت نتيجة اقتراع الناخبين الامريكيين لصالح منافسه والمختلف عنه بالكامل في التوجهات السياسية والأولويات.

لذلك فإن بعض تلك الدول المراهِنة على بقاء ترامب تأخرت أياماً بل أسابيع وشهراً لتخرج من حالة الصدمة وتتقبل الواقع الجديد فيرسل قادتها برقيات تهنئة إلى الرئيس الفائز، ورغم برقيات التهنئة تلك إلاً أن الأمل كان لا يزال يحدوهم ليروا انقلاباً في الساحة الأمريكية، وذلك بفعل ما كان يبثّه ترامب حتى آخر ساعة من حتمية قلب النتائج لصالحه والفوز بالرئاسة لدورة ثانية، حيث عيّن فريقاً من كبار المحامين ليقوموا بتقديم طعون في صحة طريقة الإقتراع أو احتساب الأصوات في هذه الولاية وتلك، حتى ذهب أخيراً إلى الطعن لدى المحكمة العليا في نزاهة العملية الإنتخابية من أساسها، كآخر محاولة من جانبه لعل ذلك يعرقل أو يؤخر وصول خصمه إلى سدة الرئاسة.

4ـ إن الرئيس الجديد جو بايدن لا يضيره أبداً الإستفادة من القرارات التي اتخذها سلفه الأرعن من أجل تحسين شروط تفاوض الوفد الأمريكي مع الجمهورية الإسلامية في حال انطلاقه، فهو يحمّل وزر تلك القرارات لترامب فيما يستغل هو تلك العقوبات لكسب امتيازات على طاولة المفاوضات..

وفي حال نال شيئاً من المكاسب سجل ذلك في خانة انتصاراته الشخصية، لكن مندوب أمريكا المعيّن للتفاوض مع إيران روبرت مالي والذي كان عضواً نشطاً في الفريق المفاوض السابق يكون قد عرف بالتجربة صلابة الموقف الإيراني وصعوبة أخذ أية تنازلات جديدة من الجمهورية الإسلامية، خاصة بعد ما رأى العالم الفشل الذريع لكل محاولات ترامب وفريقه طوال 4 سنوات من أجل إرغام إيران على تليين موقفها والقبول بالجلوس معه تحت ضغط أشد العقوبات والحصار الخانق..

لكن،

 إيران صمدت أمام العقوبات وتحملت كافة الصعوبات..

وها هو دونالد ترامب خارج السلطة يجرّ أذيال الخيبة وتلاحقه الدعاوى القضائية من كل صوب في حين تقف الجمهورية الإسلامية في إيران شامخة وتزيد كل يوم من قوتها العسكرية وتوسع نفوذها في المنطقة يوماً بعد يوم، في وقت يتراجع أعداؤها الذين راهنوا كثيراً على ترامب عن سياساتهم خطوة بعد خطوة، وتفشل مشاريعهم التي بنوا عليها آمالهم، وهم اليوم يكلفون الوسطاء لترميم العلاقات المتصدعة مع إيران.

ولقد كنت حذرت من هذه العاقبة في مقالات سابقة نشرتها مجلة " الشراع " ، ونصحت بعدم الإتكال على السياسات المتقلبة للولايات المتحدة..

 لكن،

 إعادة الدفء لعلاقات من خاصموا إيران معها كانت قبل اليوم أقل كلفة، إذ يشهد العالم كله لهفة الإدارة الأمريكية الجديدة لفتح نافذة للعلاقة مع الجمهورية الإسلامية في حين أن القيادة الإيرانية ليست على عجلة من أمرها، فإن استغلت إدارة بايدن ما تبقى من فترة رئاسة الشيخ روحاني وأنجزت شيئاً فهي الرابحة لأن الفريقين على معرفة كاملة بما ورد في الإتفاقية، وأعضاءهما باتوا على دراية بتفاصيل ما دار في الإجتماعات التي سبقت التوقيع على الإتفاقية، وفي حال التلكؤ وتضييع الفرصة من جانب إدارة بايدن فإن المفاوضات مع الفريق الجديد بعد الإنتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة ستعود إلى نقطة الصفر، ولا تجد الولايات المتحدة أحداً من الفريق الحالي أمامها، وسوف تُمضي من جديد وقتاًً طويلاً في مفاوضات جديدة من دون أن تحصل من الجمهورية الإسلامية على اكثر مما حصلت عليه في الإتفاق السابق.

ثم إن الإدارة الأمريكية الحالية لا تملك أدوات جديدة للضغط على إيران لم يستعملها ترامب طوال عهده، في وقت تنامت عناصر القوة للجمهورية الإسلامية في المنطقة، وهي المتفوقة عسكرياً بصواريخها البالستية البعيدة المدى الذكية والدقيقة، وهي زادت رغم اغتيال عدد من العلماء من قدرتها على تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 90٪، وقد استطاعت التغلب على العقوبات بنسبة كبيرة وتمكنت من خرق الحصار المضروب عليها، من خلال عقد إتفاقيات إستراتيجية إقتصادية وعسكرية مع روسيا والصين، والدخول في اسواق الدول المتاخمة لها وتصدير منتجاتها الصناعية إليها.

أما الولايات المتحدة فإنها تتخبط اليوم في أزماتها الداخلية...

حيث تعيش العاصمة واشنطن تحت سيطرة قوات الحرس الوطني، ولا يأمن الرئيس والنواب والشيوخ التحرك من دون حراسة مشددة خوفاً من اعتداءات أنصار ترامب عليهم، والإشتباكات بين العنصريين البيض مع ذوي البشرة السوداء لا تزال مستمرة، وحوادث إطلاق النار تتكرر في مختلف المدن موقعة عشرات القتلى ومئات الجرحى، وفيروس كورونا يشل الإقتصاد الأمريكي، ويتسبب في تراكم مزيد من الديون على الدولة، وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل كل يوم.

أما العلاقات بين تركيا وإيران فهي كانت طوال الـ 42 عاماً وثيقة وتوطدت أكثر مع تسلم حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي برئاسة رجب طيب أردوغان السلطة على لرغم من حدوث بعض الإختلافات البسيطة بين حين وآخر، حيث كانت تركيا المنفذ للتحايل على العقوبات الأمريكية والغربية ضد إيران طوال العقود الماضية وخاصة في الأعوام الأربعة الأخيرة أيام رئاسة دونالد ترامب.

وما تمّ إعلانه قبل أيام،

 من الإتفاقية الإستراتيجية بين الجمهورية الإسلامية والصين لمدة 25 عاماً..

 والحديث الجاد عن التحضير لأخرى مشابهة مع روسيا قريباً يجعل الولايات المتحدة خارج المنطقة الممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط امتداداً حتى الصين القوة الإقتصادية العالمية التي تهدد اليوم كيان الولايات المتحدة الأمريكية..

هذا من جهة الغرب والشرق..

أما من الشمال،

 فإن العلاقات الوطيدة مع روسيا والصداقة الشخصية المتينة بين الرئيس بوتين وآية الله خامنئي تجعل الساحة الروسية وما حولها مفتوحة أمام النشاط الثقافي من قبل إيران لمواجهة النشاط التكفيري والذي يهدد كيان روسيا والدول المجاورة لها ذات الأغلبية الإسلامية، ومن جهة الجنوب فإن التواصل قائم بين إيران الإسلامية والتيارات ذات التوجه الإسلامي غير التكفيري وأيضاً لها علاقات مع القوى الوطنية والقومية والتقدمية في الدول العربية من دون استثناء وفي دول شمال إفريقيا على وجه الخصوص وفي المهاجر حيث يتواجد المسلمون من مختلف البلدان وخاصة مع الناطقين باللغة العربية.

وهكذا يمكن للجمهورية الاسلامية التأثير في التنظيمات والتيارات والحركات والأحزاب في كافة الأقطار على اختلاف توجهاتها الفكرية ما دامت تلك ترفض سلطة الإستكبار الأمريكي والتعامل مع العدو الصهيوني، وتعمل لمصلحة المستضعفين، وتناضل لرفع الظلم والحيف، وتكافح لإقامة العدل والقسط، لأن ذلك ياتي اتّباعاً لأمر الله سبحانه في كتابه المجيد:

( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي