2021-03-30 17:01:07

44 عاماً على رحيله والعندليب الاسمر ما زال مغرداً

44 عاماً على رحيله والعندليب الاسمر ما زال مغرداً

44 عاماً على رحيله والعندليب الاسمر ما زال مغرداً

مجلة الشراع 30 آذار 2021

 

  نحن من جيل واكب عبد الحليم منذ الصغر ومع توجهنا نحو الفتوة اندمجنا معه في الإنتماء السياسي وعندما رحل عبد الحليم رحلت معه قيم عصر كان الاكفأ في التعبير عنه ووجدنا الرحيل ايذاناً بأن هذا العصر لن يعود.. على الاقل في زماننا

اول مرة سمعت بإسم عبد الحليم كانت في زاروب العانوتي وكان ابن جيراننا علي يغني عشانك يا قمر ، ولأنه كان اخنفاً فإنه كان يلفظ كلمة قمر " قمن " .. سألت علي وكان لقبه علي نوي من هذا الذي تغني له فأجابني انه عبد الحليم حافظ

ولم اعلم حتى الآن لماذا تخيلته شاباً يرتدي روب المحاماة الى ان اصطحبتنا والدتي رحمها الله الى سينما الفردوس في نزلة المصيطبة وكنا نعرفها باسم سينما الاهلي وكان صاحبيها هما المرحومان هاشم وخالد عيتاني لنشاهد فيلماً لعبد الحليم اسمه ايامنا الحلوة مع عمر الشريف وفاتن حمامه واحمد رمزي

كنت اعتبر كطفل في الثامنة من عمره ان حلم حياتي ان اعيش حياة ابطال هذا الفيلم كصديق لعلي وهو اسم عبد الحليم في الفيلم مع رمزي اسم احمد رمزي في ايامنا الحلوة

عندما صفع رمزي صديقه علي في ايامنا الحلوة ورماه ارضاً سمعت في القاعة سيدة تقول بصوت عال يكسر ايدك يا احمد رمزي

وعندما حضرنا في سينما عايدة في الزيدانية فيلم حكاية حب لعبد الحليم ومريم فخر الدين وغنى حليم اغنية في يوم في شهر في سنة  كنت اسمع انين بكاء فتيات في السينما وفوجئت بعد الخروج منها بعيون كثيرات منهن حمراء من ذرفهن الدموع حزناً على عبد الحليم المعذب

اسعد مراحل العمر كانت في الاستماع الى عبد الحليم يغني لحبيب الملايين جمال عبد الناصر بدءاً من احنا الشعب وحكاية شعب ثم يا جمال يا حبيب الملايين قبل ان يلتحم الثلاثي الخالد عبد الحليم مع كمال الطويل وصلاح جاهين في اغنية ثورية يطلون بها على الملايين التي تنتظر هذا الثلاثي في كل عيد لثورة23 يوليو ليقدموا لها خلاصة وترجمة للعمل السياسي والاجتماعي الناصري بين العيد والعيد فيتغنى بها محبو عبد الناصر من المحيط الى الخليج مؤكدين مبايعته قائداً وزعيماً وملهماً

كان طريق عبد الحليم تعبيراً عن حب جمال مليئاً بالآمال الحلوة والاغاني المعبرة والكلمات الحاضنة والمحرضة من صورة صورة صورة الى يا أهلاً بالمعارك ومن فوازير الى المسؤولية ومن بلدي يا بلدي الى ناصر يا حرية .. كانت كل اغنية من اغاني عبد الحليم السياسية تعبر عن مرحلة بناء في مسيرة ثورة عبد الناصر

فالمسؤولية كانت تعبيراً عن انتماء الشباب المصري للإتحاد الإشتراكي العربي وكانت صورة تعبيراً عن تحالف قوى الشعب العاملة وكانت حكاية شعب تعبيراً عن مرحلة بناء السد العالي

غير ان الاغنية التي ما زالت فرقة الندابين التي تتطاول على جمال عبد الناصر تسخر من كلماتها لتنطلق منها الى الشماتة بهزيمة يونيو فهي اغنية يا أهلاً بالمعارك

 تشمت فرقة الندابين من كلمة المعارك وتربطها بالهزيمة وتتطاول على عبد الناصر لأنه استخدمها في احدى خطبه فما هي قصتها ؟

عام 1965 صارح جمال قيادات مصر انه قرر الاستقالة من منصبه كرئيس للجمهورية للتفرغ لبناء التنظيم السياسي الذي اطلقه داخل الاتحاد الاشتراكي باسم طليعة الاشتراكيين الذي حملت فروعه في البلاد العربية التي انتشر فيها باسم الطليعة العربية

رفضت كل قيادات مصر قرار عبد الناصر بالتنحي عن الحكم والتفرغ للتنظيم الطليعي وتمسكت ببقائه رئيساً حتى رضخ ووافق على الترشح من جديد وراح يجول انحاء مصر يصارح الجماهير ببرنامجه السياسي الطموح الذي سيكون بعد نجاح الخطة الخمسية الاولى التي نفذتها حكومة علي صبري ( 1961-1965)

امام جماهير مصر قال جمال انه ليس لديه ما يقدمه لها سوى المزيد من معارك البناء الاقتصادي والتحول الاجتماعي لتحقيق مجتمع الكفاية والعدل فكان رد الناس في كل مكان يا أهلاً بالمعارك فآستلهم صلاح جاهين هذا التلاحم بين الجماهير وقائدها ليكتب قصيدة "يا أهلاً بالمعارك" التي غناها عبد الحليم من الحان الموسيقار المبدع كمال الطويل

  جمال وحليم والشباب

ارتقى تعلقنا بعبد الحليم من مرحلة العاطفة الى حالة الذوبان الفكري والثقافي والوجداني  بمشروع جمال عبد الناصر السياسي القومي وصارت معاركه معاركنا وانتصاراته وهزائمه تمسنا بكل جوارحنا واذا كان هو صاحب شعار نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا  فقد كان لدينا ايمان بأن  نعادي من يعادي جمال ونصادق من يصادقه جمال وكان عبد الحليم هو توأم ارواحنا فإليه الحنين وهو الاكثر حضوراً في الوجدان بعد جمال .. وتكون في حاضرنا ثنائي السياسة والفن كحقيقة جدلية لا انفصام بينهما ، فلما غاب جمال عام 1970 وفقد كل عربي حلماً راوده بالكرامة واملاً تطلع اليه بالوحدة وطريقاً كان حتمياً للعدالة وسقطت بعد رحيله كل مساعي العزة والمكانة بين دول العالم وغابت شمس الحرية والنور والاستقلال ... ازداد تمسكنا بعبد الحليم ومخزونه من الحنين عبر اغنياته من صافيني مرة وعلى قد الشوق وبتقولي بكره ويا مواعدني بكره الى فوق الشوق مشاني زماني وبتلوموني ليه وبحلم بيك وضحك ولعب وجد وحب .. ولن ننسى انا لك على طول خليك ليا وخسارة خسارة فراقك يا جارة ثم جبار وموعود وفاتت جنبنا وحاول تفتكرني ....... بعد غياب عبد الناصر كنا كلما استمعنا الى حليم خصوصاً في اغنياته الوطنية نشعر ان جمال الحلم هو حقيقة بيننا وانه هو بالاحضان واحلم بسماها وبترابها وناصر يا حرية يا وطنية يا روح الامة العربية ... فلما رحل حليم عام 1977 استذكرنا سقوط الاحلام والامال ودخلنا مرحلة اليباس التي لا تظلل ولا تثمر وتكاد  الينابيع قربها تنضب ..

لكن لأن كل امر نسبي وان الله هو المطلق الأبدي وهو القائل وما اوتيتم من العلم الا قليلاً ..فإن ثورة الإتصالات تستحضر بالعلم صور وشرايط وخطابات عبد الناصر وعبد الحليم لتعيدهما الينا بالصورة التي  نحتاجهما فيها ...

الشكر لله

والشكر بعده للسيدة  الفاضلة د هدى جمال عبد الناصر التي امضت حتى اليوم نحو نصف قرن وهي تجمع كل ما قاله جمال خلال 18 سنة وكل اسرار حكمه -وقد عملت امينة سر في المنزل - وكل ما كتب عنه في العالم وتنشره تباعاً بمختلف طرق النشر الحديثة من دون مساندة من احد لا من دول ولا من مؤسسات او افراد..

وبعد،

في الذكرى 44 لغياب العندليب هو حاضر الى ابد كل واحد منا عاش معه عصر عبد الناصر وما زال الزعيم والفنان في العقل والوجدان املاً وحنينًا

 

الشراع في 30/3/2021