2021-03-28 21:42:01

البيروني – أبحاثه وآثاره /  بقلم عبد الهادي محيسن

البيروني – أبحاثه وآثاره /  بقلم عبد الهادي محيسن

البيروني – أبحاثه وآثاره /  بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 29 آذار 2021

 

ولد البيروني في العام 362\ 973 م بظاهر خوارزم التابعة حاليا لجمهورية اوزبكستان.. وصرف سني حياته الأولى مساعدا لأحد علماء النبات، ثم انغمس في السياسة مما اضطره للهجرة الى جرجان حتى العام 400 هجرية،  ثم عاد الى خوارزم فاستقبله أميرها وأكرمه وكلفه بمهام سياسية, ولعب في هذه المرحلة دورا كبيرا في هذه المدينة لا سيما من الناحية العلمية .

في العام 407 ،

انتقل الى غزنة وفي عهد محمود الغزنوي برز البيروني عالما مكرما واستقر فيها نحوا من أربعين عاما..

 وهكذا نجد أن البيروني قضى حياته في افغانستان وعاش  نحوا من 75 سنة قضاها متجولا من مكان الى آخر مستفيدا من مكانته عند أمير الدولة الغزنوية،  ساعيا لجمع المعارف والاطلاع وعلى عرض نتائج دراساته واطلاعاته باللغة العربية عاملا على نشر الحضارة العربية ، وساعدته في ذلك عقلية جبارة ومعرفة باللغات الخوارزمية والعربية والفارسية والسنسكريتية واليونانية والسريانية .

عمل البيروني بالسياسة وتعلم لغات عديدة واهتم بالتاريخ والطب والفلك والرياضيات.. تشهد في ذلك مؤلفاته العديدة ومنها:

" كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، وكتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية، وكتاب الصيدلة في الطب، وكتاب مقاليد الهيئة، وكتاب القانون في الهيئة والنجوم، وكتاب الهند الكبير،  وكتاب إفراد المقال في أمر الظلال، وكتاب استخراج أوتار الدائرة بخواص المنحني فيها..."

ويقول حافظ طوقان إن مؤلفات البيروني تربو عن 120 كتابا ولا يستبعد وضعه كتباً بغير اللغة العربية ولعلها ضائعة .

لم يقتصر اهتمامه على موضوع واحد ويمكن تقسيم مؤلفاته الى علوم الفلك والرياضيات والطب والتاريخ والطبيعيات، وكانت مؤلفاته الفلكية لا تكتفي بعرض الظواهر الفلكية والدراسات الجوية والجيولوجية وحسب بل كانت جغرافيا طبيعية وبشرية أيضا ، كذلك في التاريخ لا يكتفي بسرد الأحداث بل كان يعني بالتقاليد والعادات والأفكار ... لقد كان مؤرخا اجتماعيا وحضاريا بالدرجة الأولى .

أما في الطبيعيات فقد عالج الثقل النوعي واشتغل بعلم الحيل ( الميكانيكا ) ووضع جدولا بالثقل النوعي لعدد من المعادن شديد القرب من معلوماتنا الحالية...

وتتميز كتابات البيروني بمنهجية واضحة في جميع مؤلفاته وهذه المنهجية لها أصول علمية – البحث والتجربة والاستقراء – لا التسليم والقبول بالتقاليد ..

وكذلك طبّق مبدأ العودة الى علوم الغير وتعلم العديد من اللغات للعودة الى المراجع الأصلية وما يتطلب الاستقصاء في البحث .

وكذلك اتبع المسلك الحسي أي الاستقراء والمشاهدة والتجربة كسبيل الى تحقيق المعرفة والوصول اليها، وعمل على المواظبة في البحث والتنقيب للوصول الى النجاح، والتجرد في النظر الى الأشياء ثم التواضع فكان يعرض أفكاره بترتيب وتسلسل ويستعمل المصطلحات العلمية ويبتدع مصطلحات جديدة، ويتجنب التنميق في العبارات ويميل ميلا شديدا الى الجدل النقد ويضع مقدمات كتبه بعناية، ويصوغ القوانين الرياضية بعد دراسات وأبحاث ..

نال البيروني شهرة واسعة في العالم الإسلامي حتى لقب الأستاذ..

 لكن مؤلفاته لم يترجم الا القليل منها الى اللغة اللاتينية أواللغات الأوربية الحديثة مع أن بعض الدارسين يعتبرونه أكبر عقلية عرفها التاريخ!

وبالتالي فإن عبقرية البيروني لم تقدر بعد حق قدرها.

ومن مؤلفاته؛

بحث في تقسيم الزوايا ثم قانون تناسب الجيوب، ثم وضع جداول رياضية للجيب والتجيب والظل والتظل، وقام بتجارب لتحديد الثقل النوعي، وأشار الى دوران الأرض حول محورها، ووضع نظرية لاستخراج محيط الأرض، وكتب عن آلة تمثل حركات الشمس والقمر، ووضع دراسات جيولوجية تتناول القوانين التي نجدها في علم النبات ... الخ

كتب يان فلشنسكي مقالا بالفرنسية بمناسبة مرور مئة سنة على ظهور النظرية الداروينية عنوانه " نظريات البيروني الداروينية 800 سنة قبل داروين" قال:

 نجد في كتابه تاريخ الهند الكبير نظرية داروين بكاملها معروضة قبل ثمانية قرون من نشر داروين لنظريته في الإنتقاء الطبيعي ويزيد فلشنسكي بأن داروين قد لا يكون علم بمؤلفات البيروني وآرائه ثم يعترف بأن في هذا المؤلف آراء تشبه آراء داروين في نواح كثيرة لا سيما من حيث مبدأ تنازع البقاء والبقاء للأصلح ويعطي نصوصا للبيروني تشير الى ذلك منها ما يقوله البيروني عن الفروق الموجودة في الظروف الضرورية للحياة .

وبعد أن يقرر وجود التشابه بين العالِمين...

يعود كاتب المقال الى تسجيل عدد من الفروق بينهما، فالبيروني يرى أن الله خلق الكون ويميز بين الطبيعة الجامدة والطبيعة الحية ثم يميز في الطبيعة الحية بين ثلاثة عوالم:

نباتية

وحيوانية

وبشرية

ويعنى بما تلاقيه الروح في هذه العوالم ويختم فلشنسكي بحثه بالقول بوجود تشابه في الأفكار لكن أفكار البيروني ترد صدفة ولا تشكل نظرية منسجمة واضحة .

وفي كتاب الآثار الباقية إشارات يمكن أن تسهم في توضيح هذه الفكرة فقد قال البيروني:

" ثم لتصرف أحوال الأزمنة والأهوية والنبات والحيوان وغير ذلك من تغيير جزئيات العناصر واستحالتها بعضها الى بعض...

ويقول في مكان آخر،

 مضت مدة والفلك فيها واقف غير متحرك والطبائع غير متحولة والأرض غير عامرة فلما حرًك، حدث الانسان الأول وتولد الحيوان وتوالد وتناسل الإنسان فكثروا فعمرت الدنيا وانتظم العالم .

عبد الهادي محيسن ... كاتب وباحث