2018-09-20 17:35:30

اللغة العربية بين الواقع والمرتجى/ بقلم الشيخ أسامة السيد

اللغة العربية بين الواقع والمرتجى/ بقلم الشيخ أسامة السيد

اللغة العربية بين الواقع والمرتجى/ بقلم الشيخ أسامة السيد

اللغة العربية بين الواقع والمرتجى/ بقلم الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((إنَّا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون)) سورة يوسف.

ليس من الغلو القول إن اللغة العربية أشرف اللغات وإنها تمتاز بجمالٍ وسهولة واتساعٍ في معانيها ومفرداتها ليس في لغةٍ أخرى من لغات الأمم ولكن كثيراً من الناطقين باللغة العربية لا يُعطيها الاهتمام المطلوب مع العلم أن شدة الجهل بالعربية من أوائل أغراض أعداء الأمة، لأنه إذا ضعُف فهم أبنائنا للغة العربية أدى ذلك إلى ضعفهم بفهم معاني آيات كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الأئمة فيضعف بالتالي فهمهم لدين الله وهذا ما يصبو إليه كل حاقدٍ على دعوة النبي العربي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يتم تحريف معنى النصوص فتنشأ ملل وأفكار باسم الإسلام والإسلام منها بريء فنرى التكفير الشمولي للأمة والسبي والقتل كما هو حاصل في عصرنا.

وها نحن نشهد اليوم جيلاً لا يعرف من العربية إلا الاسم، بل كم نرى من حملة الشهادات الجامعية ((الليسانس)) أو ((الماجستير)) أو ((الدكتوراه)) مَنْ لا يعرف أوائل قواعد العربية بل ولا يعرف الرسم الإملائي للعربية ولعل بعضهم ما عاد يعرف الأبجدية العربية أصلاً، وصار كثيرٌ من العرب لا يستعملون الحرف العربي في كتاباتهم ولا في مخاطباتهم بل استبدلوا ذلك بالحرف اللاتيني وما يسمونه ((لغة الشات)) وتركوا درر العربية وجواهر لغة الضاد.

لغتنا سهلة عظيمة

ووصل الأمر ببعض المعاهد إلى إلغاء تدريس قواعد العربية وكأنهم جهلوا أنها اللغة التي دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محبتها والاعتناء بها، فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَحِبّوُا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي)) رواه الطبراني.

وحيث كان الأمر هكذا فما الذي يدفع كثيرًا من عرب اليوم إلى الإعراض عن العناية باللغة العربية وعدم إعطائها الاهتمام المطلوب وهي اللغة التي نزل بها الوحي على قلب أفضل المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم كما قال ربنا تعالى في سورة الشعراء: ((وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسانٍ عربيٍ مبين)) وبها خاطب عليه الصلاة والسلام قومه ودعاهم إلى الإيمان وعلَّمه الله لغات قبائل العرب كلها فكان يُكلم كلَّ قبيلةٍ إذا وفدت عليه بلهجتهم ولغتهم، ما يعني اتساع اللغة العربية وتنوع مفرداتها، بل هي من اللغات الأصلية التي أوحى الله بها إلى أول البشر آدم عليه السلام.

قال القرطبي في ((تفسيره)): ((الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام والقرآن يشهد له، قال الله تعالى: ((وعلَّم آدم الأسماء كلها)) سورة البقرة.

وهنا نقول: إننا بحاجة إلى التمكُّن في معرفة لغتنا الراقية وعلومها وآدابها لنؤدب بها أجيالنا ونتصدى لأمواج الحاقدين وأعاصير المغرضين الذين يهدفون إلى الحطِّ من شأن لغة القرآن الكريم ويُصوّرون للأجيال أنها لغةٌ صعبة ولا تواكب العصر وغير ذلك من الأراجيف والإفك، وكيف يكون ذلك وربنا تعالى يقول في سورة القمر: ((ولقد يسّرنا القرآنَ للذكر فهل من مُذّكر)).

وإذا ما كان القرآن العزيز الذي هو في أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة قد يسَّر الله حفظه للقارئين وقد وسعت اللغة العربية التنزيل الحكيم فكيف يسوغ القول بعد ذلك إنها صعبة وإنها لا تواكب العصر، وحقيقة الأمر أن المشكلة تكمُن في عدم فهم الكثيرين للعربية لأنهم لم يوجّهوا إليها فما اعتادوها نتيجة الإهمال الذي أضحى يتوارثه الأبناء عن الآباء فصاروا إن سمعوا العربية وعلومها سمعوا شيئًا غريبًا عما ألفوه من الخطأ ونشأوا عليه من الجهل، فليست المعضِلةُ إذًا في العربية ولا في علومها العظيمة بل في العقول المتخلفة التي تقدح في العربية ولم تستضء بأنوار لآلئ كنوز لغة الضاد.

 

فلنعتنِ بالعربية

وإزاء ذلك نتساءل: ما الذي قدمناه نحن تجاه لغتنا؟ وهل قمنا بالدور المطلوب لحفظ اللغة وتثبيتها في نفوس أجيالنا؟ وهل نُولي الحرف العربي الرعاية المطلوبة؟ فإن إحياء اللغة العربية والتخاطب بها وجعلها لغة الكثير من العلوم ليس بالأمر الصعب، بل جديرٌ بنا أن نعمل على تطبيق ذلك وممارسته لدى أمةٍ شعارها الإيمان ونزل بلغتها القرآن. وإنه لمما يؤسف أن يكون الواقع اللغوي للشعوب العربية على خلاف الأمل الذي ما زال ينشُده الغيارى على لغة العروبة، فإن من أولى ما ينبغي أن نقوم به هو أن ندعم أولاً العربية في مقالاتنا بأن نجعل الحرف العربي هو الأصل في مخاطباتنا وحواراتنا ومنتدياتنا، وأن يكتب أحدنا اسمه بالحرف العربي أولاً لتتفتح عيون أطفالنا على أوعية علوم العربية فيغترفوا من معينها الصافي فتجري كلماتهم في سطورٍ عربية مستقيمة لترتوي أفئدتهم بحب لغتهم الأصلية لفظًا وخطًا وتعبيرًا وفصاحةً، ليُتقنوا بذلك أولاً قراءة كتاب الله ثم ليفقهوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليفهموا مصطلحات علماء الأمة الأصولية والفقهية واللغوية والطبية والفلكية والكيميائية وغير ذلك من سائر العلوم التي أعرض عنها أكثر أبناء الأمة اليوم وكان أحد أبرز أسباب هذا التخلف الجهل بالعربية.

فقديمًا سمع أبو الأسود الدؤلي ابنته تُخطىء في حرفٍ حيث قالت: ((يا أبت ما أحسنُ السماء. فقال: أي بُنية نجومها. قالت: إني لم أرد أي شيءٍ منها أحسن إنما تعجَّبت من حُسنها. قال: إذًا فتقولي ما أحسَنَ السماء)). وشقَّ ذلك عليه فشكا إلى الإمام علي بن أبي طالب هذا الخطر فأمره بوضع علم النحو وعلَّمه قواعده كما في ((نزهة الألباء)) للأنباري، وأخرج المرهبي والقُضاعي أن سيدنا عمر بن الخطاب مرَّ بقومٍ قد رموا نبلاً فأخطأوا الهدف فقال: ((ما أسوأ رميكم فقالوا: نحن متعلمين (وكان الصواب أن يقولوا: نحن متعلمون) فقال عمر: لحنُكم (خطؤكم) أشدُّ عليّ من رميكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((رحم الله امرءًا أصلح من لسانه)).

وأتساءل في نفسي: لو سمع سيدنا عمر ما يدور على ألسنة الناس اليوم من خطأ ورأى عربًا لا يعرفون العربية وجيلاً قد استعاض عن الحرف العربي بلغة مبتدعة فما عساه كان قائلاً؟

وإنه لمما يندى له الجبين أن بلغ الأمر ببعض الناس أنهم صاروا ينتقدون من تكلم العربية الصحيحة، أو يتهكمون بمن سمعوه يُنادي من اسمه عبد الله أو عبد القادر أو عبد الرزاق باسمه على الوجه الصحيح ولا يقول بالعامية عبد اللا أو عبد الآدر أو عبد الرزاء وهذا من التحريف الذي نهى الشرع عنه كما دل على ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يُلحدون في أسمآئه سيُجزون ما كانوا يعملون)) ويلحدون في أسمآئه أي يُغيرون فيها فيسمونه تعالى بغير أسمائه الحسنى قاله النسفي في ((تفسيره)).

وصار البعض يتعجب إذا ما سمع أو رأى إنسانًا يتعاطى العربية الفصحى في محادثاته المكتوبة أو المسموعة وينظر إلى من لا يعرف ما يسمى بلغة الشات نظرة استهجانٍ كأنه قد اقترف ذنبًا أو جلب لوطنه عارًا يتعذر محوه. 

فاعجب لقومٍ يتحدرون من أصول عربية ولا يعرفون العربية بل ويؤثرون الخطأ على الفصيحة الصحيحة. ولهؤلاء نقول: ليس تعلم العربية تخلفًا ولا عارًا بل إن الطعن في العربية عين التخلف والعار، ولا أدري كيف ساغ لبعضهم الانسلاخ من ثوبهم العربي بل والتجرد من القيم العربية والتخلي عن لغتهم بدعوى التقدم والتطور ومواكبة العصر، وبأي عَوَرٍ رأى هؤلاء أن العربية عائقٌ في وجه الحضارة؟ وهيهات أن تقوم حضارةٌ على مثل هذا الجهل الفظيع.

 

حُكم تعلم النحو

ألم يعلم هؤلاء أن تعلم النحو من الواجبات الكفائية على أهل كل ناحية، أي إنْ تعلّمه بعضُهم سقط الإثم عن الآخرين وإن لم يتعلمه أحدٌ أثم الجميع إلا من كان معذورًا بعذر شرعي، وأنه يجب تعلمه عينًا أي على الشخص بذاته أن يتعلمه إن أراد قراءة التفسير والحديث خشية أن يُدخل في دين الله ما ليس منه أو ينفي من الدين ما هو منه لجهله بمعاني العربية وضبطها.

وما نراه اليوم من حملٍ لنصوص القرآن والحديث على غير وجهها وتأويلها على غير معناها الصحيح من قِبَل أناسٍ يُنسبون للعلم والمشيخة مجرد انتسابٍ فقط، فيفتون الناس بما توهموه بأفكارهم السقيمة وآرائهم السخيفة، إنما هو ناشىء عن جهل هؤلاء العميق بالعربية، وكيف يقتحم إنسانٌ مجال تفسير كتاب الله الذي هو أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة ويخوض في تأويل حديث أفصح العرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُحِط بالقدر الذي يؤهله من علم العربية لفهم مراد الله ورسوله فيُهلك نفسه ومن تبعه، لأن أي تأويل لنصوص الشريعة على خلاف العربية باطلٌ ومردودٌ لقوله تعالى في سورة فصلت: ((كتابٌ فُصِّلت آياته عربيًا لقومٍ يعلمون)) بل قد نصَّ السيوطي في ((شرح ألفيته)) على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يتكلم في القرآن حتى يكون ملمًا بالعربية، لأن القرآن عربي ولا تُفهم مقاصده إلا بمعرفة قواعد العربية وكذا الحديث.

وحيث عُلم هذا فنقول: إن إتقان اللغة العربية سُلّمٌ إلى المعالي وشرفٌ قصر عن حيازته أغلب عرب هذا الزمان، بل إن تعلم العربية فيه تهذيبٌ للنفس وتقويمٌ للقلب وقد روى أبو نعيمٍ في ((الحِلية)) عن الإمام الشافعي أنه قال: ((ومن تعلّم النحوَ هِيْبَ ومن تعلّم العربيةَ رقَّ طبعه)).

والحمد لله أولاً وآخراً.