2021-03-19 13:39:49

قصّة السنة الفارسية / بقلم السيد صادق الموسوي

قصّة السنة الفارسية / بقلم السيد صادق الموسوي

قصّة السنة الفارسية / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 19 آذار 2021

 

يبدأ العام الشمسي في إيران مع بداية فصل الربيع أي في 21 آذار حسب السنة  الميلادية، ومع إطلالة كل عام جديد يُطرح موضوع السنة الفارسية وقصتها كثيراً والتركيز عليها من قبل وسائل الإعلام المعادية للجمهورية الإسلامية في إيران...

كان التاريخ الرسمي لإيران قبل العام 1977 يبدأ بناءً على مبدأ الهجرة النبوية الشريفة لكن على أساس الحساب الشمسي، حتى قرر الشاه محمد وضا بهلوي الذي كان يحلم بأن يُرث أمجاد الملوك الفُرس قبل الإسلام تغيير ذلك التاريخ وربط العام الشمسي الإيراني بتاريخ الشاهنشاهية أي بالملك كورش الذي حكم قبل حوالي 2580 عام، ومن قبله كان أبوه رضا بهلوي قد بدّل التاريخ الرسمي في إيران من الهجري القمري الذي كان معتمداً منذ قرون عديدة حتى بعد الإطاحة بآخر الملوك القاجاريين احمد شاه وحوّله إلى الهجري الشمسي وذلك في العام 1935..

وبّدل تبعاً لذلك أسماء الأشهر العربية أيضاً إلى أسماء فارسية تعود إلى عصور ما قبل الإسلام..

واستبدل الأسماء المتداولة للأشهر في السنة الشمسية أيضاً والتي كانت على أسماء البروج الإثني عشر في السماء كالدلو والجوزاء والعقرب بأسماء فارسية قديمة كـ " فروردين " و " ارديبهشت "، وكان هذا في سياق ما أسمي بـ " التفريس "..

كما كانت من قبل سياسة كمال أتاتورك في تركيا حيث منع كتابة اللغة التركية بالأحرف العربية واستبدلها بالأحرف اللاتينية، وفرض أيضاً استعمال التاريخ الميلادي في محاولة لفصل تركيا عن الثقافة الإسلامية بالكامل وفي الفترة نفسها ..

 ثم طرح " القومية اللبنانية " ومعها " اللغة اللبنانية " من قبل شارل مالك في فترة من الزمن كمحاولة للإفلات من الإرتباط بالعالم العربي والتحدث باللغة العربية الفصيحة التي تتشارك فيها كافة الدول العربية..

إن الدول الإستعمارية،

 بذلت جهوداً كبيرة ومتواصلة لفصل الأمّة العربية والإسلامية عن تاريخها المجيد الذي بدأ بالهجرة النبوية الشريفة من مكّة المكرمة الى مدينة " يثرب " والتي أُسميت بعد ذلك بالمدينة المنورة، وذلك لمّا أصبحت العاصمة للدولة الإسلامية التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله، وعملت تلك الدول على ربط الأمّة الإسلامية بالتاريخ الميلادي الذي يبدأ بميلاد السيد المسيح عليه السّلام ليس حبّاً بالسيد المسيح الذي يقدسه المسلمون كما باقي رسل الله وأنبيائه، بل بهدف سلخ الأجيال القادمة من المسلمين عن ماضيها، وكي تنسى بالكامل هويتها الثقافية والتاريخية...  وقد تحقق هذا الأمر مع الأسف حيث يتم التعمية على تاريخ العرب والإسلام في المناهج التربوية والتركيز على تكريس الحضارة الغربية في الأذهان حتى ينجذب الإنسان المسلم نحو تلك الحضارة ويعشق طريقة العيش طبقاً لأصولها وضوابطها، وبالنتيجة يصبح من السهل جداً السيطرة على فكر أبناء الأمة ومن ثم التحكم بإرادتهم وجرّهم إلى الحظيرة الغربية طواعية بدل فرض السيطرة عليهم بالقوة العسكرية كما كان في سالف الزمان.

إن هذا الواقع نشاهده اليوم في عالمنا العربي والإسلامي بوضوح وجلاء..

حيث قيادة الدول ورسم السياسات والإستراتيجيات وتدوين المناهج التعليمية تقع في أيدي خريجي المدارس الغربية والمتشربين ثقافتها والتابعين بإرادتهم لإملاءات الدول الإستعمارية، وهكذا نجد أن بلادنا هي بأعلامها وتركيبة السّلطات فيها تبدو مستقلة فيما عقول الحكّام والنخبة المثقفة فيها مشدودة نحو تلك الدول التي كانت حتى الأمس القريب تحتل الأرض وتفرض بقوة الحديد والنار وعبر ارتكاب المجازر الوحشية سلطتها على الشعوب، لكن النخبة المثقفة والحاكمة ترى مع ذلك تلك الدول الإستعمارية القدوة في الحداثة والتقدم، وتضع السياسات بما يتناسب مع معايير تلك الدول، وترسم الإستراتيجيات بما يتوافق مع مصالحها، بل إن الدول العربية والإسلامية لا تأمن على أموالها وثروات بلادها إلاّ من خلال إيداعها لدى مصارف الدول الأجنبية، والقادة فيها يرون من الفخر والشرف لهم التقرب إلى زعماء تلك الدول والتقاط صور تذكارية مع الرؤساء والملوك فيها.

إن ورود بداية العام الشمسي ( النوروز ) في المجتمع الإسلامي كان مع دخول الإسلام إلى بلاد فارس في أوائل القرن الأول الهجري، وكان التعاطي معه إيجابياً من قبل الإمام علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت عليهم السلام، بسبب ما يتضمن الإحتفال بهذا اليوم من اجتماع للعائلة وتبادل للهدايا وتقارب بين النفوس وعموم البهجة في المجتمع كله..

 وقد جاء في التاريخ أنه تمّ تقديم حلوى إلى أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، فسأل عن السبب، فقيل له:

 إنه يوم " نوروز "

فقال عليه السلام: " نَورزونا كل يوم "..

وقد عمل أئمة أهل البيت عليهم السلام على إعطاء هذا اليوم معنى روحياً فأوصوا بقراءة أدعية خاصة لحظة حلول السنة الجديدة وإقامة صلوات خاصة في هذا اليوم، وذلك لكي لا يقتصر العمل بتبادل الزيارات وتقديم الحلوى واجتماع الأسر مع بعضها، وهذه أمور يحضّ عليها كثيراً الإسلام الحنيف، لكن لا ينبغي الإكتفاء بها من دون ذكر الله والتوجه إليه سبحانه.

إن تزامن اليوم الأول من فصل الربيع والنوروز الذي يعني بالفارسية اليوم الجديد مع بيعة الغدير جعل لهذا اليوم معنى إضافياً، حيث يضفي الإيرانيون الشيعة الذين يشكلون الغالبية في البلاد لوناً خاصاً على هذا اليوم، ويربطون في بعض الحالات بين هذا العيد وبين بيعة الغدير التي وقعت يوم 18 ذي الحجة من العام العاشر للهجرة، وذلك بعد عودة النبي صلى الله عليه وآله من حجة الوداع، والذي بموجب ذلك الحدث التاريخي الذي يتفق كافة المسلمين على وقوعه تم تعيين الإمام علي بن أبي طالب خليفة على لسان النبي صلى الله عليه وآله، وذلك بعد نزول أمر إلهي قاطع بقوله:

 ( يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين )..

 لكن دولاً أخرى وشعوباً في بلاد عديدة في المنطقة تحتفل بهذا اليوم بمعزل عن الرابط بين الحدثين.

إن تنظيم السنوات بناء على عملية حسابية لا علاقة مباشرة للأديان به البتة، فالسنة القمرية أي الإعتماد على دوران القمر حول الأرض وكذلك تحديد الأشهر وتسميتها بدأ قبل بزوغ شمس الإسلام بسنين، لكن الدين الحنيف صادق على ذلك وبنى الأحكام الشرعية والمناسبات الدينية على هذا الأساس، ولقد ورد في القرآن الكريم إشارة إلى الإقرار ضمنياً بالتوقيت بالحساب الشمسي إضافة إلى السنة القمرية عندما يذكر فترة رسالة النبي نوح عليه السلام فيقول:

( ولبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً )

وعن مدة لبث أصحاب الكهف يقول:

 ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً )، حيث جمع الله في الآيتين الحسابين الشمسي والقمري معاً.

لقد كانت شعوب متعددة منذ قديم الزمان تبني حساب سنتها بناء على دوران الأرض حول الشمس، وذكرنا آنفاً أن القرآن الكريم أقرّ بذلك في سياق بيان أخبار الماضين، وكان التاريخ الرائج في بلاد الغرب قبل ولادة السيد المسيح عليه السلام هو بالحساب الشمسي، لكن توسع الديانة المسيحية في تلك البلاد أدى بمرور الزمان إلى احتساب السنة نفسها لكن تمّ ربطها بعام ولادة النبي عيسى عليه السلام، كما أن اليهود اعتمدوا من قبل تاريخاً خاصاً بهم يعود إلى 3761  قبل الميلاد زاعمين أن الخلق كله بدأ في ذلك الوقت والزمان..

 لكن،

 من المرجح أن هذا التقويم تمّ تنظيمه من قبل السنهدرين ( مجلس ديني يهودي ) في القدس خلال القرن الأول قبل الميلاد، أما هذا التوقيت في الحقيقة فإن له علاقة بذكرى الرحيلين لبني إسرائيل، فيما أصل التقويم يعود إلى أيام الحضارة البابلية التي نشأت في بلاد ما بين النهرين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد.

واليوم نرى أن للصين سنة خاصة بها على أساس الحساب القمري وتحتفل بها كل عام، وكوريا الشمالية من جهتها تعمد الى احتساب السنة الشمسية لكن يبدأ التاريخ بولادة مؤسس الدولة الراحل كيم إيل سونغ.

إذن،

 فلا علاقة تأسيسية بين اي من الاديان السماوية وكافة التقاويم، لكن كل دين صادق على ما كان الناس يتعاملون معه في فترة الدعوة، وتترتب الأحكام الدينية وتنظم المناسبات كلها على القواعد الرائجة، وهكذا يأخذ ذلك التقويم لوناً شرعياً وصفة دينية وشعاراً لأتباع ذلك الدين حيث كانوا.

لكن العجيب والمستغرب ما نشاهده اليوم من تلفيق بين المناسبات الدينية كشهر رمضان المبارك مثلاً والتاريخ الميلادي او الإيراني، فيقال: شهر رمضان 2021 مثلاً في أكثر المجتمعات العربية، أو محرم 1400 في كثير من الاماكن  بالجمهورية الإسلامية في إيران، وهذا يدلّ على مدى انشداد اجيالنا من دون وعي نحو الثقافة الغربية حتى نسيت سنتها الهجرية وربطت حتى مناسباتها الدينية بالتاريخ الميلادي.

وفي الخاتمة،

نسأل الله لنا الهداية إلى الصراط المستقيم ولأمتنا الإسلامية والعربية استعادة هويتها واستقلالها الفكري لأن الأعداء لا يألون جهداً في سبيل فك الرباط بين الأمة وتاريخها المجيد مستعملين كافة الوسائل ومختلف الأساليب وفي آخرها الحرب حيث ينبؤنا بذلك الله سبحانه في القرآن الكريم بقوله:

 ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّكم هم دينكم إن استطاعوا ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي