2021-03-18 15:19:35

عام التحديات والفرص / بقلم د.محمود خليفة - سفير دولة فلسطين

عام التحديات والفرص / بقلم د.محمود خليفة - سفير دولة فلسطين

عام التحديات والفرص / بقلم د.محمود خليفة - سفير دولة فلسطين

عميد السلك الديبلوماسي العربي في بولندا

مجلة الشراع 18 آذار 2021

 

يسهل تشخيص الوضع ووضع اللوم على سياسات ادارة ترامب السابقة التي دفعت العالم باسرة الى حافة الهاوية نتاج مجازفاتها السياسية، وهذا صحيح، ولكن الضرورة تستوجب استدعاء القواعد الأخرى الناظمة للعلاقات الدولية، الضامِنَة للأمن والاستقرار الدولي بعد ضعف دورها وتأثيرها.

العالم يواجه تحديات لن يكون بمقدور دولة منفردة مواجهتها، بل تماسك المجتمع الدولي بمؤسساته ومواثيقه، كواحدة من ضرورات استعادة اسلوب حياتنا وانسانيتنا. والتي باتت مهددة نتاج الفوضى الخلاقة، ولا اقصد بما سبق ما تعيشه منطقة الشرق الأوسط فقط، وانما العالم باسره، فإنسانيتنا هي آخر ما تبقى من هواء الارض.

 

اما بالنسبة لنا نحنُ الفلسطينيون فعلى مدار سبعة عقود من الاحتلال الاسرائيلي الذي حاول انتزاع حياتنا وارضنا ومستقبلنا، والقى بمليون فلسطيني (اصبحو الان نحو سبعة ملايين) خارج هامش الحياة، لا تزال الاسئلة توجه للفلسطيني حول مستقبل الاسرائيلي!

ورغم ما يراه العالم من جرائم الاحتلال الاسرائيلي الاستعمارية بفعل سطوة القوة، لا يزال الفلسطيني مجبراً على تقديم الاجابات.

ماذا نريد أمس واليوم وغداً؟

بعد سنوات من الصراع المُسلح، سَلَكَ الفلسطينيون طريق المفاوضات السلمية بحثاً عن حل للقضايا المُستَعْصِيَة على قاعدة الاعتراف المتبادل وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 والقدس عاصمة دولة فلسطين، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين (نحن يا ساده،  نتحدث عن مساحة نحو 22% من فلسطين التاريخية البالغة نحو 27,000 كم2)، غير ان مماطلة اسرائيل المستمرة عبر مفاوضات هدفها التفاوض، لاطالة أمد الوضع الحالي، استوجب موقفاً فلسطينياً واضحاً جلياً برفض السياسات العبثية الاسرائيلية، ورفض التدخل الامريكي الذي حاول بشتى الطرق فرض ما اسماه صفقة القرن، لم تُقدم للفلسطينيين اي حلول سياسية مقبولة، وكانت وصفة صريحة لإدامة الصراع.

 

"وَهَمُ أبراهام" العربة أمام الحصان !

رفضنا نحن الفلسطينيون الخضوع  للاملاءات الامريكية، ومراوغات ادارة الرئيس ترامب لإحداث إختراقات في جدار الموقف العربي الداعم للجانب الفلسطيني،  وَسَعَتْ الادارة الامريكية  لتشكيل تحالفات  اقليمية، وعقدت إجتماعات متفرقة  كان مؤتمر وارسو في فبراير 2019 واحداً منها ولم يكن آخرها، وفي اجتماع المنامة في 21 أكتوبر 2019، سقطت آخر ورقة من اوراق صفقة ترامب بوعودها الكاذبة، (اعتقد البعض مخطئاً انها قد تُشَكِلُ اساساً للبناء عليه) فاستخرج الحاوي الامريكي خطتة التي بدى انها خطة الاحتياط "ابراهام"، وبرأيي أنها الخطة الاساس، لاحداث شرخ في الموقف العربي وتجاوز الشروط العربية لتحقيق السلام الشامل بالحفاظ على الوضع في المنطقة، واستبدال السلام بجسور مع المشروع الكولونيالي في المنطقة.

 ونعترف ان الادارة الامريكية نجحت جزئياً مع بعض الدول العربية " كان بعضها مستعداً لهذه الخطوة لأسبابه"، الا ان غالبية الدول العربية، وبشكل خاص دول الطوق التي ترتبط اساساً باتفاقيات سلام مع اسرائيل، بقي رافضاً لتلك التفاهمات مؤكداً على الموقف العربي لحل الصراع وفقاً لمبادرة السلام العربية عام 2002 والتي تدعو لانسحاب اسرائيل الكامل من الاراضي العربية بما فيها الجولان السوري والاراضي اللبنانية المحتلة حتى تاريخه، والاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 والقدس عاصمتها، وتسوية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ثم التطبيع وهذا ما اكد عليه مجلس وزراء الخارجية العرب في فبراير 2021.

خوضُ البعضِ مغامرة التطبيع المجاني لم يحقق اختراقاً يعزز السلام في المنطقة بقدر توسيعها لرقعة عدم الاستقرار بخروجها عن الاجماع العربي،  وستكون له ارتداداته فيما بعد على الصعيدين الداخلي والعربي، خاصة ان تلك الدول ليست على خط المواجهة مع "اسرائيل"، وتفاهماتها لم تشكل رافعة للسلام، وبالنتيجة وضعت تلك التفاهمات العربة امام الحصان، ورفعت وتيرة التهديد لصالح التوسع الاستعماري الاسرائيلي.

ويكفي الإصغاء لتصريحات نتنياهو بعد الاعلان عن اتفاقيات التطبيع: لم التزم بشيء!!

اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية  تعزيز لدور المجتمع الدولي

لجوء الفلسطينيين لمحكمة الجنايات، كان اعلان صريح من الجانب الفلسطيني برفض دوامة العنف، والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية وقرارات المجتمع الدولي، وعلى سعيهم لحماية شعبهم من جرائم الاحتلال الاسرائيليفي ظل الانحياز الفاضح لإدارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب لجانب الاحتلال الاسرائيلي.

تحقيق العدالة والمسائلة مبدأ لا غنى عنه لتحقيق السلام،  ويجب ان فترة بقاء "اسرائيل" فوق المحاسبة والقانون. إعلان محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في مارس 2021 فتح تحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة في الرابع من حزيران 1967. يستند من ضمن امور أخرى على قرار الدائرة التمهيدية التي خاطبت كافة الاطراف المعنية بما فيها اسرائيل"التي رفضت الادلاء برأيها"، وخلوص المحكمة الى حق فلسطين في ممارسة صلاحياتها بموجب اتفاق روما.

وحقيقة أن جرائم "اسرائيل" مستمرة ومنهجية وواسعة النطاق، يجعل التحقيق ضرورة ملحة وواجبة انسجاما مع ولاية المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة الإفلات من العقاب وردع مرتكبي هذه الجرائم.

لم تهاجَمْ محكمة الجنايات او الادعاء العام للمحكة باية الفاظ مخلة من اي دولة او شعب خضع مجرموه للمحاكمة امام قضاة المحكمة، كما فعلت "اسرائيل" بوصفها على لسان نتنياهو قرار المحكمة أنه يلخص" جوهر معاداة السامية"،  في حين ان قائد جيش الاحتلال ووزير خارجية اسرائيل الحالي "غابي اشكنازي" ( الذي نفذ الجيش الاسرائيلي تحت قيادتة جرائم حرب بحق الفلسطينيين، رفض مثول اي جندي اسرائيلي امام بعثة الامم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن الحرب على غزة عام 2008)، اعتبر ان المحكمة  وبحكم ان اسرائيل ليست عضواً فيها، ليس من صلاحياتها فتح تحقيق ضد إسرائيل. ما يعني ان اشكنازي"الذي من الممكن ان يحاكم كمجرم حرب بحكم قيادته للجيش الاسرائيلي" يعتبر ان " اسرائيل" فوق القانون بحجة عدم توقيعها على ميثاق روما!.

 

ادارة الرئيس جو بايدن الجديدة والشرق الأوسط الجديد

 الرئيس الامريكي الحالي جو بايدن ضليع بقضايا المنطقة، حيث كان خلال الفترة ما بين يناير 2009 ويناير 2017 نائباً للرئيس اوباما، صحيح انه في عهد إدارة الرئيس اوباما لم يَحدُث اي اختراق في العملية السياسية، لكنها ايضاً لم تقرع طبول الحرب كما فعلت ادارة ترامب.

لا تزال التداعيات السلبية لسياسات سلفه ، التي أضرت بدور الولايات المتحدة في المنطقة بحاجة إلى حل. نقل وزير الخارجية بلينكين  خلال اجتماعات  أجراها مع مجموعات أمريكية من أصول عربية لرسائل حذرة حول الالتزام بمفهوم التعاون الدولي في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وقراره إعادة تفعيل ادارة او مكتب الشؤون الفلسطينية في وزارة الخارجية الأمريكية وتعيين  مدير لها دبلوماسي أمريكي من أصل لبناني  هادي عمرو أجرى محادثات بالفعل مع رئيس وزراء فلسطين.

المؤكد ان الإدارة الامريكية الحالية للرئيس بايدن تختلف عن سابقتها، ومن المبكر الحكم عليها استناداً لتصريحاتها، بل يجب لمس الخطوات والشعور بتلك السياسات الهادفة لتحقيق السلام وفقاً للشرعية الدولية، والانفتاح عليها بحذر.

.

لا وقت لإضاعته!!

نفهم ان قضايا المنطقة لا تتوقف عند الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني، وان كان هذا الصراع محور كافة القضايا التي تعيشها المنطقة، ونتابع تصريحات ادارة الرئيس جو بايدن التي تشير الى أن أولويات الإدارة الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، تتمثل في البرامج النووي الإيراني، ودور ايران في المنطقة، وتأمين إسرائيل، وتعزيز السلام، وإنهاء الحروب في اليمن وليبيا، وحقوق الإنسان في المنطقة.

باستثناء التصريحات ،لا نرى دفعاً امريكياً في قضايا المنطقة، ومع ذلك فان امام الادارة الامريكية الكثير من التحديات المحلية والدولية والاقليمية، وجميعها تنتظر تحرك السوبر باور، ولا يجب ان تغفل دور لاعبين آخرين في المنطقة مثل روسيا والصين والاتحاد الاوروبي، إذ لن تستطيع الادارة الامريكية مهما رغبت استبعادهم من لعب دور اساسي!.

 

الاتحاد الأوروبي و دور الوسيط

بمقدور الاتحاد الاوروبي لعب دور فاعل في الشرق الاوسط، والاسهام في الوصول لحل مرتكز على الشرعية الدولية، يحقق طموحات كلا الجانبين؛ ويراهن الجانب الفلسطيني على الدور الاوروبي لقربه من المنطقة سياسياً وجغرافياً، وانخراطه منذ البداية بدفع مسيرة المفاوضات السياسية.

 يرى بعض السياسيين والمحللين السياسيين الاوروبيين أنه كان بإمكان الاتحاد الأوروبي الاسهام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأتيحت له العديد من الفرص على مدار السنوات الخمسة عشر الماضية ولكن الاتحاد الاوربي عمل على حماية أوسلو!؟.

إن اعتراف الاتحاد الاوروبي بدولة فلسطين خطوة مهمة على طريق حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، لأن ذلك هو جوهر القرارات الدولية والاتفاقيات الثنائية، أما القبول بفكرة التعامل مع مراوغات اسرائيل وتملصها من التزاماتها تجاه عملية السلام، فتلك خطورة مطلقة ولن تسهم في الوصول الى حل سياسي، وتُعطي دولة الاحتلال الفرصة لفرض الوقائع على الارض التي تتعامل معها الادارات الامريكية كحقائق، وهي زائفة ومخالفة للقرارات الدولية.

 

فلسطين واسرائيل الخروج من النفق!

في ظل التحديات الكبيرة التي تعيشها المنطقة، يخوض الفلسطينيون جولات من الحوار المتواصل بين قادة فصائل العمل الوطني في رام الله وبيروت، وحوارات بين حركتي "فتح" و"حماس" في إسطنبول، واخرى في القاهرة، خلصت الى توافق الجميع على ضرورة استعادة عوامل الوحدة الفلسطينية، وعقد الانتخابات واحترام نتائجها.

 وعلى هذا المسار أصدر الرئيس محمود عباس في 15 يناير/كانون الثاني 2021، مرسومًا رئاسيًّا حدد فيه مواعيد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني (برلمان منظمة التحرير الفلسطينية) على ثلاث مراحل، الانتخابات التشريعية في 22 مايو/أيار 2021 ، الانتخابات الرئاسية في 31 يوليو/تموز 2021 وتستكمل الانتخابات للمجلس الوطني في 31 أغسطس/آب 2021. باعتبارها عوامل قوة الموقف الفلسطيني.

ومع ذلك نعتقد بضرورة التزام المجتمع الدولي بتأمين عوامل نجاح تلك العملية الديمقراطية من خلال تمكين الفلسطينيين المقدسيين من الادلاء باصواتهم ترشيحاً وانتخاباً، واحترام نتائج تلك الانتخابات من قبل المجتمع الدولي نفسه.

على الجانب الآخر تعتبر الانتخابات في "اسرائيل" واحدة من اساليب التهرب من التزاماتها تجاه عملية السلام، وهذا ما يحصل منذ انتخابات الكنيست الرابعة عشرة في مايو 1996، غير ان الانتخابات الاربع الأخيرة ( جرت خلال عامين) تميزت بالصراعات الداخلية في ظل اتهامات بالفساد لرئيس الوزراء نتنياهو، جعلت من عملية السلام واحدة من التجاذبات الانتخابية، تشير بوضوح الى ابتعاد الجانب الاسرائيلي عن طريق السلام.

 هناك 39 قائمة حزبية تتصارع على مقاعد الكنيست ال 120، والتي من المتوقع ان تجري في 23 مارس الحالي، وتشير التوقعات ان اعلى قائمة حزبية يمكن ان تحصل على 28 مقعداً( وهذا بحد ذاته يشير الى صعوبة تشكيل تحالف حكومي)؛  الملاحظ أن اياً من الاحزاب المتنافسة "باستثناء الاحزاب العربية" لا تضع السلام ضمن اولوياتها الانتخابية، بل على العكس تماماً، فإن الاقتراب من مسألة التفاوض يعتبر واحدة من المحرمات التي لا يجب الاقتراب منها في ظل سيطرة تحالفات اليمين المتطرف.

اياً يكن الامر، فإن الانتخابات لدى الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، ضرورية وصعبة ومصيرية في هذا الوقت بالذات، غير ان من الأهم ان تُشكل تلك الانتخابات رافعة لعملية سلام حقيقي وخطوة نحو الامام بالنسبة للشعبين. فليس بإمكان أي طرف إلغاء الآخر، ومن مصلحة الإسرائيليين الانخراط بشكل جدي في صناعة السلام. وأن يتوقفوا عن سياسة المراوغة والعبث والابتزاز، وشيطنة الآخر.

السلام  التقاط الفرصة 

آخذاً بالاعتبار كل ما سبق، فإن الاحتكام للشرعية الدولية كان قراراً فلسطينياً مسؤولاً وجريئاً، هدفه انقاذ الوضع وتجنيب شعوب المنطقة الكثير من ويلات الحروب، وهذا ما أكده الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرة أخرى خلال اعمال الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 ايلول 2020، داعياً الأمين العام والرباعية الدولية ومجلس الأمن لعقد مؤتمر دولي في بداية العام القادم، "بهدف الانخراط في عملية سلام حقيقية على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية والمرجعيات المحددة وبما يؤدي إلى إنهاء الاحتلال ونيل الشعب الفلسطيني حريته واستقلاله في دولته بعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967 وحل قضايا الوضع النهائي كافة وعلى رأسها قضية اللاجئين استنادا للقرار 194".

هذا هو الحق والعدال، وتأجيله أو تجميده لن يضمن الاستقرار في المنطقة.