2021-03-18 14:39:22

أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر / بقلم الشيخ أسامة السيد

أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر / بقلم الشيخ أسامة السيد

أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 18 آذار 2021

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يا قومِ إنَّما هذه الحياةُ الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار} سورة غافر.

وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد ألا كلُّ شىءٍ ما خلا الله باطل" متفقٌ عليه. ومعنى ذلك أن كل عملٍ لا يراد به رضا الله فلا خير فيه وهو إلى زوال.

وتمام الشعر:

ألا كلُّ شىءٍ ما خلا اللهَ باطلُ                           وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ

خلا جنةَ الفردوسِ إن نعيمَها                         مقيمٌ وإن الموتَ لا شكَ نازلُ

وفي "البداية والنهاية" لابن كثيرٍ "أن لبيد بن ربيعة كان ينشد في مجلس من قريش (أي قبل إسلامه) وبينهم الصَّحابي الجليل عثمان بن مظعون فقال لبيد: ألا كلُّ شىءٍ ما خلا الله باطل، فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان: كذبتَ، نعيمُ الجنة لا يزول". وكان هذا قبل إسلام لبيد ثم إن لبيدًا وفَد بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فآمن وحسُن إسلامه. قال ابن حجر في "الإصابة": "ويحتمل أن يكون زاد هذا البيت (أي الثاني) بخُصُوصه بعد أن أسلم".

أشعرُ المخضرمين

قلتُ: ولبيدٌ هذا هو ابن ربيعة العامري ويُكنى بأبي عقيل وكان من فحول الشعراء وأحد أصحاب المعلَّقات

ونعني بالمعلَّقات قصائد طويلة لبعض فحول شعراء العرب قيلت في الجاهلية وكانت على قدر كبير من البلاغة فأُعجب بها العرب جدًا حتى كتبوها بماء الذهب وعلَّقوها على أستار الكعبة فسميت لذلك بالمعلَّقات أو المذَهَّبات. ولبيد أشعر المخضرمين أي الذين قالوا الشعر في الجاهلية والإسلام إلا أنه لم يُكثر من الشعر بعد إسلامه حتى قيل إنه لم يقل بعد إسلامه إلا بيتًا واحدًا وهو:

الحمد لله إذ لم يأتني أجلي                       حتى اكتسيت من الإسلام سربالًا

ومعناه أنه يحمد الله أن مدَّ في عمره حتى أدرك البعثة الشريفة فأسلم ولم يمت قبل ذلك. قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": "ويحتمل أن مراد من قال إنه لم ينظم شعرًا منذ أسلم أنه لم ينظم شعرًا كاملًا (أي قصيدةً كاملة)". وفي "أُسْد الغابة" لابن الجزري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال يومًا للبيد: أنشدني من شِعرك شيئًا. فقال: ما كنت لأقول شعرًا بعد أن علّمني الله البقرة وآل عمران (السورتان المعروفتان في القرآن الكريم) فزاده عمر في عطائه خمسمائة وكان ألفين".

وقد اختلف في عمره يوم مات، قال البدر العيني في "عمدة القاري": وقال مالك بن أنس (صاحب المذهب) بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة. وقيل: مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. وقيل غير ذلك. وأخباره في كتب التاريخ والأدب معروفة رضي الله عنه.

بلاغةٌ وشرف

ولكن يكفي لبيدًا من الشرف أن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أصدق كلمة قالها شاعر" ولم يُرد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أصدق كلمة" مجرد كلمة مفردة بل أراد جملةَ ما قال لبيد وهو صدر البيت الأول: ألا كلُّ شىءٍ ما خلا الله باطل، ويقال لمثل هذا في العرف كلمة.

قال ابن حجر في "الفتح": "وقال ابن بطَّال: قوله "ما خلا الله باطل" لفظ عام أريد به الخُصُوص والمراد أن

كل ما قرَّب من الله (أي من رضا الله) فليس بباطل وأما أمور الدنيا التي لا تؤول إلى طاعة الله فهي الباطل".

ومعنى ذلك أن كل عملٍ لا يراد به رضا الله فلا خير فيه وهو إلى زوال ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا ملعونة ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلِّمًا" والمراد: لا خير فيها يدَّخره المرء للآخرة إلا طاعة الله وما أعان على طاعة الله وما أحبه الله مما يجري في الدنيا أو عالما عاملًا بعلمه أو متعلمًا يريد بعلمه طاعة الله لا غرضًا رخيصًا.

قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح": "قال النووي: المراد بالباطل الفاني المضمحل". وإنما كان قول لبيد

هذا أصدق لأنه موافق لأصدق الكلام وهو قوله تعالى:{كل شىءٍ هالك إلا وجهه} سورة القَصص. والمعنى إلا ما أريد به وجه الله (أي رضا الله) رواه البخاري وحكاه السمعاني في "تفسيره" عن الإمام سفيان الثوري. وذلك أن ثواب العمل الصالح يبقى ذخرًا لصاحبه في الآخرة، أما ما عدا ذلك فإنه يزول مع زوال الدنيا ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة الكهف:{المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصَّالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا} فمن كان قصدُه من الدنيا مجرد َكثرة المال والبنين فذلك زينة الحياة الدنيا وهو فانٍ، ومن كان مقصودُه في هذه الدنيا اغتنامَ الخير للآخرة فذلك الباقي وذلك خير ما يأمله أي يرجوه الإنسان فإن الأمل بالدنيا يخيب أما أمل الصالحين بحسن الجزاء في الآخرة فلا يخيب. وبهذا تظهر بلاغة لبيدٍ أكثر فأكثر في صدر هذا البيت إذ اختصر فيه حقيقة الدنيا بكُليماتٍ، وما أجدر بالمرء أن يُعرض عمَّا لا خير فيه وأن يكتفي من الدنيا بما يكفيه ثم يستعين بما فضل عن حاجاته الأصلية على طاعة الله وذلك بإنفاقه وتقديمه لآخرته وأبواب ذلك كثيرة وباب الصدقات واسع لا سيما في زماننا الذي نعيش فإن ما يصرفه المرء للدنيا يضمحل وما يصرفه للآخرة يبقى وهذه حقيقة لا ينتبه لها أكثر الناس فعن أم المؤمنين عائشة أنهم ذبحوا شاةً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بقي منها؟ قالت: ما بقي إلا كتفُها. فقال: بل بقي كلها غير كتفها" رواه الترمذي. فانظر إلى دِقَّة ما نبَّه إليه معلمُ الناسِ الخيرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لتعرف ما الذي يبقى حقيقة وما الذي يذهب بلا طائل لتُدرك كيف ينبغي أن تتصرف فيما أنعم الله به عليك من النعم التي لا تُحصيها بدل أن تجمع وتجمع ثم ينزل بك الموت ويؤول المتاع لغيرك فيهنأ هو به وتُحاسب أنت عليه فإن الخسارة الكبرى أن يكون حظ المرء الدنيا فقط ولا نصيب له في نعيم الجنة الباقي.

والحمد لله أولًا وآخرا.