2021-03-04 18:52:16

لهذه الاسباب تراجعت انتفاضة الجزائر / بقلم أحمد أبو داوود

لهذه الاسباب تراجعت انتفاضة الجزائر / بقلم أحمد أبو داوود

لهذه الاسباب تراجعت انتفاضة الجزائر / بقلم أحمد أبو داوود

مجلة الشراع 4 آذار 2021

عام مضى على ذكرى انطلاق الحراك الجزائري الذي أسس لقاطرة الانتقال من زمن القهر و الفساد و تغول عصابات المال بعد استيلائهم على مقدرات الشعب و على السلطة باسم شبح رئيس مقعد لم يخاطب شعبه لأكثر من خمس سنوات سبقتها عشرية مأساة و دم راح ضحيتها ربع مليون جزائري تلتها عشر عجاف و عشر اجتمع فيها ثالوث الفساد و القهر و الاستبداد حتى ظنّت الطغمة الحاكمة أن الشعب دجن و لن يجروء على الانتفاض  و المطالبة باستعادة كرامته ، تمادت العصابة التي كان يقودها شقيق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في غيها و جبروتها مستخفة بأكثر من أربعين مليون نسمة و في مشهد أقل ما يقال عنه مزج بين الكوميديا و التراجيديا عمدت العصابة إلى ترشيح جسد الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة لاستكمال مسلسل السلب و النهب ، لكن الشعب وصل به الاحتقان لدرجة جعلته يهب هبة واحدة فكان ميلاد الحراك الذي نسف مخططاتهم.

لقدبعثت الانتفاضة الشعبية، التي انطلقت في 22 فبراير 2019، الآمال في تحقيق القطيعة مع الوضع القائم منذ عقود، إذ طالب المحتجون، الذين كانوا يخرجون بالملايين كل جمعة، شعارا واحدا عبر مختلف ولايات الوطن لا للعهدة الخامسة ، و استمر المشهد على هذه الحال لأربعة أسابيع ، لكن و اعتبارا من الجمعة الخامسة بدأت علامات الانقسام تظهر على مشهد الحراك العفوي نتيجة محاولة جهات سياسية و تنظيمات ذات توجه طائفي و إديولوجي ركوب موجة الحراك و تبنيه،

لعل أبرز مشاهد الاختراق برزت في خرجة حركات الماك الانفصالية و التنظيمات المتفرعة منها إثارة  قضية الراية الأمازيغية في حراك الجزائر بشكل خطير وغير مسبوق بصورة مفاجئة، بعد أن أصبحت هذه الراية التي يصفها البعض بأنها راية ثقافية أو هوياتية وترمز للسكان من ذوي الأصول الأمازيغية أو البربرية، إلى منافس صريح للراية الوطنية الجزائرية، في شوارع العاصمة وبعض المدن الأخرى، الأمر الذي أحدث استفزازا كبيرا عند جزء مهم من الجزائريين الذين يرون فيها راية سياسية تفتيتية، الأمر دفع بالمؤسسة العسكرية مع الجمعة الـ 18 من عمر الحراك، إلى منع رفع الرايات غير الوطنية، واعتقال بعض الأشخاص وإحالتهم على المحاكمة، مع ما خلفه ذلك من ردود فعل متناقضة بين الحراكيين أنفسهم، وأدى إلى حصول أكبر فتنة وسط الحراك الجزائري منذ انطلاقته، بل إنه كان بداية الإنسحاب و الإنقسام ، انسحب أكثر من ثلثي الحراكيين عن المشهد ، و انقسم المتظاهرون إلى فئتين حولت كل واحدة منها الصراع تجاه الفئة الأخرى في حرب شعارات ، فئة العروبيين الوطنيين أو ما أطلق عليهم تسمية الباديسيون النفمبريون و فئة الماكيست الفرونوشيون المتحالفة مع عناصر حركة رشاد الناشطة في فرنسا و بريطانيا.

و طغى على المشهد بعد الجمعة الثامنة عشرة مشهد التمزق و تلاشي الحراك بعد إفراغه من محتواه .

استمر الوضع على هذه الحال بعد ذلك  و بدأت الهوة تتسع أكثر فأكثر بين دعاة الجزائر النوفمبرية الباديسية ذات الأبعاد العربية الإسلامية، برايتهم الوطنية المعلومة، ودعاة الجزائر أمازيغية، وجلهم من التيار الفرونكوبربري، حتى شهدنا تمايزا في المسيرات، كان من أبرزها تركز القوى البربرية قبالة البريد المركزي بالجزائر العاصمة، باعتباره قبلة كاميرات القنوات العالمية، قبل أن تعمد قوات الأمن لتسييج بوابة البريد المركزي، بينما تركزت القوى الوطنية في باقي المدن الداخلية الجزائرية، وكان أبرزها تجمعات ومسيرات مدينة برج بوعريريج ، سطيف، ورقلة ، قسنطينة وهران و باقي مدن الجنوب و الغرب الجزائري التي سيطرت فيها الراية الوطنية بشكل كامل.

و بلغ الأمر ذروته حين أفرجت حركة مواطنة الفرونكو بربرية عن أهدافها و نواياها عندما منعت المتظاهرين من رفع الراية الوطنية في بعض مناطق بجاية و تيزي وزو ، و خرجت الناطقة باسمها المحامية زبيدة عسول علنا منادية بإسقاط راية علم الجزائر و استبدالها بالراية الأمازيغية .

و هكذا تلاشت فاعلية الحراك  على الرغم  من إطاحته لمشروع العهدة الخامسة و إسقاط نظام بوتفليقة و عصابة المال ، لكنه تحول إلى صراع هوياتي له جذوره التاريخية و يعكس الصراع المحتدم منذ الحركة الوطنية والثورة التحريرية، بين المشروع النوفمبري نسبة لبيان أول تشرين ثاني (نوفمبر) 1954، الذي فجر الثورة التحريرية الهادفة  لبناء دولة ديمقراطية في اطار المبادئ الاسلامية، وبين المشروع الصومامي، نسبة لأرضية مؤتمر الصومام (1956)، الذي ألغى تلك المبادئ وعوضها بمبادئ لائكية، والدليل أن الشعارات المرفوعة تشير مثلا إلى "لا صومام لا إيفيان، نوفمبر هو البيان" أو "باديسية لا باريسية".. بينما ترفع في مقابلها شعارات تدعو للمجلس التاسيسي أو الفدرلة أو ما شابه.

بقي الحراك مستمرا على ما هو عليه من مشهد الصراع رغم جائحة كورونا التي اجتاحت العالم ، لكنها أثرت في ما بعد على استمراريته نتيجة انتشار الوباء و ارتفاع عدد الإصابات.

عاد الحراك في ذكراه الأولى لكنه عاد باهتا في روحه لأنه لم يخل من مشهد الصراع الهوياتي و الأجندات الاديولوجية.