2021-03-04 10:58:10

الانتحار عمل فاسد وآفة خطيرة / بقلم الشيخ أسامة السيد

الانتحار عمل فاسد وآفة خطيرة / بقلم الشيخ أسامة السيد

الانتحار عمل فاسد وآفة خطيرة / بقلم الشيخ أسامة السيد

الانتحار عمل فاسد وآفة خطيرة / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 4 آذار 2021

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

 قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تقتُلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} سورة النساء.

وعن أبي بَرزَةَ الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمِل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه" رواه البيهقي.

ما زالت ظاهرة الانتحار تتكرر وما زلنا نسمع بين الحين والآخر أن فلانًا قتل نفسه نظرًا للظروف التي يمرُّ بها، والأجدر بالعاقل أن ينظر في هذا الحديث فيعلم أنه مسؤولٌ عن عمره وعن جسمه وعن ماله وعن علمه فيتقي الله في نفسه فلن تزول قدما عبدٍ عن موقف الحساب يوم القيامة حتى يُسأل عن تلك المذكورات، فإنه إذا بُعث من القبر يُسأل فورًا عن ذلك، وليت شعري ماذا سيكون موقف من فرَّط في جسده بالانتحار عند السؤال يوم القيامة؟! ومن ظن أنه يرتاح بالانتحار من الشدائد فهو مخدوعٌ غرَّه الشيطان، ومما يؤسف جدًا أن الانتحار قد كثر اليوم في شتَّى الدُّول وهو آفةٌ مدمّرة لا يُقحم نفسه فيها إلا ضعفاء النفوس.

الانتحار ليس كفرًا

ومما زاد الطين بِلَّةً أن بعض الناس يعتبرون والعياذ بالله أن من انتحر تعبيرًا لاعتراضه على الواقع المر الذي تعيشه أغلب الشعوب اليوم شهيدًا، وفريقٌ يرى أن مجرَّد الانتحار كفرٌ يخلد صاحبه في نار جهنم. وكلا الرأيين خطأ والصواب أن المنتحر أحد اثنين إما مستحلٌ للانتحار وهذا ضلالٌ مبينٌ وخروجٌ من ملة المؤمنين. قال الإمام أبو جعفرٍ الطحاوي السلفي في "العقيدة الطحاوية": "ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحلَّه"، وإما غير مستحلٍ له وهذا آثمٌ يستحق العقاب الشديد، والمنتحر إن كان مؤمنا فقد يغفر الله له أو يعذبه ومآله لو عُذِّب الخروج من النار ودخول الجنة، ويؤيد هذا ما جاء في صحيح مسلم تحت عنوان "باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر" أن الطَّفِيل بن عمروٍ هاجر إلى المدينة وهاجر معه رجلٌ من قومه فمرض فَجَزِعَ (الجَزَع: اليأس) فأخذ مشَاقِص له (جمع مِشقَص سهمٌ عريض النَّصل) فقطع براجمه (مفاصل الأصابع) فشخَبت يداه (سال دمها) حتى مات فرآه الطفيل في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطِّيًا يديه فقال له: ما صَنع بك ربك. فقال: غفر لي بهجرتي (بسبب هجرتي) إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك. فقال: قيل لي: لن نُصلح منك ما أفسدت. فقصَّها الطفيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ولِيَدَيه فاغفر". فلو كان الانتحار بمجرده كفرًا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم له بالمغفرة لأن الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه هو الكفر كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

وبناءً عليه فلا يصح كذلك تسمية المنتحر شهيدًا وقد جاء في "تبيين الحقائق" للزيلعي الحنفي ما نصه: "باب الشهيد سُمِّي به لأن الملائكة تشهدهُ إكرامًا له أو لأنه مشهودٌ له بالجنة"، وشتَّان بين من شهد الله له بالجنة وبين منتحرٍ اقترف كبيرةً وعرَّض نفسه لعذاب الآخرة.

سؤال وجواب

 فإن سأل سائل: أليس قد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تردَّى (ألقى نفسه) من جبلٍ فقَتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تحسَّى (شرب) سُمًّا فقتل نفسه فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يجأ (يطعن) بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدا" فما معنى ذلك؟ فالجواب: أن المراد بالخلود هنا الخلود النسبي وهو المكث الطويل أو هو محمولٌ على من قتل نفسه استحلالًا للانتحار فيكون بذلك مكذِّبًا للدين فيخلد في العذاب وقد ذكر هذين المعنيين للحديث الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" فليس مجرد الانتحار إذًا كفرًا وليس المنتحر اعتراضًا على الأحوال المعيشية شهيدًا ولا معذورًا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن بحديثه من انتحر لغرضٍ ما.

 فإن سأل آخر: ما معنى ما جاء في "شرح مشكل الآثار" للطحاوي عن جابر بن سَمُرة قال: "نحر رجلٌ نفسه بمِشقَصٍ فأُخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذًا لا أُصلي عليه". فالجواب:إنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه زجرًا لغيره عن مثل هذا الفعل  كي لا ينجرَّ غيرُه من المؤمنين إلى مثل هذه الجريمة الشنيعة، لا لأنه رأى كفرَ المنتحر بدليل أنه لم ينهَ الصحابةَ عن الصلاة عليه كما أوضح ذلك ابن بطَّالٍ في "شرح صحيح البخاري" فقال: "أجمع الفقهاء وأهل السنة أن من قتَل نفسَه أنه لا يخرج من الإسلام وأنه يُصلَّى عليه وإثمه عليه". وفيه أيضًا: "لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سنَّ الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحدًا فيُصلَّى على جميعهم الأخيار والأشرار".

ونقول لمن تمسَّك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على المنتحر للحكم بكفر المنتحر: روى البخاري عن سلَمةَ بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجِنازة فقال: هل عليه من دَينٍ. قالوا: نعم. قال: صلّوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول الله. فصلَّى عليه" فإن قُلتَ بكفر من مات وعليه دينٌ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة عليه فلماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصَّحابةَ بالصَّلاة عليه ولماذا رجع فصلَّى عليه حين تكفَّل أبو قتادة بإيفاء دينه؟ وإن قلتَ ترك الصَّلاةَ عليه زجرًا للناس عن المماطلة في رد الدَّين بلا عذرٍ وعن الاستدانة لغير حاجة وهو يعلم من نفسه عدم القدرة على وفاء الدين وهو هكذا قلنا: كذلك تركَ النبي الصَّلاةَ على المنتحر زجرًا للناس عن هذه الجريمة حتى لا يُقدمَ عليها أحد.

وختامًا ندعو المبتلى بالشدائد إلى الصبر وندعو المتسرِّع في الحكم على المنتحر تارةً بالشهادةِ وتارةً بالكفر وشتَّان بين الشهيد والكافر إلى توخِّي الدِّقة فإن الدين ليس بالرأي.

والحمد لله أولًا وآخرا.