2018-09-14 11:59:49

تركيا البراغماتية: بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية (الجزء الثاني) صراع بين العثمانيين الجدد والجيش العلماني / بقلم: عبد الهادي محيسن

تركيا البراغماتية: بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية (الجزء الثاني) صراع بين العثمانيين الجدد والجيش العلماني / بقلم: عبد الهادي محيسن

تركيا البراغماتية: بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية (الجزء الثاني) صراع بين العثمانيين الجدد والجيش العلماني / بقلم: عبد الهادي محيسن

تركيا البراغماتية: بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية (الجزء الثاني)

صراع بين العثمانيين الجدد والجيش العلماني / بقلم: عبد الهادي محيسن

 

وفي الحقيقة إن الصراع في تركيا هو أكبر من حظر الخمر وحظر البغاء اذ أننا نتحدث عن دولة كان يمنع بها الأذان وتغلق بها المساجد قبل ذلك بسنوات قليلة، أما من الناحية السياسية فإنه بالرغم من كل ما قام به العثمانيون الجدد من تحجيم الجيش سياسياً إلا أن الجيش التركي الذي يتحكم به متطرفو العلمانية ما زال هو اللاعب الأقوى على الساحة التركية وبإمكانه قلب الطاولة على جميع السياسيين وإجهاض المشروع السياسي الإسلامي ، حتى مع عدم وجود أدنى عذر دستوري..

فبالرغم من كل ما قام به حزب العدالة والتنمية من طمأنة الجيش والعلمانيين فقد كانت هناك عدة محاولات غير مباشرة للإنقلاب على الحكومة التركية كان من بينها التهديد الصريح الذي أصدرته قيادة الجيش التركي عام 2007 بأن الجيش سيتدخل إذا رأى أن القيم العلمانية باتت مهددة.. وأيضاً التحذير الآخر الذي أصدره الجيش التركي على موقعه الإلكتروني عام 2010 من خطورة الأوضاع الداخلية.

إلا أن رجب طيب أردوغان ورفاقه أداروا اللعبة مع الجيش بطريقة أذهلت الجميع فمع كل تشريع جديد ينجحون بإصداره من البرلمان التركي لرفع القيود الدينية عن الشعب التركي يقوم قادة حزب العدالة والتنمية بالمسارعة بالتصريح بأنهم يحترمون القيم العلمانية للدولة التركية، ومع كل تظاهرة يتم تنظيمها من قبل المتطرفين العلمانيين ينظم حزب العدالة والتنمية تظاهرات حاشدة تفوق تلك التظاهرات بعشر مرات مستفيدين من القاعدة الشعبية الجارفة التي يتمتعون بها في سنوات حكمهم الأولى.

لكنهم في الوقت نفسه كانوا يعدون العدة للتصدي لأي محاولة انقلابية مرتقبة فقد كان طرفا اللعبة يدركان تمام الإدراك أن السؤال لم يكن هل سيحدث إنقلاب عسكري في تركيا بل أن السؤال الحقيقي هو متى سيحدث ذلك الإنقلاب.

وفي ظل ذلك الصراع الثنائي بين العثمانيين الجدد والجيش العلماني كان هناك طرف ثالث يراقب الأحداث عن بعد، ويتحرك بصمت، يتحالف تارة مع الإسلاميين وتارة مع العلمانيين فأصبح يتحكم في كثير من خيوط اللعبة في تركيا.. إنه الرجل الغامض فتح الله غولين الملياردير التركي الذي يتخذ من ولاية بنسيلفانيا الأميركية مقراً له..

بداية هذا الرجل كانت في الستينيات من القرن الماضي عندما أظهر نفسه كرجل دين صوفي يدّرس رسائل النور التي كتبها الداعية الصوفي الكردي نورالدين النورسي رحمه الله وبعد رحيل النورسي قام غولين بقيادة إحدى الفرق التي انبثقت عن النورسي وسميت بحركة الخدمة.

بدأ غولين أولاً بتدريس رسائل النور في مدينة إزمير التركية مما أكسبه شعبية كبيرة وأتباعاً يتزايدون بشكل متسارع في جميع أنحاء تركيا ومع مرور الوقت أصبح غولين ينشر أفكاراً جديدة.. أفكاراً منحرفة فصار لدى أتباعه أفكار بأن فتح الله غولين المسيح المخلص أو المسيح المنتظر بعد أن أقنعهم هذا الرجل بأنه على تواصل مباشر مع الرسول (ص) والعجيب أن المؤسسة العسكرية العلمانية التي كانت تمارس قيوداً شديدة وتحرص على كل ما هو علماني كانت تسمح بالوقت نفسه لغولن بممارسة نشاطه بكل حرية.

في الوقت الذي كانت تمارس فيه القمع الشديد على البروفيسور نجم الدين أربكان مما أثار الشكوك حول وجود تحالف خفي بين العلمانيين من جهة وحركة فتح الله غولين من جهة أخرى في مواجهة المد الإسلامي في تركيا وهذا ما ظهر بشكل واضح في إنقلاب 1980 عندما ظهرت العلاقات الواضحة بين قائد الجيش العلماني إفرين وغولين الذي ترك حراً في الوقت الذي أودع فيه أربكان رحمه الله السجن بعد ذلك الإنقلاب.

منح الجيش العلماني فتح الله غولين كل التسهيلات التي تعينه على نشر فكره المنحرف فأسست حركة الخدمة أكثر من 1500 مؤسسة بمختلف مراحل التعليم وساهمت الرسوم الدراسية التي يتلقاها غولين من تلك المدارس والجامعات بتكوين مؤسسة مالية ضخمة تقدر بالمليارات مكنته من تأسيس امبراطورية إعلامية عملاقة تتكون من وكالات أنباء وقنوات فضائية وصحف من بينها قناة ناطقة باللغة العربية تسمى قناة ((حراء )) تلك القناة التي استضافت الكثير من الدعاة العرب المشهورين الذين مدحوا فتح الله غولين على الأرجح لعدم معرفتهم بنهجه المنحرف.

وعلى سبيل المثال فإن دور إسكان الطلبة التي كان يديرها غولين في الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تستقبل المنغولي البوذي ولكنها لا تستقبل العربي المسلم وذلك لحقد غولين ومجموعته على كل ما هو عربي.. المهم أن غولين بكل ما يحمله من أفكار منحرفة عن الإسلام صار محطاً للدعم من قبل جهات خارجية كثيرة ترى فيه  المثال لما ينبغي أن يكون عليه المسلم.

إلا أن غولين بالرغم من كل ما كان عليه من تحالف مع الجيش العلماني كان له مخطط أكبرمن كل ما وصل اليه فقد أراد حكم تركيا بل حكم الكثير من الدول التي يشكل بها الأتراك أكثرية عرقية مثل تركمانستان وأذربيجان.

وعلى سبيل المثال قام عبر عشرات السنين بحّث الطلبة الذين يدرسون في مدارسه بالإلتحاق بشكل خاص بالمعاهد العسكرية وكليات الشرطة وأقسام القانون وأعطاهم الرخصة الشرعية بممارسة كافة أنواع المحرمات التي يمكن تخيلها لإختراق أوساط الجيش والشرطة والقضاء التي يسيطر عليها العلمانيون واستطاع فتح الله كولين عبر خطة استمرت لعشرات السنوات التغلغل عبر طلبة مدارسه في جميع مفاصل الدولة التركية وصار له أتباع برتب كبيرة بالجيش والشرطة.

إضافة الى أن قضاة من أتباعه وصلوا الى رئاسة أعلى المحاكم التركية أضف الى ذلك تكوينه امبرطورية إعلامية عملاقة تعمل على تسيير الرأى العام لصالح مخططاته التي بدأت خيوطها بالإنكشاف لدى الجيش التركي في نهاية التسعينيات الأمر الذي دفع فتح الله غولين للهرب الى الولايات المتحدة الأميركية واتخاذ قصره في ولاية بنسيلفانيا كقاعدة لتحركاته السرية.

وفي بداية العقد الماضي مع بداية ظهور قوة أردوغان وحزب العدالة والتنمية تحالف فتح الله غولين في بداية الأمر مع أردوغان وحزبه فدعا أتباعه للتصويت لحزب العدالة والتنمية  واستطاع عبر شبكاته السرية من القضاة والشرطة من تزويرأدلة للإطاحة بكبار قادة الجيش التركي في العملية التي عرفت بعملية المطرقة وذلك لكي يتمكن كثير من قادة الصف الثاني في الجيش التركي الذي يتبعون لشبكة غولين السرية من تقلد المناصب العليا للجنرالات الذين تم سجنهم أو إيقافهم إلا أن التحالف بين غولين وأردوغان بدأ بالإنتهاء.

مع عام 2010 عندما عارض غولين تعامل أردوغان في قضية السفينة مرمرة التي أبحرت الى غزة فانتقد غولين هجوم أردوغان على إسرائيل وهو الأمر الذي فتح معه ملف علاقات  فتح الله غولين مع الحركة الصهيونية العالمية حيث اتضح فيما بعد أن فتح الله غولين يحظى بدعم كبير من الصهاينة في الولايات المتحدة لذلك لا نستغرب من عدم وجود تصريح واحد لغولين يؤيد فيه حقوق الشعب الفلسطيني في نيل الإستقلال والحرية أو أي تعليق منه على جرائم الإحتلال الصهيوني بحق المدنيين الفلسطينيين.

أما الخلاف الحقيقي بين أردوغان وغولين فظهر بعد رفض أردوغان منح منصب قائد الاستخبارات التركية لأحد أتباع فتح الله غولين وقام أردوغان عوضاً عن ذلك بتعيين ضابط إستخبارات شاب يدعى هاكان فيدان الرجل الذي أثار تعيينه سخط كل من فتح الله غولين واسرائيل على حد سواء بعد أن أنهى هاكان فيدان وجود الموساد الإسرائيلي في تركيا بشكل نهائي وسيكون لهذا الضابط الشاب دور كبير في أفشال الإنقلاب العسكري الذي سيقوده غولين واتباعه لاحقاً..

عند تلك اللحظة تحالف غولين مع الجنرالات العلمانيين ضد عدوهم الموحد أردوغان وأدرك غولين أن ساعة التحرك قد حانت بعد أن كون جيشاً من الأتباع الذين يسيطرون على مفاصل الدولة التركية من القضاء والإعلام والشرطة والجيش بل كان بعضهم من المقربين لأردوغان أي أنه كون دولة داخل الدولة وهو الذي بات يعرف باسم ((الكيان الموازي )).

في العام 2012 استطاعت جماعة غولين السرية عن طريق أحد منتميها من أفراد الشرطة المقربين من أردوغان حقنه بمادة غير معروفة خضع بعدها أردوغان للفحص في مستشفى زُرع به أطباء تابعةن للجماعة فقرر هؤلاء إغتياله بطريقة لا تثير الشك أثناء إجرائهم لعملية جراحية لأردوغان.

قرر أردوغان في آخر لحظة تغيير الطاقم الطبي بالكامل، ثم أخر موعد العملية لبعض الوقت ليكتشف أن قوة من الشرطة التابعة لغولين اقتحمت منزل رئيس الاستخبارات هاكان فيدان في الموعد نفسه الذي كان يفترض أن يكون فيه أردوغان في المستشفى فأحاطت مجموعة من الشرطة السرية منزل هاكان فيدان وذلك بأمر من المدعي العام التركي صبرالدين ساراي الذي ينتمي أيضاً لجماعة غولين السرية .

إلا أن اردوغان أمر هاكان فيدان بعدم تسليم نفسه بأي ثمن ففشلت بذلك تلك الخطة الإنقلابية التي أعدت في العام 2012 أما في خريف عام 2013  فقد دبر غولين محاولة إنقلاب جديدة على أردوغان عبر كيانه الموازي وذلك عبر أدلة ملفقة وتسجيلات مزورة قام بها أتباعه الذين يعملون بسلك الشرطة والقضاء فتم إعتقال الكثير من المسؤولين الأتراك في قضايا فساد ملفقة تمهيداً لإقالة أردوغان إلا أن هذه الخطة أيضاً تم إجهاضها بعد إكتشاف التزوير في الأدلة والفبركة في التسجيلات من قبل جهات مستقلة في الشرطة والقضاء.

بعد ذلك أعلن أردوغان هجومه المضاد على غولين وكيانه الموازي فقرر إغلاق المورد الأساس لإمبراطوريته المالية.. المدارس، الأمر الذي دفع فتح الله غولين للقيام بخطوته الأخيرة.. إنقلاب عسكري. الإنقلاب الذي مهد له غولين بشكل خبيث في صحيفته الشهيرة ((زمان)) نشرها قبل الإنقلاب بأشهر لتهيئة أتباعه للتغير الكبيرالذي يخطط له.. التغيير الذي تصوره تلك الدعايات في نهاياتها بشكل واضح، كان من أوضحها دعاية تبدأ بصافرة إنذار فوق سماء اسطمبول يظهر بعدها طفل رضيع.. طفل يضحك.

 هذا الإعلان كان بمثابة رسالة مشفرة لتحديد تاريخ الإنقلاب فكما هو معروف فإن مدة الحمل الطبيعية هي تسعة أشهر وعشرة أيام أي مئتان وثمانون يوماً لو أضفنا هذه المدة الى التاريخ الذي ظهر به الإعلان وهو الخامس من شهر تشرين الأول/ اكتوبر من عام 2015 نجد أن التاريخ الناتج هو الخامس عشر من شهر تموز/ يوليو لعام 2016 تاريخ ليلة الإنقلاب أما كلمة ضاحك أو يضحك في اللغة التركية تعني غولي غولين.

  عبد الهادي محيسن -  رئيس المؤسسات التجارية والصناعية  في سوق المصيطبة ومتفرعاته

 

الجزء الاول  على الرابط ادناه:

تركيا البراغماتية بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية