2018-09-14 11:31:26

الثورة السورية تستعد لولادة جديدة / بقلم: محمد خليفة

الثورة السورية تستعد لولادة جديدة / بقلم: محمد خليفة

الثورة السورية تستعد لولادة جديدة / بقلم: محمد خليفة

الثورة السورية تستعد لولادة جديدة / بقلم: محمد خليفة

 

ليس سرا ًأن قوى الثورة السورية بكل منظماتها الرسمية وغير الرسمية، السياسية والمسلحة تمر في حالة تفتت وتفكك مستمرة منذ عامين . فـ((الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة)) يعاني من أعراض الجذام سببت سلسلة استقالات لأسماء بارزة عديدة من أعضائه المؤسسين، بمن فيهم رئيسه السابق رياض سيف الذي كان وراء فكرة تأسيسه عام 2012، وهناك الآن مجموعة شخصيات أخرى تتهيأ للاستقالة.

وبشكل موازٍ هناك حالة غموض تكتنف مصير((هيئة التفاوض)) التي حاولت أو على الأقل أراد البعض لها أن تخطف القرار السياسي الوطني من الائتلاف الذي يعد مرجعها الاصلي، وموجهها السياسي.

على ضفاف هذا وذاك هناك لقاءات واجتماعات في الظل لمجموعات عديدة من الشخصيات الوطنية، تراجع تجاربها وتعيد النظر في خياراتها السابقة التي ساهمت في الوصول الى النهايات العقيمة التي وصلت اليها، وتحاول تجاوزها، واطلاق مسارات جديدة أمام الثورة.

المعنى الرئيسي لكل هذه التطورات هو أن الثورة السورية ما زالت قوية وتمتلك طاقة تجدد وقدرة على مواجهة ذاتها، ومواجهة أعدائها، ومواجهة التحديات الخارجية التي تعترض طريقها، فتحاول قواها الحية إعادة ترتيب أولوياتها، وتحمل مسؤولياتها.

والملاحظ أن بعض القوى والأطراف تحاول استغلال الهزائم العسكرية التي حدثت لكي توجه رصاصاتها واتهاماتها الى صدور بعضها، وتصفية حساباتها بين بعضها، والتهرب من اتهامات الرأي العام الوطني لها بالتقصير والتفريط والفساد وخيانة الثورة. وبعضها يحاول الهروب والتهرب. والواقع أن الاستقالات التي حدثت في العام الاخير لم تكن كلها تعبيراً عن شعور بالمسؤولية يدفع لاخلاء الساحة لبديل أفضل كما يحدث في التجارب الديموقراطية، ولكنها كانت فعلاً هروباً استباقياً من المواجهة والمحاسبة.

الاتهامات في الاوساط السياسية والثورية تتركز بشكل رئيسي على الاخوان المسلمين الذين كانت لهم الحصة الأكبر في مقاعد المجلس الوطني ثم الائتلاف، واحتلوا أهم واغلب مفاصل مؤسسات العمل الوطني والثوري، من منظمات الاغاثة والمال، الى منظمات السلاح، الى الحكومة المؤقتة، وصولاً الى المكاتب واللجان الاعلامية والسياسية. وهناك من يتهمهم باحتكار السلطة الفعلية، وتقريب أو إقصاء من يريدون، وتجيير الثورة لمصلحتهم الحزبية والفئوية مما أعطى صورة خاطئة عن الثورة السورية للعالم ودفعه للتخلي عنها، بل هناك من يتهمهم بالتنسيق مع محاور دولية واقليمية لم تكن دائماً صديقة للثورة السورية، بما فيها علاقاتهم السرية والغامضة مع ايران، وتركيا، ودول اخرى.

طبعاً لا يصح ولا يجوز توزيع الاتهامات الجاهزة والجزافية لأي طرف، ولا بد من مراجعة موضوعية ومحاسبة شفافة لكافة الاطراف، وتحديد المسؤوليات عن الهزائم والخطايا والانحرافات التي حدثت، بمنهجية قضائية منصفة لا بعقلية سياسية وحزبية. ولعل أغرب ما شاب تجربة ((الائتلاف)) أنه يفتقر في نظامه الداخلي لمبدأ المحاسبة على الاخطاء والانحرافات مهما كانت جسيمة!

وتقتضي العدالة والشفافية أن تشمل المراجعة والمحاسبة القوى الديموقراطية واليسارية والمكونات العرقية التي كرست المحاصصات الاثنية والطائفية أحياناً في صفوف المعارضة. ولكن المحاسبة بهذا العمق والدقة غير ممكنة حالياً، ويكفي اليوم الحوار حولها في الهواء الطلق لا في الغرف المعتمة، وفتح الملفات، وسرد أو تأريخ الاحداث والوقائع، ونشر نتائجها لكي يدور النقاش والسجال حولها، قبل أن يختفي الشهود والبيانات، وتتزيف الحقائق والمعلومات.

ما يجري اليوم من مراجعات يمثل خطوة مهمة على الطريق، ويعكس إرادة ثورية للتصحيح والتطوير والاستمرار في المواجهة والصراع مع أعداء الشعب السوري كافة، من النظام المتوحش الى حلفائه ومواليه الداخليين والاقليميين.

لا بد من القول بكبرياء وموضوعية إن تجربة المعارضة السورية رغم الأخطاء والانحرافات والاخفاقات ليست في المحصلة النهائية تجربة مخجلة ولا قاتمة ولا خائبة، كما يروج أعداؤها ويحاولون رسم صورتها انطلاقاً من حالة الانكسار والهزيمة الاخيرة.

الثورة السورية كانت حدثاً عظيماً وكبيراً في سيرورة البلد والمنطقة، وما زالت هكذا. أما تمثيلها السياسي والاعلامي فلم يكن بمستواها شجاعة وطهارة، ولكنه لم يكن خائناً لها أبداً. لقد خضعت تجربة الثورة كلها سياسية وعسكرية لظروف دولية واقليمية قاهرة، واستمرت في ظل موازين قوى خارجية أقوى من إرادة شعبنا كله. ولم يكن ممكناً للثوار أو المعارضة خرق نواميس الكون وقوانين الجاذبية الكونية !.

لا يجب نسيان أن الثورة حدثت كزلزال مفاجىء أو بركان ينفجر فجأة، ولم يكن للمعارضة في ((مملكة الاسد)) التي يسودها قانون الصمت والقمع المنهجي أن تستعد مسبقاً وبجاهزية كافية لاستقبال ثورة شعبية عارمة بهذه السمات والتعقيدات الداخلية والخارجية، والتعامل مع تفاعلاتها واحتمالاتها وتقلباتها بكفاءة، وبشكل منظم ومثالي. لقد تحرك من تحرك مدفوعاً بقانون الاستجابة ورد الفعل والانخراط في الثورة، بشكل طوارئي لمواجهة الاستحقاق وعمل ما يمكن عمله، وأوضح مثال هم العسكريون الذين انشقوا عن الجيش دون أن يخططوا لما بعد ذلك .

ويقتضي الانصاف القول إن تجربة الثورة أظهرت نماذج رائدة وتاريخية في كل المجالات، كما أظهرت نماذج دون ذلك أو عكسه، وسيأتي وقت فتتضح الصورة وتظهر الحقائق. لكن المهم الآن أن تجربة الثورة والمعارضة ليست خائبة ولا سلبية ولا سوداوية، بل كانت في المحصلة الاخيرة ايجابية ومشرفة، يجب البناء عليها لإعادة بناء مؤسساتنا الثورية والسياسية، والاستفادة مما حصل، وإجراء عملية فرز عميقة وموضوعية، واستبعاد القوى التي ارتكبت اخطاء وانحرافات، وإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة لأن صراع السوريين مع النظام وقوى الاحتلال الاجنبي ما زال مفتوحاً وطويلاً والقضية السورية تزداد تعقيداً.

يكفي فخراً وشرفاً للمعارضة السورية والثورة أنه لم يظهر حتى الآن من يدعو للاستسلام والرضوخ للأمر الواقع . وجميع المشاركين في ورشات الحوار التي تجري بعيداً عن الأضواء تطالب وتخطط للاستمرار في المقاومة الثورية، بأساليب جديدة وضد المحتلين، وضد النظام العميل.

ونبشر الجميع أعداء وأصدقاء بأن الثورة السورية لا تلفظ انفاسها الأخيرة، ولكنها تمر في حالة مخاض صعب، وتستعد لولادة جديدة، ومرحلة جديدة بأساليب وأدوات ومؤسسات مختلفة عن السابق، ولسان حالها يردد عبارة ماو تسي تونغ المأثورة: هذا مجرد خطئنا الأول .. هذا مجرد خطئنا العاشر!