2021-02-11 08:04:35

تبرئة نبي الله لوطٍ عليه السلام  / بقلم الشيخ أسامة السيد

تبرئة نبي الله لوطٍ عليه السلام  / بقلم الشيخ أسامة السيد

تبرئة نبي الله لوطٍ عليه السلام  / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 11 شباط 2021

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى:{ولوطًا ءاتيناه حُكمًا وعلمًا ونجَّيناه من القرية التي كانت تعملُ الخبائث إنهم كانوا قوم سَوْءٍ فاسقين وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين} سورة الأنبياء.

لا شك أن الله تعالى قد عصم الأنبياء الكرام عليهم السلام مما يقدح في مقامهم العظيم، وقد أرسلهم ربنا تعالى لهداية الناس بإرشادهم إلى ما فيه مصالحهم، والله حكيم حفِظ الأنبياءَ من كل دناءة وسفاهة ورذالة بل شاء الله أن تكون صفاتهم حسنة وأسماؤهم حسنة، ولذلك لا يصح نسبة ما لا يليق بالأنبياء إلى صفاتهم ولا إلى أسمائهم، فكما عصم اللهُ الأنبياءَ من فعل القبائح فقد عصمهم أيضًا من أن تكون أسماؤهم قبيحة أو اشتُقت من قبيح. وللأسف ينسب بعض الناس للأنبياء ما لا يصح ولا يليق بهم اعتمادًا على رأيهم السقيم أو على بعض ما يرونه في الكتب من الإسرائيليات أو أقوالٍ تُنسب لبعض أهل العلم بلا سند صحيحٍ أو استنادًا إلى بعض ما في الصحف من تحليلاتٍ لبعض العصريين الذين لا تخصُص لهم بعلوم الدين أصلًا. ولهؤلاء نقول: إن علوم الدين لا سيما ما يتعلَّق بالعقائد التي يجب أن ينطوي القلب عليها في حق الله وحق رُسله هي أصول ثابتة لا يجوز الكلام فيها بناء على فكرة رآها فلانٌ أو رواية لم تثبت أوردها بعضهم في مصنفٍ ما.

هكذا كانت "سدوم"

 والعجب أن بعض الناس ينسبون للأنبياء الكرام لمجرد خبرٍ مكذوبٍ في بعض الكتب مثلًا ما لا يليق مثله بإنسانٍ عامِّيٍ بل ويُنزِّهون أنفسهم عنه، وتراهم يُخاصمون من اتَّهمهم به ويصفونه بالتَّسرَّع في الحكم على الناس، وإنما سبب ذلك الجهل الفظيع الذي استشرى بين الناس اليوم ولو أردنا أن نسترسل في ضرب الأمثلة في ذلك لطال المقال ولكننا نلفت انتباه القارئ ليَحذَر فلا يتسرع بنسبة كل ما يسمعه أو يراه مسطُورًا إلى أفضل الخلق الأنبياء عليهم السلام بغير تثبُّتٍ، وإنما أردت من خلال هذا المقال أن أنبِّه على أمرٍ ربما تكلَّم فيه كثيرٌ من العوامِّ بل وبعض أدعياء العلم على خلاف الصواب فزعموا أن اسم نبي الله لوطٍ عليه السلام مشتقٌ من فعل اللواط أو أن اسم هذه الفاحشة أي إتيان الذكر للذكر منسوبٌ إلى اسم نبي الله لوطٍ عليه السلام، وهذا إفكٌ وكذبٌ وضلالٌ مبين وفي هذا المقام نقول: لقد أرسل الله تعالى لوطًا عليه السلام كغيره من الأنبياء يدعو إلى دين الإسلام ومكارم الأخلاق، وهو لوط بن هارَان بن تارَح وهو آزر والد نبي الله إبراهيم عليه السلام فهو إذًا ابن أخي رسول الله إبراهيم عليهما السلام، وقد كان صدَّق بدعوة عمِّه سيدنا إبراهيم واهتدى بهديه ثم بعثه الله، قال تعالى:{فآمن له لوطٌ} سورة العنكبوت. وقد آتاه الله الحكمة والعلم وبعثه في أهل سدُوم وكانت مدينة في أطراف شرق الأردن قرب البحر الميت، وكان أهلها يتوزَّعون في خمس أو سبع قرىً وعبَّر عنها بالواحدة كما في الآية أعلاه لاتفاق أهلها في فعل فاحشة اللواط إذ كانوا يأتون الرجال في أدبارهم ولا يستحُون ولا يستترون، قال تعالى:{أتأتون الذُّكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربُّكم من أزواجكم بل أنتم قومٌ عادون} سورة الشعراء. 

وجاء في "تفسير السمعاني" وغيره في تأويل قوله تعالى:{ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكُم بها من أحدٍ من العالمين إنكم لتأتون الرِّجال شهوةً من دون النسآء بل أنتم قومٌ مُسرفون} أن أول ظهور فعل اللواط في الناس كان في القوم الذين بعث الله فيهم لوطًا عليه السلام.

 وبلغ من فسادهم حين عرَض عليهم لوطٌ عليه السلام الزواج بالنساء، كما أخبر الله عنه في القرآن الكريم وكان مباحًا في ذلك الوقت تزويج المسلمات من الكافرين، أن ردُّوا عليه بخُبثٍ، قال تعالى إخبارًا عنهم في سورة هود: {قالوا لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حق} أي من حاجة فصارحوه بلا خجل بمأربهم الخسيس.

 وجاء في "المستدرك" للحاكم عن ابن عبَّاسٍ أن الذي حملهم على هذا "أنهم كانت لهم بساتين وثمار خارجة على ظهر الطريق وأنهم أصابهم قحطٌ وجوع شديد، فقال بعضهم لبعض: إن منعتم ثماركم هذه الظَّاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها معاش. فقالوا: كيف نمنعها. فأقبل بعضُهم على بعضٍ فقالوا: اجعلوا سُنَّتكم (عادتكم) فيها من وجدتُّموه في بلادكم غريبًا لا تعرفوه فاسلبوه وانكحوه فإن الناس لا يطأون بلادكم إن فعلتم ذلك". وبالتالي فقد حملهم فسادهم على ذلك ففعلوه إضافةً إلى ما كانوا عليه من الكفر وكان هذا حالهم حتى أهلكهم الله، والكلام في ذلك يطول ولسنا بصدده.

لوطٌ اسم كريم

 وقد شذَّ بعض الناس فزعموا أن إطلاق لفظ اللواط مشتقٌ من اسم نبي الله لوطٍ عليه السلام وهذا ضلالٌ مبين لا يسعُنا سوى التحذير منه، فقد عصم الله الأنبياء عليهم السلام من كل قبيح في صفاتهم وفي أسمائهم فليست أسماؤهم قبيحةً وليست مشتقةً من قبيحٍ ولا يُشتق منها قبيح، علمًا أن اسم لوطٍ عليه السلام عجميٌ أصلًا فلا يُشتق منه. ولفظ اللواط عربي. وتصريفُه: "لاط يلوطُ لواطًا والنسبة إلى الفعل اللواطي وليس لوطي". ومعنى اللواط في اللغة: "اللصُوق ولاط الرجل لواطًا ولاوط التصق وسُمِّي لواطًا لالتصاق اللواطي بالملوط به". قال القاسم بن سلام في "غريب الحديث": "الولد ألوط يعني ألصق بالقلب وكذلك كل شىءٍ لصق بشىءٍ فقد لاط به". وبالتالي: فلا يصح أن يكون اللواط مشتقًا من اسم لوط، ثم إن مقتضى افتراء من زعم أن اللواط مشتقٌ من اسم سيدنا لوطٍ يؤدي إلى القول بأن العرب الذين كانوا قبل لوطٍ عليه السلام بزمانٍ بعيدٍ وكان منهم النبيان هودٌ وصالحٌ عليهما السلام ما كانوا يعرفون لفظ اللواط وما تصرَّف منه من الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول، ومعنى ذلك على زعمهم أن شرعيهما خاليان عن الحكم بتحريم اللواط والتنفير منه، ويلزم من ذلك أن آدم عليه السلام ما علَّم أولاده كل ما يُحتاج إلى معرفته من اللغة العربية.

 وهذا كلام ظاهر البطلان فالحذر الحذر.

 والحمد لله أولًا وآخرا.