2021-02-07 18:30:55

بعد 42 عاماً / بقلم السيد صادق الموسوي

بعد 42 عاماً / بقلم السيد صادق الموسوي

بعد 42 عاماً / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 7 شباط 2021

 

يأتي يوم 11 من شهر شباط عام 2021 وقد مرّ على انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني 42 عاماً..

ومع مرور هذه السنوات حدثت تطورات مذهلة على الصعيد الإقليمي والعالمي بل إنقلاب في موازين القوى بشكل كامل؛ ومن جهة أخرى لا يعلم أكثر جيل الشباب المعاصر إلاّ القليل عن أجواء ما قبل الثورة وأسباب الثورة والنتائج التي ترتبت على انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

إن إيران أثناء حكم الشاه محمد رضا بهلوي كان في الحقيقة وباعتراف أركان النظام نفسه والمحللين الأمريكيين بمثابة الولاية الـ 51 للولايات المتحدة الأمريكية من حيث السيطرة الكاملة للبيت الأبيض على جميع القرارت والتعيينات في مختلف مفاصل الدولة الإيرانية من دون أن تكون لشاه إيران أية إرادة حتى في إبداء رأي أو مناقشة ما يقرره أسياده، فكيف بالقدرة على رفض امر يقرره السفير الأمريكي في طهران أو المستشارون الأمريكيون الـ 50000 الموزعون في كافة مفاصل الدولة والمتحكمون بالأمور الصغيرة والكبيرة، وهم يملكون الحصانة القضائية الكاملة التي تحول دون مقاضاتهم في حال ارتكابهم أية جريمة أثناء تواجدهم على الأراضي الإيرانية.

والسبب الرئيسي في ذلك أن محمد رضا بهلوي شاهد بعينيه عام 1941 كيف تمّ عزل والده عن العرش في طرفة عين بقرار بريطاني وترحيله إلى جزيرة نائية في أفريقيا الجنوبية ليعيش فيها حتى مماته طريداً مذلولاً، وأن تعيينه مكان والده ملكاً جاء أيضاً بقرار بريطاني.

ثم جاءت التطورات بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية وجعلت الولايات المتحدة هي الدولة الأقوى بين دول العالم، فحلّت السيطرة الأمريكية شيئاً فشيئاً محل البريطانية على مقدرات النظام في إيران.

وبعد النهضة التي قام بها رئيس الوزراء محمد مصدق بالتعاون والتنسيق مع آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني عام 1953، ما أجبر الشاه على الفرار من ايران، والتواطؤ البريطاني ـ الأمريكي للإنقضاض على الإنتفاضة الشعبية والذي أدى إلى تدخل الجيش الإيراني بتخطيط وإشراف كاملين من المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية، ما أمكن الشاه الهارب من العودة إلى طهران، ولكن هذه المرة اعتقد محمد رضا بهلوي يقيناً أن كيانه بالكامل يجب أن يكون تحت رحمة الدولتين اللتين أعادتاه إلى عرشه، ورأى أن شعلة الإنتفاضة الشعبية كيف استطاعت المخابرات البريطانية والأمريكية إطفاءها، وأن تسيطرا على الشارع عبر عملاء مأجورين ومرتزقة استخدمتاهم فقلبت المعادلة بين الصباح تأييداً لمصدق وقبل حلول الليل تأييداً للشاه.

ومن هنا،

بدأ الحضور شكلياً للشاه على العرش فيما القرارات كلها كانت بيد السفارة الامريكية والبريطانية في العاصمة الإيرانية.

ثم غلب الأمريكيون فصار الشاه طيّعاً بالكامل للإرادة الأمريكية، حتى أنه أخذ التابعية الأمريكية بإسم ديفيد نيو سام، وبهذا الإسم تم إدخاله للعلاج في مركز صحي صغير تابع لجامعة كورنل في مدينة نيويورك، وذلك بعد فراره من إيران قبل انتصار الثورة عام 1979 ولجوئه إلى الولايات المتحدة.

كان هذا باختصار شديد واقع الحال في إيران في ظل النظام الشاهنشاهي..

وانطلقت الإنتفاضة الشعبية في العام 1978 على أثر وفاة السيد مصطفى ابن الإمام الخميني بمؤامرة من قبل المخابرات الإيرانية " السافاك "، وإقامة مجالس فاتحة عن روحه في مختلف المدن الإيرانية، والتي تحولت إلى مناسبات للخطباء ليذكروا إسم الإمام الخميني الذين كان محظوراً وترداد الحاضرين شعارات مؤيدة له ومعارضة لنظام الشاه، وهذا ما أدى إلى وقوع صدامات بين الناس والشرطة وقيام السلطة بحملة اعتقالات واسعة للعلماء والخطباء والناشطين من أنصار الإمام الخميني، وهذا بدوره دفع إلى اتساع رقعة المظاهرات والمواجهات بين الجماهير والجيش بعدما عجزت الشرطة عن السيطرة على الحشود المليونية، وكان يسقط ضحايا في مدينة قم فتقام لهم ذكرى أربعين في مدينة تبريز وتكون مواجهة هناك ويسقط قتلى فتقام لهم مناسبات في مدن أخرى، وهكذا تطورت الأمور حتى عمت المظاهرات كافة المدن، وانخرط مختلف الفئات في مسيرة الإمام الخميني.

وحاول الشاه بكافة الوسائل السيطرة على الأوضاع..

 تارة بارتكاب المجازر كما حصل في ميدان"  ژاله " وسط العاصمة، وتارة عبر التغيير الحكومي، والتضحية حتى بأهم رموز النظام وأقرب الناس إلى الشاه أمير عباس هويدا والذي شغل رئاسة الوزراء لمدة 13 عاماً، ثم تكليف رئيس هيئة أركان الجيش الجنرال غلام رضا أزهاري برئاسة الوزراء..

 لكن،

كرة الثلج كانت قد أصبحت أكبر من أن يتمكن الشاه من السيطرة عليها، فكان الفرار مرة أخرى على أمل أن يعود مظفراً كما حصل عام ٥٣، وهو هذه المرة يحمل التابعية الامريكية ويملك جواز سفرها.

لقد بذلت الولايات المتحدة جهوداً كبيرة للسيطرة على تطورات الإنتفاضة الشعبية، لكن قرارات الإمام الخميني وحكمته كانت تُفشل مختلف المؤامرات قبل أن تحط طائرته في مطار طهران، والجماهير المليونية هي التي كانت تمسك بزمام الأمور على الأرض في العاصمة ولا قدرة لشاهبور بختيار رئيس الوزراء المعين من قبل الشاه ولا الجيش من الوقوف في وجه البحر البشري الذي احتشد لاستقبال الإمام بعد غياب 15 عاماً.

وكان الإنتصار يوم 11 من شهر شباط عام 1979..

 وانهارت كل أجهزة النظام، وتمت السيطرة الكاملة من قبل الشعب على مختلف المؤسسات، واعلنت قيادة الجيش وقوفها على الحياد وأمرت الجنود بالتزام الثكنات، واختفى رئيس الوزراء، وتم اعتقال رئيس جهاز المخابرات " السافاك " وكبار القادة العسكريين، وجيء بهم إلى مدرسة " رفاه " على مقربة من " مدرسة علوي " حيث كان الإمام الخميني يستقبل الجماهير كل يوم..

 وتمت محاكمتهم وإصدار أحكام إعدام بحقهم، وأُجريت الأحكام على سطح المبنى، وأعلن الخبر ونُشرت الصور، ما قضى على الأمل لدى الذين كانوا يمنّنون أنفسهم بعودة الأمور قريباً لسلطة الشاه كما في أيام الكاشاني ومصدق، وبعد ذلك جاءت محاكمة أمير عباس هويدا وإعدامه رغم التدخلات الخارجية الكثيرة من أجل وقف تنفيذ الحكم عليه، فأدى ذلك إلى اليأس الكامل من عودة رموز النظام السابق يوماً إلى الحكم.

وحاولت الولايات المتحدة الدخول مباشرة في مواجهة النظام الوليد مستفيدة من سيطرتها السابقة على مفاصل الدولة ومعرفتها بتفاصيل الأمكنة والمواقع العسكرية والمطارات، فكانت عملية الإنزال على مدرج مطار مهجور في وسط صحراء منطقة " طبس "، واستخدمت لذلك أحدث طائرات النقل والهليكوبتر محملة بكل وسائل التحرك السريع والعتاد اللازم لبناء رأس جسر في تلك المنطقة، وكانت قد تعاونت مع عملاء لها في العاصمة طهران بغية تهيئة الأجواء لها عند وصول قواتها إلى العاصمة بدعوى تحرير الرهائن في السفارة الأمريكية، لكن المؤامرة هذه فشلت في مرحلتها الأولى، وانفجرت الطائرات الأمريكية الحديثة والمتطورة جداً واصطدم بعضها ببعض، واعلن الرئيس الأمريكي إنهاء العملية.

ولم تتوقف أمريكا عن خططها بل عملت عبر الشبكات التي كانت مشاركة لها في المؤامرة الفاشلة على التخطيط لانقلاب عسكري من أجل الإطاحة بالنظام الطري العود، لكن هذه المحاولة أيضاً فشلت بسبب تسرب الخبر إلى قيادة الثورة قبل المباشرة بأية خطوة عملية، فتم اعتقال جميع قادة المحاولة الإنقلابية والمشاركين فيها ومحاكمة الرموز وإعدامهم.

وأُعلنت الحرب من قبل نظام صدام حسين على أمل التمكن من إسقاط الجمهورية الإسلامية، وكان احتلال المدن في الجنوب والغرب، والإغارة على العاصمة طهران وباقي المدن واستهداف المدنيين في أنحاء البلاد، ووقف الشرق والغرب مسانداً لصدام حسين إقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً وفي كافة المحافل العالمية، واستمرت الحرب 8 سنوات، واضطر صدام حسين للعودة أخيراً إلى اتفاقية الجزائر التي عقدها مع شاه إيران، والتي كان قد مزّقها على شاشة التلفزيون أمام أعين العالم قبل الشروع في الحرب، والقبول بكامل الشروط الإيرانية، وذلك في رسالة إلى الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي كان رئيساً للجمهورية يومذاك.

وانطلقت إيران التي كانت بالكامل تحت سلطة الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً لتكون قطباً سياسياً وعسكرياً مستقلاً في المنطقة يقف بكل قوة أمام غطرسة الإستكبار، ويهدد هيمنة الغرب على البلاد الإسلامية، ويهزأ من قوة الأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ويفرض على الكيان الصهيوني لأول مرة الهزيمة أمام ثلة مجاهدين في فلسطين ولبنان، ما اضطره إلى بناء جدار بارتفاع 8 أمتار حول المستوطنات لعله بذلك يؤمن الراحة للسكان، لكن ذلك لم يمنع من وصول المقاومين إلى مضاجع المحتلين عبر حفر الأنفاق، وبعد أن كان الصهاينة هم يأخذون من يشاؤون من الفلسطينيين أسرى صار جنود الإحتلال أيضاً يقعون أسرى في قبضة المجاهدين ويتوسل رئيس الوزراء الصهيوني لاستردادهم بمختلف السبل، وبعد أن كان للصهاينة التفوق في الجو ويصولون ويجولون حيث يشاؤون دون خوف من أحد وإذا بالجو فوق الكيان الغاصب لم يعُد آمناً له، لأن الطائرات الفلسطينية الورقية الملغومة تُرسَل باتجاهها وتقوم بحرق مساحات كبيرة من مزارع المستوطنين، والمسيّرات حاملة القنابل أصبحت تنطلق إلى أجواء مناطق سيطرة العدو لتدكّ مواقعه العسكرية والمستوطنات، وبعد ما كانت المدفعية الصهيونية توجّه قذائفها إلى حيث يشاؤون فصارت اليوم المدن والمواقع على مساحة كيان الإحتلال كله في مدى صواريخ المجاهدين.

وخلاصة الأمر،

 أن الشرق المستسلم عقوداً أمام إرادة الغرب، أصبح اليوم المارد الذي عجزت كل دول الإستكبار  عن الوقوف في وجهه، حيث في الفضاء الذي كان محتكراً من قبل الدول العظمى فقط أصبح القمر الصناعي الإيراني اليوم متواجداً هناك أيضاً، ولحمل الأقمار الصناعية كان من الضروري سابقاً الإستفادة من الصواريخ القادرة على حملها إلى المدار والتي كانت بحوزة الدول الكبرى فقط، فأصبح للجمهورية الإسلامية صاروخها الخاص لبلوغ الهدف نفسه، وفي البحار والمحيطات أصبحت قطع البحرية العسكرية الإيرانية تتحرك وتجول بكامل الحرية كما الأساطيل الأمريكية دون اعتراض من أحد، وفي المجال النووي فحدّث ولا حرج، حيث الدول الكبرى في العالم تحاول اليوم استرضاء إيران لعلها تحدّ من نسبة تخصيب اليورانيوم لديها والتي وصلت اليوم إلى أكثر من 20%  وذلك خوفاً من إقدامها على رفع المستوى حتى 90% وتجميع ما لديها من مخزون بالأطنان فتُقدم على صنع قنبلة نووية.

ويطول الحديث عن الإنجازات الإيرانية في كافة المجالات وعلى مدى 42 عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية، وذلك على الرغم من مختلف العوائق الكبيرة التي واجهتها، والعقوبات غير المسبوقة التي فُرضت عليها، والحصار الشديد الذي عانت منه منذ اليوم الأول للإنتصار.

إن الثبات على النهج الذي رسمه الإمام الخميني الراحل، والجيل الذي تربّى على مبادئه، والشعب الذي تحدى الطاغوت متّبعاً تعليماته فنجح في القضاء بالكامل على نظام عمره أكثر من 2500 عاماً، وجنوده الذين ملأوا الجبهات طوال 8 سنوات وقدموا أرواحهم حتى استعادوا آخر شبر من أرض الوطن، هم اليوم يقطفون ثمار الإستقامة ويحصدون نتيجة ما زرعه إخوانهم السابقون من تحمل كافة الضغوط، والصبر على أنواع المكاره، وبذل الأرواح الغالية من خيرة الشخصيات المهمة والأساسية في النظام خاصة في الفترة الأولى من عمر الثورة، أمثال مرتضى مطهري رئيس مجلس قيادة الثورة، والدكتور بهشتي رئيس السلطة القضائية، ومحمد على رجائي رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء الدكتور باهنر، وعدد كبير من أئمة الجمعة الكبار في أنحاء البلاد؛ لكن الحصيلة اليوم وفي الذكرى الـ 42 لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، والنتيجة الماثلة امام أعين العالمين، هي تحقيق وعد الله سبحانه للمؤمنين في كتابه العزيز:

 ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي