2021-02-04 16:22:57

ثلاثٌ مُنجيات وثلاثُ مُهلكات / بقلم الشيخ أسامة السيد

ثلاثٌ مُنجيات وثلاثُ مُهلكات / بقلم الشيخ أسامة السيد

ثلاثٌ مُنجيات وثلاثُ مُهلكات / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 4 شباط 2021

 الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى

 يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون} سورة النحل.

آيةٌ في كتاب الله تعالى هي نبراس إصلاح ومنار صلاح، آيةٌ جامعةٌ في الأمر بالخير والنهي عن الشر، من عمل بها كفاه ذلك لسعادة الدارين، آيةٌ هي من البلاغة بمكانٍ هي دون السطرين ولكنها اشتملت على معانٍ عظيمةٍ راقيةٍ يطول شرحها، وليس كثيرًا أن يُصنَّف في تفسيرها مجلَّدٌ أو أكثر، وقد جاء في "البحر المحيط" لأبي حيَّان وغيره أن عثمان بن مظعون سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثَّرت في نفسه جدًا فأسلم. وعن عبد الله بن مسعود قال: "إن أجمعَ آيةٍ في القرآن للخير والشر في سورة النحل "إن الله يأمر بالعدل" وذكر الآية. رواه الحاكم. ومعناه: أجمعُ آيةٍ في الأمر بالخير والنهي عن الشر، وفي "تاريخ الخلفاء" للسيوطي وغيره: أن بني أميَّة كانوا يسُبُّون عليًّا عليه السلام على المنابر فلما وليَ الإمامُ العادل عمر بن عبد العزيز الخلافةَ منع ذلك وأمر أن يُقرأ بدله "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية. فجديرٌ بأحدنا أن ينظر فيها مرةً بعد مرةٍ وأن يتأمَّل في جلال معناها ليعمل بما تُرشد إليه.

ثلاث مُنجيات

لقد أمر اللهُ بالعدل قال ابن عطية في "المحرر الوجيز": "قال القاضي أبو محمد: "والعدل هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع وسيرٍ مع الناس في أداء الأمانات وترك الظلم والإنصاف وإعطاء الحق".

 قلت: وهذا يتضمن أن يُنصف الشخص من نفسه لنفسه ولغيره فيؤدي الواجبات ويجتنب المحرَّمات. قال السِّمعاني في "تفسيره": "وعن محمد بن كعب القُرظي أنه دعاه عمر بن عبد العزيز حين وليَ الخلافة فقال له: صِف لي العدل، فقال: كن للصغير أبًا وللكبير ابنًا ولمثلك أخًا وعاقب الناسَ على قدر ذنوبهم وإيَّاك أن تضربَ أحدًا بغضبك". معناه: عاقب من استحق العقوبة بمقدار ما استحق فقط ولا تتمادى فتظلمه، ولا يحملنَّك الغضبُ على ضرب أحدٍ انتصارًا لنفسك. فكم وكم من الناس يحملُهم الغضب على الانتصار لحظ النفس. وعن أبي البجير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا يا رُبَّ مُكرمٍ لنفسه وهو لها مُهين" رواه البيهقي. معناه يظُنُّ أنه يُكرم نفسه بما يفعله ولكنه في الحقيقة يُهينها بترك العدل والوقوع في الظلم فيظلم نفسه بتعدي الشرع، والعاقل من التزم حدَّ الشرع وأقام منار العدل مع نفسه ومع غيره.

وقد أمر ربنا أيضًا في الآية بالإحسان. قال ابن عطية في "المحرر الوجيز": "والإحسان هو فعل كل مندوبٍ إليه" فصاحبُ الإحسانِ لا يقتصر فقط على أداء الواجبات واجتناب المحرَّمات وإنما يزيد من عمل الخير فشأنه أنه لا يشبع من خيرٍ وإنما يتتبَّع الخيرَ حيثما تيسَّر له ولا يتركه بدعوى أنه قليل، فقد روى مسلمٌ عن أبي ذرٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق". ففي الحديث الحضُّ على فعل الخير قلَّ أو كثُر ولو أن تكون طلقَ الوجه أي منبسطًا سهلًا بشًّا لأخيك المؤمن.

وقد وقع في الآية أيضًا الأمر بإيتاء ذي القُربى أي صلة الرَّحم وهو مندرجٌ تحت العدل والإحسان ولكن نبَّه عليه تأكيدًا على فضله وحضًّا على فعله، والرحم هو كل قريبٍ للشخص من جهة الأب أو من جهة الأم فتجب صلتهم وتحرم قطيعتهم، والقطيعة للرحم تحصل بإيحاش القلوب وتنفيرها إما بترك الزيارة لهم بلا عذر أو بترك الإحسان بالمال إليهم في حال الحاجة النازلة بهم بلا عذر أيضًا، والعذر كأن لا يجد المال أو وجده لكن يحتاجه لصرفه فيما هو أولى، وإن كان بعيدًا بحيث لا يتمكَّن من زيارتهم فتحصل الصِّلة بنحو رسالةٍ أو مكالمةٍ هاتفية، وقد أكَّد الله تعالى في كتابه وأكَّد النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الاعتناء بالرحم وحذَّر من قطعها تحذيرًا بليغًا فعن أبي بكرَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّل الله لصاحبه العقُوبة في الدنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرة من البغي وقطيعة الرَّحم" رواه الترمذي. معناه تُعجَّل للباغي وهو الظالم ولقاطع الرَّحم العقوبة في الدنيا فيُبتلى بشىءٍ جرَّاء ذلك بالإضافة إلى ما يؤجل من العقوبة له على ذلك في الآخرة فالحذر الحذر.

ثلاث مهلكات

ثم وقع في الآية النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ولأهل العلم في معنى الفحشاء أقوال فقيل: المراد الزنا حكاه أبو حيَّان في "البحر المحيط" وغيره عن ابن عبَّاس، وقيل: الفحشاء ما تعلَّق بفاعله الحدُّ أي العقوبة في الدنيا مع ما يستحقُّه من العقوبة في الآخرة على ترك التوبة إن كان مات ولم يتب. وأما المنكر فقيل إنه: ما لا يُوجب فعله الحدُّ في الدنيا ولكن يستحق فاعله العذاب في الآخرة، وقيل: هو أعم من الفحشاء لاشتماله على جميع المعاصي والرَّذائل. وفي هذا النهي تأكيدٌ على ترك الذنوب كبيرها وصغيرها، فإن كثرة الذنوب تُظلم القلب فيقسو فلعلَّه لا ينتفع بعد ذلك بموعظةٍ ولا يتأثر بحكمةٍ ولربما قسى القلب إلى حدِّ أن يسمع صاحبُه القرآنَ كله فلا يهتز ولا يخشع ولا يتأثر. وأما البغي فهو التطاول بالظلم والسِّعاية بظلم الناس، وهو داخل في المنكر وخُصَّ بالذكر لتأكيد الحث على اجتنابه، ومعنى قوله تعالى "يعظكم" أي بما مرَّ ذكره من الأمر والنهي ففي الآية أمرٌ بثلاثة أشياء ونهيٌ عن ثلاثة أشياء من التزم ذلك سعدت دُنياه وأخراه فإنه لا هدي أحسن مما في كتاب الله ولا أدب فوق ما أرشد إليه محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما أكَّدت عليه الآية الكريمة موعظة لعلّنا نتذكر وننتبهُ فنلتزم ذلك فنحوز خيري الدنيا والآخرة.

ولذلك فإننا ندعو ونحن نعيش أيَّامًا عصيبة وقد صرنا إلى زمنٍ ازدحمت فيه الفتن إلى التَّمعُّن في الآية أعلاه وفهم معناها والعمل به ففي مضمونها الدواء لما استحكم في نفوس كثيرٍ من الناس.

 والحمد لله أولًا وآخرا.