2021-02-03 16:31:44

الصوفية الإسلامية وانخطافها الروحي / الأستاذ عبد الهادي المحيسن

الصوفية الإسلامية وانخطافها الروحي / الأستاذ عبد الهادي المحيسن

الصوفية الإسلامية وانخطافها الروحي / الأستاذ عبد الهادي المحيسن

مجلة الشراع 3 شباط 2021

اشتهرت الصوفية بما يعيشه كثير من أهلها في مجالات ما يعرف بـ"الانخطاف الروحي"؛ الأمر الذي أدَّى بعديد من أهل الفرق الإسلاميَّة الى الارتياب بها، وان ظن الإسلام السنُّي أن من واجبه معاقبة بعض الصوفيين المتقدمين، ومن أشهرهم الحلاَّج، الذي أعدم في بغداد سنة 922م.، رغم أنه بدا أكثر رحمة بصوفيته المعتدلة، ومع ذلك فإن المتشددين ينعون على الصوفية تقديمها التأمل على الموعظة وإهمال ممارسة الفروض الدينية الصحيحة.

بالفعل،

فإن الصوفية أعادت إلى الأفق الديني اتساعه، الذي سبق أنَّ ضيقه علم الكلام؛ ولكنها ألغت، لا شعوريا، العِلم الديني؛ لتستعيض عنه بالحدس، حيث لا يحتفظ اتباعها سوي بدين القلب. وقد حصلت محاولات للتوفيق بين الحالين؛ من بينها محاولة قام بها الإمام الغزالي، الذي توفي في سنة 1111م، وهو يعتبر من أحد أكبر أصحاب العقول في الأسلام، وقد قام بإقرار شرع وسط عادل بين علماء الدين والصوفيين .

الفرق كائن بين من يعتبرون أنفسهم اتباع العقل والعلم النظري، وأولئك الذين يعتبرون أنفسهم مختارين من الله ومالكي الحدس ومعرفة الحقيقة بواسطة الإنخطاف الروحي؛ فمن ناحية كان الكلاميون، الجاعلون لله صفات مختلفة عن الصفات البشرية، ومن ناحية أخرى ظهر الصوفيون، المعتقدون بالذوبان التدريجي في الله وقد انتهوا منطقيا بأن الله هو كل شيء.

ثمة من الناس من يحدد أطماعه بعلم الإستشارات القضائية؛ وهو يطلق على المعارف التي تقود الى هذا الهدف، اسم علم الفقه وعلم المذهب؛ ويتخيل أن هذا هو العلم الديني عينه؛ وهم لا يهملون دراسة كتاب الله وسنة النبي،. ويقول الصوفيون، بعكس ذلك، إن العلم الحقيقي هو العبادة الحقيقية بالقلب، وبالصلاة الداخلية؛ أي الوسيلة التي يملكها الضمير الإنساني، ليقترب من الله. أما المناقشات الدقيقة، حول الدقة اللاهوتية والقضائية، فيجب استبدالها بمحبة الله، الذي خلق الحياة الحدسية في النفس.

أدخل الغزالي الحب الصوفي الى الإسلام الحقيقي، ولكنه نفى العنصرين المتطرفين في مذهب التصوف: (اللامبالاة بممارسة الأعمال الدينية، والمثل الأعلى لألوهية الكون)، الذي وضع له حدا إن لم يكن قد هدمه. وبالإجمال فإن الغزالي "عقّل" الصوفية وأحيا الدين الحقيقي؛ إذ استخدم العقل لهدم العقل، بإثباته بأنه غير أهل لقيادتنا الى المعرفة المطلقة؛ كما استخدم التقليد، ليهذب ويدل ويكبح مخيلة الصوفيين .

إن الغزالي أحيا الإسلام فعلا، وحقق بمؤلفاته جميع العناصر التقليدية والعقلية والصوفية؛ وبالاجمال، فإن البرهان على تأثيره السريع العميق، المشابه لتأثير توما الإكويني، هو زوال الحظوة التي أوجدتها الأرسطاطاليسية في الشرق؛ وقد هاجرت الفلسفة العربية الى اسبانيا، حينذاك، حيث كان لها دوي عظيم في القرن الثاني عشر؛ ونحن نعرف كيف أثَّرت مؤلفات العلوم اليونانية، التي شرحها العرب، وترجمت الى اللاتينية بواسطة علماء الغرب ودخلت اوروبا.

هكذا احتل الإسلام مكانا في السلسلة التي تربط الفكر القديم بالفكر الحديث، ولعب دوره العظيم في تاريخ المدنية ففي القرن الثالث عشر. لقد استنفدت الحركات المذهبية الكبرى طاقتها الهجومية، وخمدت إصطدامات الإسلام الحقيقي بالتحررية وبالفلسفة الصوفية .

بعد ذلك ستصبع خصومة السنة والشيعة، من الآن فصاعدا، خصومة سياسية أكثر منها دينية؛ وسنشهد، بعد ذلك، حركتان؛ إحدهما الحركة الوهابية، التي ستعيد الإسلام الى بساطته الاولى.