2021-02-02 17:59:51

نعم لثورة العقلاء.. لا لثورة المخربين / بقلم السيد صادق الموسوي

نعم لثورة العقلاء.. لا لثورة المخربين / بقلم السيد صادق الموسوي

نعم لثورة العقلاء.. لا لثورة المخربين / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 2 شباط 2021

 

عندما يعاني شعب من مشكلة أساسية فهو يحاول معالجتها بالوسائل الطبيعية المتاحة، من قبيل مراجعة المسؤولين، ومطالبة الممسكين بزمام الأمور ليقوموا هم بحل المشكلة وإزالة العائق من طريق سعادة الشعب ورفاهية الطبقات المستضعفة، لكن إذا تجاهل الحكام مطالبات الشعب و " طنّشوا " عنها، وبقيت المشكلة تفتك بالناس فإن الضغوط تتزايد على مسؤولي النظام شيئاً فشيئاً..

ويبتدع المظلومون أساليب متنوعة للمطالبه برفع الظلم عن كواهلهم..

وإذا تكبر الحكّام على الشعب و " تفرعنوا " ولم يبالوا بحقوق الناس..

 عند ذلك يُصبح الفراق بين الشّعب والسّلطة أمراً لا مفرّ منه، وهنا تبدأ " الإنتفاضة " أولاً!

وإن لم يستوعب الممسكون برقاب الناس حقيقة هذه الإنتفاضة فإنها تتحول لا محالة إلى " ثورة عارمة " تعمل على قلع كيان السلطة من جذوره، والإطاحة بكل من يمتّ بصلة إلى الطغمة الحاكمة بأي شكل من الأشكال...

 لكن،

"الإنتفاضة  الشعبية " التي تسبق مرحلة " الثورة العارمة " يجب أن يقودها أشخاص أو جهات ليسوا مرتزقة لجهاز مخابرات هذه الدولة وتلك..

 ولا يتقاضون مرتبات شهرية من هذه السفارة وتلك..

ولا ينفذون " أجندات " الأجانب الذين لا يريدون بأي حال الخير للشعب ولا للبلد.. وهكذا يمكن الإطاحة بالفاسدين والمفسدين واستبدالهم بالصالحين والمصلحين، وتكون النتيجة القاطعة إنقاذ البلاد والعباد من شرّ طواغيت الزمان وفراعنة البلاد، ونشر العدل بين الناس، وإزالة الفقر من المجتمع، ووقف عمليات مصّ الدماء من قبل الذين لا يشبعون من نهب الثروات ولا يكتفون بما سرقوا من الأموال، بل يدفعهم الجشع إلى مزيد من التطاول على الشعب وأمواله ودفع البلد إلى مزيد من الدمار والإنهيار.

إن أمامنا صورتان لشعبين ثارا ضد ظلم لحق بهما، وحيف من قبل النظام لحقوقهما..

أحدهما أطاح بطاغية كان يرى نفسه وريث عرش الطاووس، وامتداداً للشاهنشاهية الفارسية التي سبقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وكان في الوقت نفسه الشرطي على منطقة الخليج كلها بتفويض مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، وحليفاً رئيسياً وبصورة علينة للكيان الصهيوني الغاصب في العالم الإسلامي، لكن " الإنتفاضة الشعبية " ضده في العام 1978 والتي تحولت إلى " ثورة عارمة " قد نجحت في القضاء على النظام الشاهنشاهي، وقلعت كامل جذوره، وكان الإنتصار يوم 11 شباط من العام 1979.

إن هذه الثورة الشعبية لم تحطم مؤسسة عامة أو خاصة، ولم تحرق مبنى حكومياً، ولم تُتلف وثائق ولا مستندات، بل أجبر الشعب الإبراني بحركته الواعية وعن طريق مظاهراته السلمية المتواصلة والعارمة الشاه محمد رضا بهلوي الطاغوت على الهرب ليتسلم الذين عيّنهم الإمام الخميني من منفاه أمور البلاد.

ثم إن العالم كله شاهد بأم عينيه كيف قاد الإمام كافة المراحل بعد الإنتصار، وتجاوز أنواع المشاكل، وتغلب على جهود مختلف القوى المضادة للتآمر ضد الكيان الوليد مستندة إلى تضلعها هي وعدم وجود خبرة لدى الحاكمين الجدد في إدارة البلاد وتسيير شؤون الدولة.

واليوم تأتي الذكرى الـ 42 وقد انهزم كافة اعداء الجمهورية الإسلامية المتأملين سقوطها عاماً بعد عام بل شهراً بعد شهر، فسقطوا هم وذهبوا إلى غير رجعة، وبقي النظام الإسلامي على الرغم من أنف المستكبرين متجاوزاً أشد العقوبات وأشرس المواجهات وفرض الحصار الكامل عليها منذ أول يوم من تأسيسها، وشنّ الحرب الظالمة والمدمرة عليها.

لكن،

"الإنتفاضة الشعبية" في الولايات المتحدة التي نتجت عن المظالم المتراكمة عبر القرون، والتي فجّرتها السياسة الحمقاء للرئيس المعتوه دونالد ترامب، والتي أعقبت قتل مواطن أسود على يد شرطي أبيض بدافع العنصرية المقيتة، والتي توسعت من مدينة كولومبوس بولاية أوهايو حتى شملت مختلف الولايات وأكثر المدن، والتي لم تستطع الشرطة المحلية مواجهتها، بل انضمّ البعض منهم إلى صفوف المتظاهرين، ولم يتمكن الحرس الوطني بكامل أسلحته من السيطرة عليها، بل كانت عمليات القمع تزيد من النقمة الشعبية على النظام الحاكم حتى بلغت مرحلة حرق العلم الأمريكي في عدة تظاهرات، وإعلان مناطق خارجة عن سلطة الدولة في بعض المدن، ومطالبة بعض الولايات بالإستقلال.

لقد كادت الامور أن تفلت من أيدي السلطات بالكامل..  بعد أن سادت الفوضى كافة الأرجاء، وشملت موجة الغضب جميع المناطق، فأراد ترامب أن ينفس الإحتقان الشعبي على طريقته، وتحوير المسار نحو خصومه السياسيين، وتوجيه الأصابع إلى اعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، بحجة أنهم يؤمّنون " التغطية القانونية " لفوز منافسه " غير القانوني " جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، فأعلن النفير العام للإحتشاد، بل حرّض بخطابه من أمام البيت الأبيض على محاصرة مبنى الكونغرس والنواب فيه مجتمعون، ونائب الرئيس على وشك الصعود إلى المنصة لتلاوة نص رسالة التصديق على النتائج المعلنة من قبل المجمع الإنتخابي..

وكان الإقتحام الهمجي من جانب مناصريه..

وذلك بالتواطؤ مع الحرس الخاص بمبنى الكابيتول، وشاركهم ضباط وجنود في الوصول إلى مختلف القاعات بهدف أسر النواب والشيوخ والحؤول من دون إلقاء خطاب نائب الرئيس، فعمد بعض الأعضاء إلى استعمال المسدسات لحماية أنفسهم واضطروا للإختباء في ملاجئ سرية داخل المبنى، فكانت السيطرة الكاملة لمناصري ترامب العنصريين على المبنى، وعاث المقتحمون فيه فساداً، وقاموا بتحطيم محتوياته ونهب أثاثه.

وترافق هذا العمل في العاصمة واشنطن مع خطوات مشابهة في ولايات أخرى، فتحولت البلاد كلها إلى ساحة حرب حقيقية شاهد صورها العالم كله، وانقسم الشعب بين فئة ترى نفسها صاحبة البلد بفعل العقلية العنصرية البغيضة لديها، وفئة عانت كثيراً من الظلم والتمييز بعدما ظنت أنها تخلصت كلياً من عهود الاستعباد، وإذا بها تواجه تعالياً للعِرق الأبيض عليها، واستعمالها في المرافق الخدمية بصورة خاصة، فيما يحتكر البيض المناصب الأساسية، ويمسكون بالقرار في أعلى سلم الإدارة.

وقد تبيّن،

أن سبب انحراف تلك الإنتفاضة الشعبية، والنجاح الظاهري في الإلتفاف على التحركات الواسعة، وتمكن السلطات بصورة مؤقتة من إخماد جذوة الثورة الشاملة، هو عدم وجود قيادة رشيدة مخلصة تعمل على السيطرة على الحشود، وتمنعها من القيام بأعمال الشغب، والهجمات على المؤسسات وتحطيمها وإحراقها في مختلف الولايات والمدن، وتخريب أموال العامة، ما أعطى ترامب الذريعة ليطلق عليهم الاوصاف القبيحة التي لا تليق الا بشخصه..

 وبالنتيجة،

تبينت أهمية القيادة الرشيدة الواعية في أية " انتفاضة شعبية " منذ لحظة انطلاقتها وقبل تحولها " ثورة شاملة "!

إن الأحداث المؤلمة التي وقعت في عاصمة الشمال طرابلس الفيحاء قبل عدة أيام، ومهاجمة الغوغاء والمجرمين مباني المؤسسات المدنية والحكومية فيها، يجب دراستها بدقة والتمعن فيها والتحليل العميق لها ولأسباب اندلاعها، وذلك حتى نصل إلى النتيجة الصحيحة ونتمكن من " فك الشيفرة " والتوجه نحو حل المعضلة.

إن الأزمة السياسية المستفحلة في لبنان والمستمرة منذ فنرة غير قصيرة ستؤدي لا محالة إلى تحلل المؤسسات الحكومية وتآكل كيان الدولة يوماً بعد يوم، وذلك بسبب انشغال كل طرف في محاولة ليّ ذراع الطرف الآخر وهزيمته وتسجيل انتصار عليه، ووتكون النتيجة الغفلة الكاملة عن مصالح الناس وتسيير شؤون البلاد.

وفي ظل هذا التجاذب السياسي على صعيد رموز الحكم يجد " المعتاشون " من مصائب الناس والمدعومون من مراكز القرار في بعض الأحيان الفرصة ليقوموا بالنفخ في نار الفتنة، وحرف المسار عن الهدف الصحيح، وجرّ الناس إلى صوب الشغب، ودفعهم إلى أعمال التخريب، ومهاجمة مصالح المواطنين، وتحطيم واجهات المحلات، ونهب أموال الناس، وحتى التشجيع على عمليات قطع الطُرُق على أيدي عصابات و " نشل " المتنقلين بين منطقة وأخرى، وهذا السلوك الأهوج والممنهج في بعض الحالات يعطي الذريعة التي يبحث عنها الفاسدون ليدخلوا على الخط، ويجعلوا من أنفسهم وهم علة الأزمة وسبب البلاء منقذين لحياة الناس، والضامنين لسلامة المواطنين، والحماة لمصالح العباد.

وبهذه الطريقة،

تنتهي " إنتفاضة " المستضعفين، ويستمر الفاسدون في فسادهم، وهم يمنّون على الشعب بأنهم واجهوا الفوضى، وحافظوا على الأمن، وقضوا على أعمال الشغب، وأوقفوا تهديد مصالح الناس.

وإن السبب الحقيقي لهذه العاقبة، وقدرة الفاسدين في النظام اللبناني مرات ومرات في إجهاض انتفاضات الفقراء عبر العقود، والعلة الأساسية لفشل المنتفضين اللبنانيين في تحقيق أهدافهم طوال سنين، هو عدم وجود قيادة مخلصة ورشيدة غير مرتهنة لأطراف خارجية، والتي لا تريد أن تجعل من وجع الناس وسيلة لتحقيق مآرب الآخرين، أو لتسجيل نصر كاذب على شخص أو حزب أو فريق أو طائفة، بل تحمل بصدق راية الدفاع عن حقوق الناس، وتضحي بإخلاص في سبيل رفع الظلم عن المستضعفين، لكن الواقع الذي رأيناه مراراً أن شدة الوجع تستثير كل مرة الناس الفقراء، فينزلون إلى الساحات، ويصرخون بملء حناجرهم في وجه الظالمين، ويحتشد مئات الألوف من الجياع في ساحات العاصمة والمدن الأخرى متحدّين أشكال العوائق ومتغلبين على مختلف الإجراءات، لكن الصفوف تتفرق بعد قليل من بدء المسيرة، وتتعدد الشعارات في الخطوات الأولى من التحرك، وتتعارض الأهداف لدى حشود المتظاهرين، وهذا التشتت يأتي بسبب عدم وجود مشروع حقيقي لمن يتصدرون الصفوف، ولمحاولة كل طرف مصادرة دور باقي المساهمين في الإنتفاضة الشاملة، فتكون العاقبة تفرق الجموع من دون نيل المطالب المحقة، وانفضاض الحشود من غير الحصول على أية نتيجة، وأخيراً يجلس المنافقون إلى جانب الفاسدين، ويتقاسمون فيما بينهم لقمة الشعب الجائع والفقراء المساكين، ويتناوبون في سرقة ثروات البلاد.

وفي حال أشير بالإصبع إلى أحد الفاسدين وسارقي أقوات الفقراء تثور عصبية البعض من طائفته للدفاع عمن يُقرّ بأنه شريك في مصّ الدماء، ويراه بالعيان منغمساً في الفساد، وذلك لمجرد أن الرجل ينتمي في الهوية إلى تلك الطائفة، فيستميت في حماية زعيم من فريقه منخرط حتى فوق أذنبه في الفساد والنهب، حيث يرى هذا الزعيم على الرغم من فساده المشهود عنواناً لكيان طائفته ورمزاً لهويته، في حين لا يصل حتى شيء من فتات ما يجنيه الزعيم الفاسد للذي يخاطر بنفسه للدفاع عن حياضه.

إن إجهاض تحركات المستضعفين من قبل تحالف الناهبين ليس جديداً في لبنان وغيره، وإذا أحسن الشعب اختيار قيادة المسيرة الإنقاذية خارج إرادة الخارج أيّ خارج، ومن غير المرتهنين لشبكة المتشاركين في نهب الأموال، وذوي الإرادة القوية والصادقة في الدفاع عن مصلحة عامة الشعب، فإنه يبلغ غايته وينال مبتغاه..

 لكن واقع الحال أن أصحاب البطون الخاوية من كل الطوائف متوزعون في ولاءاتهم لزعيم هذه الطائفة وتلك، والباحثين عن لقمة الخبز لإطعام أطفالهم في مستوعبات القمامة من هذا الفريق وذاك يبقون متعصبين لقائد هذا الحزب ورئيس ذلك التنظيم، والمعانين من الغلاء الفاحش في الأسعار نراهم يواظبون على حماية المحتكرين لأقواتهم الضرورية إذا كانوا منتمين لحزبهم أو فريقهم، والمكتوين بنار التجار الجشعين في التلاعب بأسعار المواد الأولية الضرورية للمواطنين نجدهم يتضامنون مع المتلاعبين بلقمة أطفالهم إذا كانوا من بيئتهم أو منطقتهم أو عشيرتهم، وهذا التعصب الأعمى والتضامن الطائفي وهذه الحماية الحزبية تجعل السارقين الكافرين بكل دين والمحتكرين الخارجين عن القيم الإنسانية في مأمن من غضب المظلومين، وبمنجى من تطاول أيدي الناقمين.

إنني وقد آمنت منذ نعومة أظفاري بالمسيرة التي أطلقها إمام المستضعفين الراحل روح الله الموسوي الخميني..

وتحملت كافة المصاعب وعانيت أشد المعاناة في سنوات الكفاح قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979..

وقد عشت أيضاً عقوداً في العديد من القرى اللبنانية في مناطق مختلفة..

وعاينت عن قرب معاناة المستضعفين فيها..

ولذلك،

 فإني أحسّ بكل كياني بألم الفقراء من كل الطوائف والمذاهب والأحزاب والمناطق، وعلى هذا فإني أدعو الناس إلى أن يحرروا أنفسهم ولمرة واحدة على الأقل من أسر كافة التعصبات ومختلف الولاءات، ويتحدوا في وجه المتاجرين بهم على اختلاف الألوان، والمحتكرين للقمة عيشهم تحت شتى الأسماء، والمتلاعبين بمصير وطنهم في طل كافة الشعارات، والمطالبين بسلطة القوى الأجنبية على مقدرات البلاد، وحتى عودة المستعمر البغيض السابق إلى لبنان...

وحينئذٍ أنا على يقين بأن الإنتصار الأكيد سيكون حليفهم، وأن الله سبحانه الذي ضمن لعباده المستضعفين الفوز على المستكبرين سيوفي بعهده وهو القائل في كتابه المجيد:

( وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي