2021-01-27 21:55:46

وعاشِروهنَّ بالمعروف / بقلم الشيخ أسامة السيد

وعاشِروهنَّ بالمعروف / بقلم الشيخ أسامة السيد

وعاشِروهنَّ بالمعروف / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 28 كانون الثاني 2021

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: {وعاشروهنَّ بالمعروف فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرا} سورة النساء.

أمر الله تعالى بالإحسان إلى الزَّوجات في المعاشرة وهذا يقتضي أن يكون الزوج منطلقًا إلى فعل الخير معها غير فظٍ ولا غليظ، والعِشرةُ المخالطةُ والممازجة، ولأن الزوج يُخالط زوجته فهو مأمورٌ برعاية حقها فإن للزوجة حقوقًا يجهلها كثيرٌ من الناس فإنك لو سألت أغلب الناس عن حقوق الزوجة لربما قالوا لك أن يُؤمِّن لها الطَّعام والشراب والمسكن والكسوة وهذه حقوق لها بلا شك ولكن يجهل أكثرهم أن من حقوقها أيضًا أن يصبر عليها فلا يكسر قلبها لتقصيرها في نحو الطبخ أو غيره مما لا يجوز له أن يكسر خاطرها لأجله. وينبغي أن يُفكر المنصف بكثرة ما تُحسنُ الزوجة إلى زوجها من حيث تعهدها لمطعمه ومشربه ولأولاده بمثل ذلك مع اهتمامها بشأن البيت وما تبذله من الجهد من نفسها لتوفر لزوجها وأبنائها الراحة، ولا يقتصر دورها على هذا فحسب بل لطالما كانت المرأة الفاضلة مثالًا للعطاء والصبر. ومن كان هذا شأنها من النساء فجديرٌ أن تُقَابل بالتقدير لا بالاحتقار والمهانة وذلك أننا نرى كثيرًا من الرجال يُسيئون معاملة زوجاتهم من غير مُراعاةٍ لأحكام الشرع ولهؤلاء نقول:

ليست البطولة أن تظلم امرأتك ولا أن تعاملها معاملة المتسلِّط المغرور بنفسه الذي لا يرعى لها حقًا ولا يعرف لها فضلًا ولا أن تضربها لأن الطعام لم يُعجبك أو لأنها قصَّرت في غسل ملابسك وترتيبها.

عاشرها بالمعروف

 خيرٌ لك أن تصبر عليها إذا ضَجِرَت ولا تُسئ بها الظن بغير سببٍ معتبر، فقد روى مسلمٌ وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَفْرِك (يُبغض) مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر". ولا تكسر قلبهَا بالكلام القاسي ولا تتعرض لها بالأذى، وأن تتلطَّف بها إذا حملت وإذا وضَعت ولا تُظهر لها الحزن إن ولدت أنثى كحال بعض الجهلة الذين يشتمون نساءهم أو يضربونهن إذا ولدن الإناث، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يطلق زوجته إن ولدت له أنثى، وقد سمعنا بحصول ذلك وحريٌ بمن كان هذا حاله أن يتقي الله فربنا تعالى يقول في سورة آل عمران:{هو الذي يُصوّركم في الأرحام كيف يشاء}. ويقول أيضًا: {يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوِّجهم ذُكرانًا وإناثًا ويجعلُ من يشاء عقيمًا إنه عليمٌ قدير} سورة الشُورى.

وينبغي للزوج أيضًا أن لا يُفشي سرها وأن يُشعرها بالاهتمام ولا يُرهقها بسوء خُلُقه ولا ينهَرها إن تأخَّرت في بعض أعمال المنزل، فقد روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" أن الصحابي الجليل أبا الدرداء تزوج امرأة فقال لها: "إذا غضبتُ ترَضَّيني وإذا غضبتِ ترضَّيتك فمتى لم يكن هكذا ما أسرع ما نفترق" معناه اصبري عليَّ وأصبر عليك عند الغضب.

 وحيث عُلم هذا فنقول: ليست المرأة سلعةً تجارية تُباع وتُشرى وليست مجرد آلةٍ يستعملها الرجل لقضاء حاجاته وقد قال الفقهاء في تعريف الزواج: " النكاح شرعًا يُطلقُ على عقدٍ يتضمن إباحة وطءٍ" ولم يقولوا: "عقدٌ يُبيح اضطهاد المرأة وتجريدها من حقوقها الخاصة" ولذلك ينبغي أن يعاشرها الزوج بحُسن السيرة فقد قال ربنا تعالى في سورة النساء:{وعاشروهن بالمعروف} وجاء في "تفسير الطبري" في شرحه على هذه الآية: "خالقُوا أيها الرجال نساءكم وصاحبوهن بالمعروف، يعني بما أُمرتم به من المصاحبة وذلك إمساكهن بأداء حُقوقهن التي فرَض الله جلَّ ثناؤه لهن عليكم إليهن". وقد أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم التوصية بالزوجات فقد أخرج الترمذي عن عمرو بن الأحوص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرا". وفي مسند أحمد عن أبي حُرَّة الرِقَاشي عن عمه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "فاتقوا اللهَ في النساء". وقد عَقَد الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه "صيد الخاطر" فصلاً سمَّاه "فصل الإحسان إلى الزوجة عمل الرجال" أي هو عملٌ جيد يراعيه الرجل الأبيُّ ولا يتكبَّر عنه بدعوى أنه رجلٌ فإن الإحسان والتواضع للزوجة شهامةٌ ومروءةٌ وليس ضعفَ شخصيةٍ كما يزعم الجهلة.

طريق السعادة

وإذا ما عُلم هذا فليُصدع به في وجه كل من يزعم أن الإسلام يضطهد الزوجة ويقيدها بقيود الاستبداد والتعسف، فإنه لا يقول ذلك إلا الجاهل أو المعاند. ومن أراد الوقوف على حقائق الأمور فلينظر في القرآن والحديث النبوي ونصوص العلماء ليُدرك سماحة الإسلام والطريقة الحسنة التي حضَّ عليها هذا الدين العظيم في التعامل مع الزوجات، وليُعلم أن كثيرا من الخصومات والمشاكسات التي تُفضي إلى خراب البيوت وطلاق الزوجات وضياع الأُسر وتفككها كثيرًا ما يكون بسبب عدم رعاية حق الزوجة وترك صُحبتها بالمعروف، فكم يثور بعض الأزواج فيظلمون زوجاتهم بسبب شىءٍ ليس فرضًا على الزوجة فعله، بل لربما غضب بعض الأزواج على زوجاتهم لتركهن فعل أمرٍ هو في حكم الشرع واجبٌ على الزوج فعله ولا يدري الزوج ذلك، ولو تعلّم هذا الزوجُ ما له وما عليه وطبَّق ذلك على نفسه وأهله لسعدت دنياه وأخراه، وشاركته بإذن الله زوجته هذه السعادة ببركة العلم والعمل، فإن العلم الديني هو الأساس الذي يصلُح به الناس، فبه يعرف كل واحدٍ من الزوجين حدَّه فيقف عنده وتهنأ بذلك الزوجة في كنف زوجها الصالح فيفرح كلٌ منهما بصاحبه ويكون كلُ واحدٍ منهما قرة عينٍ للآخر.

وربنا تعالى يقول: {والذين يقولون ربنا هَبْ لنا من أزواجنا وذرياتنا قُرةَ أعين} سورة الفُرقان. وفي معنى هذه الآية قال أبو السعود الحنفي في "تفسيره": "بتوفيقهم لطاعته وحيازة الفضل فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله عزَّ وجل وشاركوه فيها يُسرُّ بهم قلبُه وتقرُّ عينه لما يُشاهده من مُشايعتهم له في مناهج الدين وتوقُع لُحوقهم به في الجنة حسبما وعد بقوله تعالى:{ألحقنا بهم ذريتهم}".

والحمد لله أولًا وآخرا.