2021-01-26 22:31:39

إيران - روسيا: أين يتكاملان؟  أين يتنافسان؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

إيران - روسيا: أين يتكاملان؟  أين يتنافسان؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

إيران - روسيا: أين يتكاملان؟  أين يتنافسان؟ / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 27 كانون الثاني 2021

 

كانت العين الروسية دوماً على الأراضي الإيرانية حتى قبل انتصار الثورة الشيوعية عام 1917، فروسيا القيصرية انتهزت الفُرص في فترات متعددة لتقتطع أجزاء من الأراضي الإيرانية، واستغلت على الخصوص ضعف الملوك القاجار وانهزام الجيش الإيراني في عدد من المواجهات لتفرض اتفاقيات مذلّة تتخلى بموجبها الدولة الإيرانية عن مناطق واسعة وتسلمها للدولة الروسية إما تخلياً كاملاً عنها أو بصورة تأجير لمدة 90 عاماً، ولا نريد هنا التوسع في الحديث لأننا تطرقنا إلى هذا الموضوع مفصلاً في مقالات سابقة نُشرت على موقع مجلة " الشراع " يمكن مراجعتها.

ومع انتصار الثورة البولشفية وطرح الشيوعية كفكر يتجاوز الحدود ويتعاطف معها بعض فئات شعوب العالم، وهذا ما حدث فعلاً حيث اندلعت ثورات متأثرة بالإنتصار في روسيا، وساندتها موسكو، وكانت النتيجة أن سيطرت الشيوعية على عدة دول قريبة من الإتحاد السوفياتي وبعيدة عنها حتى أدى إلى تشكل حلف شرقي يضم دولاً التزمت منهج الشيوعية في الحكم في مقابل حلف غربي مؤلف من الدول التي رفضت النظرية الشيوعية.

لقد كانت العين السوفياتية كما القيصرية على الأراضي الإيرانية بهدف الإقتراب من المياه الدافئة والوصول إلى الساحل الجنوبي للخليج، حيث كان يتواجد البريطانيون على الضّفة الأخرى ثم حلّ محلهم الأمريكيون.

فقد تواجدت روسيا القيصرية عسكرياً في مناطق شمال إيران من خلال معاهدة مع بريطانيا عقدت في مدينة سان بطرسبورغ عام 1907 على تقاسم السيطرة بينهما فيكون الشمال من حصة روسيا فيما جنوب إيران يكون خاضعة للبريطانيين.

لقد حاولت روسيا اقتطاع اجزاء جديدة من شمال إيران بعد انتصار الشيوعية تحت شعار نصرة الفقراء وتحرير الكادحين، وذلك من خلال دعم حركات التمرد في مناطق في شمال إيران والمحاذية للإتحاد السوفياتي..

وهي ساندت عام 1918 ثورة اندلعت بقيادة " ميرزا كوچك خان "، حتى أنها تركت سلاح جنودها الذين انسحبوا من الأراضي الإيرانية في الظاهر ليتسلمه ثوار كوچك خان، لكنها أجهضت هذه الحركة التي كانت  فرضت سلطتها على مساحات واسعة من منطقة شمال إيران، وذلك لما أعلن كوچك خان فك ارتباطه بالإتحاد الإشتراكي لجمهورية إيران، وتأكدت روسيا من عدم إمكانية استغلالها للتمدد الشيوعي، حيث سهّلت لرضا بهلوي المتقوقع في مناطق محدودة في وسط إيران من ضمنها العاصمة طهران ليتمكن من التحرك عسكرياً شمالاً والقضاء على تلك الثورة، وقد قُتل قائدها وتمّ قطع رأسه بصورة وحشية بعد كان لجأ إلى الغابات!

وكذلك دعم الإتحاد السوفياتي ثورة أخرى في منطقة " گيلان " حتى بلغت مرحلة إعلان " جمهورية گيلان الثورية "،  وقد سارع الإتحاد السوفياتي أولاً إلى الإعتراف الرسمي بهذه الدولة، لكنها تخلت عن اعترافها بعد ذلك، وقامت ثورة بقيادة الشيخ محمد خياباني في مدينة تبريز عام 1920 وانضمت إليها مدن أخرى، لكنه بسبب عدم حصول الشيخ خياباني على دعم من الشيوعيين انهارت صفوف الثوار المسلمين أمام القوات العسكرية النظامية التي قدمت من العاصمة طهران.

لقد كان شاه إيران محمد رضا بهلوي وهو العميل الطيّع للولايات الأمريكية " يشوف خاطر " الجارة الشيوعية بصورة دائمة ليأمن شرها، وكانت له علاقة صداقة قوية مع الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف إلى حد أنه سرّب الأخير للشاه نبأ محاولة تيمور بختيار رئيس " السافاك " للقضاء عليه عبر تفخيخ فراشه، وذلك قبل دقائق من توجه محمد رضا بهلوي إلى غرفة نومه والتمدد على فراشه الملغوم!

إضافة إلى،

أن " حزب توده " الشيوعي الإيراني لم يكن له دور كبير في الساحة الإيرانية، وهو كان فقط لافتة كي لا تخلو الساحة الإيرانية من الواجهة السوفياتية، لكن حركات ذلك الحزب كانت دائما محكومة بالكامل من القيادة في موسكو، وهي لا تصل الى حد مناهضة النظام الشاهنشاهي، بل إن الوثائق التي عُثر عليها بعد انتصار الثورة الإسلامية في أرشيف " السافاك " كشفت أن رموزاً من قيادات الشيوعيين الإيرانيين كانوا يتعاونون بشكل كامل مع المخابرات الإيرانية.

لكن قادة الإتحاد السوفياتي الذين واجهوا في العام 1979 ثورة شعبية في إيران غير منتمية إلى المعايير التي حاولوا تكريسها في العقول والأفكار، والتي تقول أن البديل الوحيد للنُظُم الرأسمالية هي الشيوعية، وأن أية ثورة شعبية لا يمكن أن تنجح وتنتصر على الحكم الديكتاتوري المدعوم من الغرب من دون مساندة صريحة وواضحة من الإتحاد السوفياتي؛ أما الهوية الإسلامية للثورة الشعبية هذه والقيادة الدينية وعلى رأسها مرجع ديني هو الإمام الخميني، وانتصار الثورة المدوي وهزيمة الشاه المسنود من دول الغرب والمؤيّد من الشرق أيضاً وبالطريقة المذلة قد ولّدت أزمة حقيقية في موسكو، فحركت أنصارها السابقين ونشّطت " حزب توده " ليقوم بالتغلغل في مفاصل النظام الجديد والتحرك طبقاً للإرادة السوفياتية في الوقت المناسب.

وعلى صعيد الخارج،

قام السوفيات بغزو أفغانستان لمحاصرة إيران شرقاً..

وأيدوا صدام حسين في حربه ضد إيران، وقدموا له كل ما أراد من سلاح روسي متطور لمواجهة النظام الإسلامي من جهة الغرب، وحركوا في مرحلة عملاءهم في القوة الجوية ليقوموا بالإنقلاب العسكري ضد نظام الجمهورية الإسلامية الفتية إنطلاقاً من ثكنة عسكرية في مدينة همدان والذي عُرف بـ " كودتاي نوژه "، لكن هذه المحاولة انفضحت قبل انطلاقها وأُلقي القبض على جميع أفرادها ومن بينهم قائد القوة الجوية السابق الجنرال سعيد مهديون والجنرال احمد محققي وأكثر من 500 من المشاركين في المؤامرة وتمّ محاكمة المعتقلين وإعدام رؤوس المحاولة الإنقلابية.

وانهزم السوفيات في أفغانستان شرقاً ولم ينجح صدام حسين في حربه غرباً..

وربحت الجمهورية الإسلامية المعركة الكبرى..

فاضطر السوفيات إلى التعامل الإيجابي مع النظام الإسلامي وخاصة في عهد غورباتشوف، ما جعل الإمام الخميني يوجّه رسالته المشهورة للزعيم السوفياتي ويعلن له قرب نهاية الشيوعية في العالم!

وردّ الزعيم السوفياتي على رسالة الإمام وأرسلها مع وزير خارجيته إدوارد شيفارناتزه!

وتُوّجت العلاقات الحسنة بالزيارة التاريخية للمرحوم الشيخ هاشمي رفسنجاني إلى الإتحاد السوفياتي والحفاوة البالغة من قبل السلطات السوفياتية بالضيف، وفتح المجال أمامه لزيارة جمهورية آذربايجان ذو الغالبية الشيعية حيث اصطف الناس لعدة كيلومترات على جانبي الطريق للترحيب بالوجه الذي حُرموا من رؤية أمثاله منذ أن سيطر الشيوعيون على البلاد، بل إن محاولات حثيثة بُذلت لاستبدال عقيدتهم الدينية بالفكر الشيوعي، ومُنع الناس من أداء فرائضهم الدينية، وتمّ تحويل المساجد الى مستودعات ومرابط للخيول.

وانهار الإتحاد السوفياتي على عهد الرئيس يلتسين!

وبدأ عهد جديد لا علاقة له بالحقبة الشيوعية وذلك بقيادة عضو في مخابرات النظام الشيوعي السابق والضليع في معرفة أساليب العمل، وهو الرئيس الحالي فلاديمير بوتين.. الذي وصل إلى الحكم ثم استمر فيه بطرق مختلفة حتى اليوم!

لكن،

الفكرة التي كانت في عهد القياصرة والتي تواصلت طوال فترة النظام الشيوعي بقيت تراود بوتين، وحاول عبر استعمال أسلوب التودد واستغلال غباء الولايات المتحدة والدول الغربية في التعامل مع الجمهورية الإسلامية ليوجد لنفسه موضع قدم في إيران.حيث وطّد العلاقة الشخصية مع آية الله خامنئي وأصرّ خلال زيارتين له إلى العاصمة الإيرانية التوجه مباشرة من المطار إلى لقاء آية الله خامنئي متجاوزاً البروتوكولات الرسمية المتبعة وإهداء صورة عن نسخة نادرة من القرآن الكريم له بطريقة لافتة وبتغطية إعلامية واسعة للتأكيد على  إرادة حقيقية في تمتين العلاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران وعلى أعلى المستويات..

وقد فتح المجال أيضاً لتحرك الشيخ اكبري جدي ممثل آية الله خامنئي الخاص في روسيا بكل حرية، إضافة إلى إفساح المجال أمام ممثلي المرجع الديني الأعلى آية الله السيستاني في العاصمة موسكو ومناطق مختلفة في روسيا، وتسهيل نشاط المراكز الإسلامية والمساجد والحسينيات والعلماء وكلاء السيد السيستاني في تلك البلاد.

ومع تحرك العناصر السلفية المنتمية للفكر الوهابي ونشاط التنظيمات الإرعابية، وتعاطف جمهور كبير من أهل السنة في روسيا وجمهوريات الجوار مع تلك التوجهات المتطرفة، ووقوع عمليات إرعابية في تلك البلاد.. شعر الرئيس بوتين ورؤساء في تلك الدول بالخطر الجدي لهذه التنظيمات على بلادهم..

وبالنتيجة،

 بدأوا البحث عن وسيلة لمحاصرة البيئة الحاضنة للمتطرفين وهم من السّنة الذين يسهل التأثير عليهم وتهييج عواطفهم وجرّهم إلى ميدان العمل التنظيمي خدمة للجماعات الإرعابية، ووجدوا أن فتح المجال أمام الحضور الشيعي على الأراضي الروسية وفي دول الجوار هو الخيار الأفضل لأن المنطق الإستدالي للشيعة يمكن أن " يفرمل " كثيراً من التوجهات التكفيرية لدى جمهور السّنة، إضافة إلى أن قسماً كبيراً من الآذربايجانيين هم متواجدون في مختلف أرجاء روسيا منذ أيام الإتحاد السوفياتي السابق، وهم قد حافظوا طوال العقود الماضية على عقيدتهم في أصعب الظروف، وهؤلاء كلهم تقريباً من أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام، وهم متعاطفون إلى حد كبير مع المرجعية الدينية الشيعية في إيران والعراق، وهؤلاء يمكن أن يكونوا صمام الأمان للساحة الإسلامية في تلك البلاد الشاسعة في مواجهة خطر الجماعات التي تحمل الفكر الوهابي أو تتعاطف مع التنظيمات الإرعابية المتعددة في الأسماء والمشتركة في الأهداف.

وعلى صعيد المنطقة،

فقد اضمحل الدور الروسي مع تفكك الإتحاد السوفياتي وفتح المجال بالكامل أمام الولايات المتحدة لتصول وتجول وتفرض هيمنها على دول وشعوب المنطقة، خصوصا بعد احتلال أفغانستان والعراق والمشاركة في الحرب على سورية..

 لكن الدور الإيراني في أفغانستان حدّ كثيراً من مفاعيل الدور الأمريكي..

 والحضور الإيراني في العراق أخرج الأمريكي تقريباً من الساحة السياسية فيه..

وفي سورية التي واجهت تحالفاً بزعامة الولايات المتحدة لإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد وجدت إيران أن الفرصة متاحة لفسح المجال للدور الروسي الفعّال في سورية من جديد بعدما أصبح موقعها في غاية الضعف على الرغم من وجود قاعدة عسكرية لها هناك، وبذلك يمكن وقف اندفاعة التحالف الغربي في سورية.

وقد استطاع الفريق قاسم سليماني خلال لقائه المطول مع الرئيس بوتين إقناعه بالتحرك وتنشيط الدور الروسي في سورية، وهذا قلب الطاولة وبدأت تتلاشى طروحات إسقاط النظام وكثر الحديث عن الحل السياسي، ثم جاءت الطروحات للقبول ببقاء الأسد شرط ابتعاده عن إيران، وبعد سقوط كافة الخيارات السابقة بدأت الدول العربية والأجنبية بإعادة علاقاتها تدريجاً وفتح سفاراتها في العاصمة دمشق والتعامل مع الحكومة الحالية.

لقد ضاق ذرعاً الكيان الصهيوني بتغيير المعادلة في سورية، حيث منّى نفسه طويلاً للدخول إلى سورية من بابها الواسع بعد سقوط النظام على أيدي المجموعات المسلحة التكفيرية، ولأجل ذلك كانت قد أصدرت التعليمات باستقبال جرحى تلك التنظيمات في المستشفيات الإسرائيلية، وقامت القوات الصهيونية في حالات عديدة بالتغطية النارية لمساعدة هجمات الجماعات المسلحة، وصرح عدد من قادة المعارضة بنيتهم التعاون مع الكيان الصهيوني في حال الوصول الى الحكم، ولأجل التعويض عن خسارة المعركة ذهب بنيامين نتنياهو إلى موسكو في محاولة لدق إسفين بين روسيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية في سورية!

وقد استفاد الرئيس بوتين من الحاجة الصهيونية إليه.. وضعف الدور الأمريكي.. فبدأ بالتدريج طرح شروط على الإسرائيليين، وتحصين وجود النظام القائم ورسم خطوط حمراء أمام الكيان الصهيوني، وكلما حاول نتنياهو الإقتراب من تلك الخطوط قامت روسيا عسكريا بصورة مباشرة أو عبر الجيش السوري بإرسال رسالة مفادها التحذير من المس بقواعد الإشتباك وتجاوز الحدود المتفق عليها..

وهذه الحدود تغيرت وتعدلت مرّات لصالح النظام السوري، حتى أصبحت غالبية الأراضي تحت سلطة الحكومة المركزية، وانتهى تقريباً وجود المجموعات المسلحة وانحصر وجودها في المناطق الخاضعة للجيش التركي، حيث يقوم الرئيس الروسي بدوره لدفع الرئيس التركي أردوغان خطوة خطوة إلى الإعتراف بالرئيس بشار الأسد والتعامل معه، وقد نجح في ترتيب اجتماعات بين مسؤولين أتراك كبار وممثلين عن الدولة السورية.

والجميع يشاهد التراجعات المكررة للجيش التركي عن مواقعه التي أقامها على الأراضي السورية، وبالنتيجة تقهقر المجموعات التكفيرية التي تخضع لسلطتها، وحتى المجموعات الكردية فإن قسماً كبيراً منها فضّلت العودة إلى حضن الحكومة المركزية والتخلي عن الإرتهان للقوات الأمريكية، وعلى هذا نجد أن خارطة مناطق تواجد القوات التركية تتقلص يوماً بعد يوم، والحكومة السورية تبسط سلطتها على مزيد من الأراضي وتسترجع القرى والمدن من المجموعات التكفيرية والقوات التركية.

أما العلاقة الإيرانية السورية،

فهي في غاية المتانة حيث يعلم الرئيس بشار الأسد أن أصل بقائه على رأس السلطة مرهون لوقوف الجمهورية الإسلامية إلى جانبه في وقت كان الآخرون يحددون الساعات وليس الأيام التي يجب على بشار الأسد التخلي عن السلطة خلالها، وهم كانوا على يقين بأن الأمور منتهية وسيطرة المجموعات المسلحة المدعومة مادياً ومعنوياً وسياسياً من قبل التحالف المعادي مضمون بالكامل، وكان همّ روسيا الوحيد في تلك المرحلة هو ضمان بقاء قاعدتها العسكرية الوحيدة في الساحل السوري، حيث أكدت قيادات المعارضة السورية قبولها بهذا الامر، لكن الطرف الإيراني هو الذي شد من عزيمة الرئيس بوتين وأقنعه بالتواجد بقوة في الساحة السورية، وحتى أن آية الله خامنئي استعمل موقعه الديني كولي فقيه وسلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة الإيرانية وجازف بقبول استعمال الطائرات الروسية الحربية للمجال الجوي والمطارات والقواعد العسكرية الإيرانية وهي في طريقها للوصول إلى سورية ثم الهبوط فيها مرة اخرى وهي في طريق العودة إلى قواعدها في روسيا، وقد بذلت إيران دوراً كبيراً لتسهيل الحضور الروسي وتوسعة هذا الدور على أساس أنه يُؤدي إلى إضعاف الدور الأمريكي ويفرمل الحضور الصهيوني في الساحة السورية في الجو وعلى الأرض عبر الجماعات التي كوّن تحالفات معها في المرحلة الأولى من الإضطرابات.

هذا من جهة الرئيس السوري بشار الأسد،

أما الرئيس بوتين،

 فإنه أيضاً يدرك جيداً أن استعادة الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط وتراجع الدور الامريكي فيها قد تمّ بفضل السياسة الإيرانية، ونتيجة العلاقات الجيدة بين الرئيس بوتين والقيادة الإيرانية وآية الله خامنئي شخصياً، وهذا ما دفع مختلف المجموعات المقاتلة في سورية من العراق وافغانستان وغيرها والعاملة تحت إمرة المستشارين من حرس الثّورة الإسلامية وأيضاً مقاتلي حزب الله اللبناني إلى التعاون مع القوات الروسية والمشاركة في غرفة عمليات واحدة وتنفيذ الهجمات بصورة مشتركة، ومن دون الغطاء الإيراني لا يمكن لهذه المجموعات أن ترضى حتى باللقاء مع الجنود الروس فكيف بالتعاون والتنسيق معهم في المعارك...  لذلك فإن المصلحة المشتركة للرئيس بوتين شخصياً أن يلحظ المصالح الإيرانية في سورية وإيران أيضاً تعرف أنه لروسيا مصالح هناك، والمصلحة المشتركة للإثنين معاً هو مواجهة التواجد العسكري الأمريكي في العراق وسورية، حيث العراق هو امتداد عقيدي للإيرانيين وهم بأكثريتهم من الشيعة، والعراقيون الشيعة لنفس السبب لا يمكنهم الإنقطاع عن التواصل مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي سورية أيضاً توجد مراقد دينية لأشخاص لهم منزلة عالية عند الشيعة في العالم سواء من أهل البيت كالسيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب والسيدة رقية بنت الإمام الحسين بن علي، وكذلك مرقد الصحابي الجليل عمار بن ياسر وأويس القرني وحجر بن عدي وغيرهم..

أما بالنسبة لروسيا،

 فالعراق وسوريا كانتا حتى الأمس القريب أهم حليفين للإتحاد السوفياتي وأهم زبونين للسلاح الروسي في المنطقة، لكن الولايات المتحدة تعمل جدياً في العراق منذ العام 2003 على تغيير نظام التسلح وفرض استعمال سلاحها وعتادها العسكري على الجيش العراقي، وفي سورية تحاول فرض واقع جديد من خلال التواجد العسكري في مناطق فيها بذريعة مواجهة داعش، لكنها في الحقيقة تعمل على اختراق المجتمع السوري وضمان ولاء الأكراد فيها للولايات المتحدة عبر الوعد بتمكينهم من تقوية موقعهم في مستقبل سورية بالضبط كالأكراد في العراق.

الخلاصة،

 أن روسيا بحاجة ماسة إلى إيران لمواجهة مخاطر انتشار الفكر الوهابي في البلاد!

وأيضاً الحصول على العلاقة الإيجابية من قبل الشيعة المنتشرين في مختلف مناطق روسية والدول المجاورة لها..

وإيران كذلك بحاجة إلى روسيا كقوة عظمى يمكنها الوقوف إلى جانبها في مجلس الامن والمؤسسات الدولية الأخرى ووقف مختلف المحاولات الأمريكية وحتى الغربية لإصدار قرارات ضد الجمهورية الإسلامية..

وقد شاهد العالم كيف أجهضت روسيا ومعها الصين كافة جهود الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب طوال عهده للإستفادة من موقع مجلس الأمن وحتى الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد إيران، وهذا ما فرض عليها عزلة عالمية، ما أثار غضب الإدارة الأمريكية وأعلنت يأسها الكامل من اللجوء إلى المنظمة الدولية!

وروسيا ومعها الصين،

تقف اليوم أيضاً بكل قوة إلى جانب إيران في المطالبة بالإلتزام الكامل ببنود الإتفاق النووي..والمطالبة بعودة الولايات المتحدة إلى الإتفاق من دون أية شروط،!

وهذا ما يُحرج الرئيس الأمريكي الجديد بايدن، لأنه يرث إتفاقاً موقعاً من طرف فريق هو ينتمي إليه، وفي نفس الوقت تتطلب العودة الى الإتفاق شطب كافة القرارات التي أصدرها الرئيس الأرعن ترامب طوال عهده دفعة واحدة  في أسرع وقت، وأيضاً لأن العودة إلى الإتفاق مع إيران كانت في عداد الوعود الإنتخابية..

 كالوعد بالعودة إلى إتفاقية المناخ وإلى عضوية منظمة الصحة العالمية!

وهو وفى بالفعل بعدد من وعوده فور تسلمه مقاليد الأمور..

لكن،

التردد في الوفاء بوعده الإنتخابي حول إيران يجعل العالم ينظر إلى بايدن أنه ضعيف الشخصية ولا يملك الشجاعة الكافية للثبات على موقفه والدفاع عما صادق عليه فريقه في السابق، وهو الذي عاد اليوم بكل قوة إلى سدة الحكم مع امتلاك الأكثرية في مجلسي النواب والشيوخ، ولا عذر إذن وبأي حال لبايدن ليتأخر في حسم أمره وإعلان قراره وفتح النافذة في العلاقات مع إيران قبل فوات الأوان! فالشهور الستة الباقية من رئاسة الشيخ روحاني هي الفرصة المضمونة في حال أن لا أحد يعلم من سيأتي بعد انتهاء عهده وكيف تكون رؤية الرئيس الجديد للتعامل مع الإدارة الأمريكية..

والمثل العربي يقول: " الوجه الذي تعرفه أفضل من الذي ستتعرف عليه "

والعاقل لا يفوّت الفرصة الحالية على أمل فرصة لا يعلم هل ستأتيه مستقبلاً أم لا، وهذا ما أنصح به العقلاء حيث كانوا، لأن الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام يقول: " انتهزوا فُرص الخير فإنها تمرّ مرّ السحاب "

السيد صادق الموسوي