2018-09-06 21:00:48

طهران تعيد تموضعها الاستراتيجي في سورية والمنطقة/ حلب بدلاً من دمشق عاصمة للوجود العسكري الايراني - بقلم: محمد خليفة

طهران تعيد تموضعها الاستراتيجي في سورية والمنطقة/ حلب بدلاً من دمشق عاصمة للوجود العسكري الايراني - بقلم: محمد خليفة

طهران تعيد تموضعها الاستراتيجي في سورية والمنطقة/ حلب بدلاً من دمشق عاصمة للوجود العسكري الايراني - بقلم: محمد خليفة

طهران تعيد تموضعها الاستراتيجي في سورية والمنطقة/ حلب بدلاً من دمشق عاصمة للوجود العسكري الايراني - بقلم: محمد خليفة

 

 

دخل ((التموضع الايراني)) في سورية، ولا سيما العسكري مرحلة جديدة بعد زيارة وزير الدفاع الايراني أمير حاتمي الى سورية ((29 – 26 آب/ اغسطس))، والاتفاقية التي وقعها الجانبان، ورد الفعل الغاضب من اسرائيل عليها.

كما استفزت صور و((فيديو)) لزيارة وزير الدفاع الايراني الى حلب، محطته الثانية بعد دمشق، قطاعات شعبية كثيرة، بما فيها موالية للنظام. لأن الوزير حط بطائرته الخاصة في مطار حلب، ولم يكن في استقباله أي مسؤول سوري، لا عسكري، ولا مدني، بل كان جميع مستقبليه من العسكريين الايرانيين من الحرس الثوري، كما لو أنه يتحرك في أرض ايرانية. كما استفز السوريين أيضاًَ بزيارته الى القلعة التي ترمز لشموخ حلب وعظمتها.

ما زالت نتائج الزيارة غير واضحة تماماً حتى الآن، وما زال مضمون المحادثات والاتفاقية غير معروف، إلا أن الجانبين أكدا توقيع اتفاقية ((تنظم التعاون بينهما على المدى الطويل)) حسب الوزير الايراني.  وهو ما أغضب الإسرائيليين الى درجة تهديدهم للأسد، بأنه هو شخصياً سيدفع الثمن. وما يعني أن الاتفاقية تخرق ((الخطوط الحمر)) التي وضعها الاسرائيليون للايرانيين في سورية. وجاءت عودة الضربات الاسرائيلية للاهداف الايرانية في سورية ((ضربة مطار المزة يوم 2 ايلول/سبتمبر الجاري)) بعد توقف استمر عدة أسابيع لتعطي توكيداً لجدية التهديدات.

فما هو الجديد في علاقات ايران ونظام الاسد..؟

وما الذي تضمنته الاتفاقية الجديدة ((السرية)) ..؟

وما مواقف اللاعبين الآخرين، وخصوصاً روسيا واسرائيل والولايات المتحدة..؟

وما علاقة هذا التطور بالتطورات الاقليمية الاخرى..؟

 

حلب بدلاً من دمشق :

 

بداية علينا أن نلاحظ أن زيارة وزير الدفاع الايراني الجنرال أمير حاتمي حدثت في توقيت حساس ومهم:

فهي جاءت بعد تصريحات اسرائيلية متكررة تشدد على رفض الوجود الايراني العسكري في سورية .

وبعد تصريحات أميركية على ألسنة كبار المسؤولين تطالب ايران بالانسحاب التام، وتهديدات بالتصدي لها، ووضع خطط ميدانية لمواجهة ايران وروسيا والأسد في شمال وشرق سورية، تضمنت نقل كميات هائلة من الأسلحة، ونصب رادارات متطورة. وقد صدرت هذه المواقف عن وزيري الخارجية والدفاع، ومستشار الامن القومي، وترجمتها الادارة الى محادثات رفيعة مع الروس حول الملف بدءا ًمن قمة هلسنكي الى محادثات جنيف بين مستشاري الأمن القومي، وأخيراًَ جولة مسؤول الملف السوري على تركيا وإسرائيل والاردن .

وتأتي في ذروة الاستعدادات العسكرية للنظام وروسيا للهجوم على ادلب.

وفي ذروة تحشيد عسكري متبادل روسي وأميركي في شرقي المتوسط.

وبعد تصريحات وتحركات ايرانية تصعيدية ضد الولايات المتحدة، واسرائيل، ومعلومات عن نشر صواريخ باليستية في العراق.

توقيت الزيارة وتوقيع الاتفاقية وسط هذه التحركات والتطورات يبعث برسائل واضحة الى اسرائيل والولايات المتحدة، تنطوي على تحدي إرادتهما، برفضها للانسحاب، وتؤكد تصميمها على بقاء قواتها ونفوذها ودورها المتعدد الأهداف والاشكال.

المراقبون رأوا في زيارة القائد العسكري الايراني الأعلى الى دمشق وتوقيع اتفاقية تشرع الوجود الايراني الى مدى طويل جواباً حاسماً على المطالبات الدولية بالانسحاب، والتي كان آخرها زيارة وزير الدولة البريطاني اليستر بيرت الى طهران يوم الجمعة الماضي حاملاً اليها رسالة غربية محددة :يجب أن تخرجوا من سورية .

ويبدو أن زيارة الوفد الايراني الى حلب بالطريقة التي تمت بها هي ترتيب متعمد، لإبلاغ العالم أن وزير الدفاع الايراني في هذه الزيارة ليس ضيفاً أجنبياً، بل هو يتحرك في أرضه، ووسط رجاله بلا برتوكول!

وتجدر الاشارة الى أن زيارة حلب بهذه الطريقة أصبحت سلوكاً ثابتاً للمسؤولين الايرانيين الكبار، فقد زارها بالطريقة نفسها رئيس الأركان الايراني الجنرال محمد باقري في نهاية العام الماضي، وتبعه مستشار خامنئي على أكبر ولايتي، حيث أعلن منها قرب بدء معركة تحرير ادلب، قبل أن يعلنه الاسد أو وزير دفاعه .

يحرص الايرانيون بتصرفاتهم الاستعراضية على اشاعة كذبة مفادها أنهم هم أسياد الساحة السورية، وأنهم أصحاب النصر الذي تحقق في حلب قبل عامين، باستعادتها من الارعابيين والتكفيريين. كذبة لا يصدقها أحد، لأن الوقائع تشير الى أنهم هزموا في حلب هزيمة نكراء، وخسروا عشرات الضباط المحترفين، وعلى رأسهم الجنرال حسين همداني قائد الباسيج الايراني، وخسروا في معركة واحدة فقط في قرية العيس جنوب حلب زهاء خمسين قتيلاً من جنودهم النظاميين وجنود حزب الله عام2015 ، قبل التدخل الروسي بشهور قليلة !

ويتجاهل الايرانيون أن ثوار حلب أسروا لهم أكثر من خمسين رجلا ًمن رجال استخباراتهم في الشهور الاولى من الثورة عام 2012 في شمال حلب، ظلوا أسرى نحو سنة، ولم يطلق سراحهم إلا بصفقة رعتها قطر وتركيا .

العالم كله يعرف أن الايرانيين هزموا في سورية، وأن تدخل الروس أنقذهم من فضيحة وأنقذ الاسد من مصير محتوم، والروس هم الذين تغلبوا على المعارضة بفضل قوتهم الجوية الساحقة .

والمضحك أكثر أن وزير الدفاع وقبله رئيس الأركان، وولايتي لم يترددوا في توظيف أنفسهم رسلاً لله في سورية، زاعمين أنه ((نصرهم)) لأنهم يدافعون عن الاسلام، وكأن فلاديمير بوتين هو خليفة المسلمين!!.

وعندما زار الجنرال حاتمي قاعدة ((قوات التدخل السريع)) وهي من قوات النخبة الايرانية، في جنوب حلب، قال إن مهمتها الدفاع عن المقدسات الاسلامية والمراقد، ولم يقل إنها للدفاع عن الطاغية بشار الاسد، وعن مصالحهم الاستعمارية في سورية .

كل ما سبق معروف للعالم، أما الذي لا يعرفه العالم حتى الآن فهو أن الايرانيين الذين طردتهم اسرائيل في الشهور القليلة الماضية من دمشق ومن الجنوب السوري، واقتلعت قواعدهم ودمرت مصانع صواريخهم في ريف حماة وحمص وقتلت عدداً غير محدد من جنودهم، قد انتقلوا الى حلب، واتخذوها ((عاصمة)) ملكهم العسكري والمدني، لأنها تبعد 460 كم عن الجولان المحتل، آملين أن تطمئن هذه المسافة الطويلة العدو الاسرائيلي، فيسمح لهم بالبقاء هناك. لا سيما ان حلب كانت منذ آلاف السنين مطمعا ًللفرس، وسبق لهم أن غزوها ثلاث مرات، وردتهم على أعقابهم، بفضل قلعتها وأسوارها وشجاعة رجالها، فانسحبوا بعد أن احرقوا ودمروا المدينة بأسرها عام 540 م.

لقد أصبحت حلب في العام الأخير قاعدة الايرانيين الرئيسية في سورية، وأصبح مطارها، مركز قيادتهم، ويقيم فيه قادة الحرس الثوري، ولهذا قصفه الاسرائيليون قبل شهور .

وللايرانيين الآن ثلاث قواعد عسكرية في ريف حلب الجنوبي والشمالي، وعدد من نقاط المراقبة. ولديهم داخل حلب سبعة مراكز مدنية - عسكرية لادارة نشاطاتهم الدينية والثقافية والأمنية، وهي لا تقل خطورة من القواعد العسكرية. وقد انسحبت الشرطة العسكرية الروسية تاركة المدينة لهم، ولأجهزة الأسد الأمنية تستبيحها وتنهبها.

وهناك معلومات جديدة من مصادر المعارضة في الداخل تؤكد أن الايرانيين أنشأوا ثلاثة مصانع على الأقل في المنطقة الصناعية شرقي حلب وشمالها لإنتاج الصواريخ والذخائر الحربية. ويخططون لزيادة وجودهم فيها، والتحكم بإدارتها، نظراً لأهميتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي، وبعدها النسبي عن خطوط التماس مع اسرائيل .

وهناك سبب اضافي وعاجل يبرر الزيارة في هذا الوقت، يتعلق بعزمهم على المشاركة في معركة ادلب القادمة، ويتوقع أن يكون لقواتهم الموجودة في جنوب حلب والتي زارها حاتمي والتقى بها لقاء مطولاً، دور عملياتي وقتالي مباشر، لقربهم من خطوط المواصلات الدولية الرابطة بين حلب وادلب وحماة .

ويعتقد المراقبون أن النظام الايراني وجنرالاته هم أكثر أطراف المحور الروسي حماسة واستعجالا لمعركة ادلب اليوم قبل الغد، لأنها في تقديرهم ستخلط الأوراق، وتصرف اهتمام الدول الكبرى عن انسحابهم، وتسمح لهم بتعزيز نقاط تموضعهم الجديدة بين حلب والساحل السوري. حيث كشفت الصور التي بثتها القنوات الاسرائيلية قبل أيام، وجود مصنع ايراني للصواريخ في منطقة ((وادي جهنم)) في بانياس بالقرب من القاعدة الروسية حيث لا يستطيع الطيران الاسرائيلي قصفه .

وتؤكد معلومات المعارضة في الداخل أن الايرانيين يعيدون انتشارهم وتموضعهم في مربع حلبحماة - حمصالساحل. ولم يبق لهم إلا وجود مدني محدود في دمشق. ويحاولون السيطرة على موطىء قدم عند الحدود الشرقية مع العراق، ليحافظوا على مشروع الجسر البري بين طهران وصور، والذي تصدت له الولايات المتحدة، وتصر على تدميره نهائياً. وقد تواضعت أحلام ايران الى الحد الادنى، ولم تعد تطمح الى أكثر من موقع قدم !

إيران تتظاهر بتحدي الارادة الدولية وتتمسك بمكاسبها التي حققتها في سورية وترفض الانسحاب، وترسل أعلى مسؤول عسكري فيها لتوقع اتفاقية مع النظام تضفي شرعية على وجودها، وتحظى بدعم وتغطية من روسيا التي طالما اعتبرت وجود ايران كوجودها شرعياً، طالما أنه تم بطلب من النظام، وتعتبر الوجود الأجنبي بما فيه الاميركي والغربي أجنبياً وغير مشروع !

فما الذي تضمنته هذه الاتفاقية .؟

 

اتفاقية ذات وجهين!

 

حسب وكالة(( تسنيم)) الايرانية للأنباء فإن الاتفاقية تستهدف ((تنمية التعاون الثنائي في ظل المستجدات التي حدثت في سورية)) وبعد ((الانتصار)) الذي تحقق على الإرعابيين والتكفيريين، وانتقال سورية الى مرحلة الاعمار. وتفيد المعلومات المتوفرة من عدة مصادر الى النقاط التالية فيها:

أولاًحسب تصريحات وزير الدفاع الايراني فإن الاتفاقية استهدفت الاتفاق على وضع اطار للتعاون والمشاركة في إعادة البناء. ونقلت وكالة ((تسنيم)) عنه ((إننا نأمل أن يكون لنا دور فعال في إعادة إعمار سورية في المرحلة القادمة)) .

ثانياًحسب تصريحات للملحق العسكري الايراني في دمشق العميد أبو القاسم علي نجاد نقلتها((وكالة أنباء الجمهورية الايرانية)) تضمنت الاتفاقية بقاء ((المستشارين الايرانيين)) للمساعدة على إعادة بناء المصانع الحربية السورية التي تهدمت وتضررت في سنوات الحرب، وتطهير حقول الالغام .

ثالثاًقال المصدر السابق أيضاً إن ايران ستبقي مستشاريها في سورية لدعم وحدة أراضيها واستقلالها .

رابعاً- ذكر بعض المصادر الايرانية أن الاتفاقية تضمنت تزويد سورية بطائرات حربية من صنع ايران، وخصوصاً طائرة كوثر التي تفاخرت بها مؤخراً وتبين أنها نسخة معدلة للـ إف 5 الاميركية القديمة.

أما دوائر الأمن والاستخبارات الاسرائيلية فكشفت أن الاتفاقية تستهدف ((إعادة بناء المصانع الايرانية في سورية تحت اسم مصانع وزارة الدفاع السورية)). وقال وزير الأمن جلعاد أردان إن الاتفاقية التي تتحدث عن ترميم الجيش السوري وإعادة تأهيله وتدريبه، والمساعدة في إعادة بناء المصانع الحربية السورية ما هي إلا حيلة لإبقاء القوات الايرانية، ومتابعة بناء مصانعها لانتاج الصواريخ الايرانية الباليستية في سورية .

وقال أردان: هذه واجهة زائفة تهدف لاعطاء الشرعية للقوات الايرانية، ونحن نرفضها بشدة. وتنبأ أن يدفع الاسد ثمناً فادحاً لهذا الاتفاق، لأن ايران برأيه ستسيطر على نظامه وتتلاعب به!

كما قال مسؤول بإسم الجيش تعليقاً على الاتفاقية: سنواصل بكل عزم التحرك لمنع ايران من ارسال قوات وأنظمة عسكرية الى سورية.

وصرح وزير الدفاع ليبرمان: لن نسمح لإيران بإقامة قواعد تحت غطاء الجيش السوري. وكشف إنهم لن يتساهلوا مع المصنع الذي أنشأته ايران قرب حميميم، إلا أنهم يحاولون معالجة الأمر عبر القنوات الديبلوماسية مع الروس لأنهم لا يريدون الاصطدام بهم.

ورأى وزير الاستخبارات يسرائيل كاتس أن ((الاتفاقية جاءت في هذا الوقت بهدف إختبار ردود أفعالنا بعد الانذارات التي وجهناها لهما وجدية موقفنا)) . وقال ((ردنا سيكون واضحاً وجلياً، لن نسمح لايران بالتموضع في سورية، سنرد بكل قوتنا ضد أي هدف إيراني، وإذا تدخلت القوات السورية، فسنضربها حتماً)) .

الموقف الاسرائيلي من الوجود الايراني ثابت لم يتغير إذاً، وهو يتطابق مع الموقف الاميركي من ناحية ويتعارض مع الموقف الروسي من ناحية ثانية، رغم التفاهم المبدئي على رفضه بين ترامب وبوتين في قمة هلسنكي. ولا بد أن نلاحظ أن مسألة الوجود الايراني في سورية أصبح عقدة دولية تتمحور حولها الاتصالات بين العواصم الكبرى.

 

تموضع اقليمي ايضاً:

 

 

كيف يمكن قراءة هذه المواقف، وخصوصاً بين ايران واسرائيل..؟

يمكننا النظر الى السجال الحالي بين الطرفين على أنه جولة جديدة من الصراع المفتوح على النفوذ في سورية، وفي المنطقة. كما يمكننا اعتباره محاولة ايرانية لتفاهم موضعي وغير رسمي على الانسحاب بعيداً عن الحدود مع اسرائيل الى الوسط والشمال .لأن إيران لا يمكنها الانسحاب نهائياً وخسارة المكاسب التي حققتها بأكلاف باهظة بشرية ومادية التي تحملتها خلال سنوات طويلة.

ولا يبدو واضحاً حتى الآن ما إذا كانت اسرائيل ستقبل هذا العرض للانسحاب من دمشق والجنوب مقابل الاعتراف بحقها في البقاء في الشمال والوسط، أم ستصر على الانسحاب الكامل. ولكن من اللافت أن وزير الدفاع ليبرمان أشار الى أن ايران خففت من نشاطها في سورية الى حد ما. كما لاحظ المراقبون أن اسرائيل أوقفت ضرباتها لعدة اسابيع بدون سبب واضح .

الجديد على هذا الصعيد تطور بارز يتمثل في أن صقور الادارة الاميركية ((بومبيو وبولتون وجيفري، فضلاً عن ماتيس)) باتوا أكثر تشدداً حيال ايران من اسرائيل، على عكس ما كان عليه الحال في السنوات الماضية!.

جيمس جيفري مسؤول الخارجية الجديد عن الملف السوري استهل جولته الأولى في المنطقة بزيارة تل ابيب لمطالبتها بعدم التساهل مع ايران وروسيا، فالادارة تبدوحتى الآنمصممة وموحدة في موقفها من إيران، وضرورة إخراجها من سورية، لأنه يمهد لإخراجها من لبنان والعراق واليمن، وتريد الادارة أن تواصل اسرائيل ضرباتها للأهداف الايرانية في سورية .

ايران استعدت بشكل استباقي لهذا التطور، وأدخلت صواريخها الباليستية الى العراق بدون علم حكومتها، وحولتها لساحة خلفية له. وتريد توسيع ساحة النزال بحيث تبقى أراضيها بعيدة عن المواجهة في حال فرضت عليها المواجهة، لأنها ليست متحمسة ولا جاهزة لحرب بهذا الحجم، ولذلك فهي ترسل في الوقت نفسه رسائل عديدة، ولا سيما عبر الحليف الروسي تعرض فيها المساومة على الملفات الاقليمية مقابل الاعتراف بمصالحها في الدول الأربع .

والملاحظة اللافتة هنا أن اسرائيل أكدت ما كشفته وكالة ((رويترز)) بشأن ادخال ايران لصواريخها للعراق قبل اميركا. ولكن رد فعل واشنطن جاء قوياً وطالب وزير الخارجية الاميركية المسؤولين العراقيين بالمحافظة على سيادة بلدهم واستقلاليته. وذكر بعض السياسيين العراقيين تلقيهم تهديدات صريحة من المبعوث الاميركي في التحالف الدولي، لكل من يسهل التسلل الايراني أو يتواطأ معه. وذكر هؤلاء أن اقالة مستشار الأمن العراقي فالح الفياض الموالي لايران جاء على خلفية هذا التطور لأنه أخفى إدخال الصواريخ الايرانية عن الحكومة .

وكشف وزير الدفاع الاسرائيلي ليبرمان أن وزارته شكلت هيئة أمنية خاصة لمتابعة النشاطات الايرانية في كل دول المنطقة، وأكد أن المعلومات التي تجمعها الهيئة ترسلها الى واشنطن كمشاركة في تطبيق العقوبات الاميركية على ايران .

وكشف ليبرمان ايضاً أن الضربات الاسرائيلية للأهداف الايرانية في سورية أعطت نتائج ايجابية، إذ تغير سلم الأفضليات لدى الايرانيين في الشهور الاخيرة، وقال إنهم نقلوا أولويتهم من سورية الى العراق واليمن .

هذا الكلام غاية في الاهمية، ويعني أن الايرانيين يراجعون أولوياتهم، ويقومون بعملية إعادة تموضع مزدوجة، داخل سورية أولاً من الجنوب الى الشمال، وعلى مستوى المنطقة ثانياً من سورية ولبنان الى العراق واليمن، لأنهم لا يريدون المواجهة المباشرة لا مع اسرائيل ولا مع اميركا، ويراهنون على تغييرات في الداخل الاميركي تؤدي لإضعاف الادارة المتشددة، أو لعزل ترامب، بحيث يتخلصون من الضغوط عليهم في الشهور القادمة .

وأكثر ما يساعدهم على ذلك اتساع نفوذهم في الدول العربية وهو ما يتيح لهم اللعب والمناورة على مساحة واسعة .

وثمة مؤشرات عديدة على أن روسيا تدعم حلفاءها الايرانيين في اتجاههم للمناورة والمساومة بديلاً عن المواجهة، مقابل دعمها الثابت لحقهم في البقاء في سورية، انطلاقاً من قناعتهم الراسخة بأن وجود روسيا في سورية مرتبط عضوياً بوجود ايران، حسب المحلل الروسي قسطنطين ستروغونوف، وينفي أن تعمل روسيا على اخراج ايران أو إضعافها في سورية، لأن من شأن هذا برأيه أن يؤثر بشكل خطر جداً على الأمن القومي لروسيا في عموم المنطقة من آسيا الوسطى الى الشرق الاوسط .

والسؤال هل تتراجع ايران تكتيكياً أم استراتيجياً ..؟