2021-01-16 11:48:48

أمريكا ـ بايدن والإمتحان الصعب / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا ـ بايدن والإمتحان الصعب / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا ـ بايدن والإمتحان الصعب / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 16 كانون الثاني 2021

منذ اللحظة الأولى لتسلمه السلطة رسمياً في الولايات المتحدة الأمريكية يوم 20/01/2021  سيواجه جوزيف روبينيت بايدن المعروف مختصراً بـ " جو بايدن " امتحاناً عسيراً على صعيد الداخل، وفي علاقات دولته مع باقي دول العالم..

 فإذا تراخى مع ما ورّثه له المجنون دونالد ترامب من قرارات " خنفشارية " تتعلق بالوضع الداخلي وأخرى " إستكبارية " لها علاقة بدول هنا وهناك، فإن أحداً من العالمين حتى أقرب الحلفاء بل وأخسّ العملاء سوف لا يحترم الولايات المتحدة ورئيسها، لأن دونالد ترامب قد مزّق كل المواثيق، وخرج عن كافة التعهدات، ووضع جميع التزامات الدولة تحت قدميه، وأوضح نموذج لذلك هو خروجه عن معاهدة المناخ الدولية، ومنظمة اليونسكو، ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والإتفاق النووي مع إيران والذي صادق عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع، ورفض الإلتزام بمعاهدة الدولة المضيفة مع منظمة الأمم المتحدة، إضافة إلى عشرات غيرها من الإتفاقيات التي عُقدت والمعاهدات التي أُبرمت بين أمريكا كدولة وبين الدول المختلفة والمنظمات الإقليمية والدولية..

 وفي حال لم يتم تصحيح الخطأ القاتل هذا من جانب الرئيس بايدن،

فإن أي عاقل في العالم ومهما كانت عقيدته وتوجهاته لا يمكن أن يضمن بقاء الولايات المتحدة كدولة على التزاماتها ويطمئن إلى استمرارها في الوفاء بتعهداتها، وإذا فُقدت الثقة بين أي طرفين شخصين كانا أو فئتين أو دولتين فلا يكون لاي اتفاق معنى ولا لأي طرف مصداقية، وحينئذٍ لا يأمن أحدٌ أحداً لحظة واحدة، ويكون العالم في كل لحظة مهدداً بالحروب المدمرة والكوارث المهلكة على أنواعها.

إن دونالد ترامب الذي صرّح حتى أقرب أعضاء إدارته بأنه يأخذ دائماً قراراته ارتجالاً ودونما تفكير في النتائج والعواقب ودون استشارة لأهل الإختصاص، وأخيراً أقرّ اغلب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بعدم اتزانه العقلي، وأعلنوا عدم صلاحية الرجل لإدارة شؤون البلاد، وكلا الإعترافين هما تجميل لكلمة " الجنون " الذي هو بحق حالة دونالد ترامب.

لقد ساير الجمهوريون دونالد ترامب طوال السنوات الماضية على الرغم من كل عيوبه، فقط كي لا يسجل الحزب الديمقراطي نصراً سياسياً وانتخابياً عليهم، لكن تصرفات ترامب الأخيرة وخاصة دعوته لاقتحام مبنى الكونغرس بهدف منع النواب والشيوخ من أداء واجبهم القانوني، وما نتج عن الهجوم الهمجي لمناصريه، وعبثهم بالمحتويات، وتحطيمهم للأثاث، وسرقة بعض القطع النادرة، حتى بلغ الأمر إلى تهديد حياة أعضاء المجلس ما أجبر بعضهم على الإختباء بين المقاعد، واضطر البعض الآخر إلى استعمال السلاح للدفاع عن نفسه، ثم كان الهروب الجماعي إلى الملاجئ السرية بحماية عناصر الحرس الوطني، كل هذا لم يدَع حتى لأشد المدافعين عنه أية إمكانية للدفاع عن الرئيس المعتوه..

 وقد انقلب عليه أيضاً زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل والذي ظلّ يحمي ظهر ترامب ويدافع عنه في أصعب الظروف!

 وانشق كذلك عدة نواب جمهوريين عن الحزب للنأي بأنفسهم عن الأحمق دونالد ترامب وتصرفاته الجنونية؛ وبالنتيجة فلا يمكن البناء على ما قام به الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة، ولا يصدق بحقه كلامنا عن وجوب التزام الرؤساء بتعهدات أسلافهم باسم الدولة، لكن وجود الرئيس جو بايدن والقسم الأكبر من فريق إدارته المعيّن، والذين هم أنفسهم كانوا في مركز القرار طوال عهد باراك أوباما، وبنتيجة التزام الولايات المتحدة المتجسدة بالفريق الحاكم الذي كان بايدن جزءاً منه، والذي صوّت لصالحه ممثل أمريكا في مجلس الأمن الدولي باسم دولة الولايات المتحدة، والتي كان يجسد عمادها إلى جانب رئيس الجمهورية باراك أوباما نائبه طوال دورتين رئاسيتين جو بايدن، فهذا الرجل الذي كان ضمن الفريق الذي أشرف وشارك في المفاوضات طوال أكثر من عامين، والذي بموافقته وبتعليمات من الرئيس أوباما صادق ممثل الولايات المتحدة في مجلس الامن الدولي على الاتفاق النووي إلى جانب الاعضاء الدائمين وغير الدائمين الآخرين، وبذلك أصبح إتفاق الـ 5+1 قراراً دولياً ملزماً للجميع، وعليه فلا يمكن لأي طرف في الإتفاق بل وأية دولة أخرى في العالم الخروج عنه.

إن تصحيح الخطأ القاتل الذي ارتكبه دونالد ترامب بحق أمريكا، وطعنه لمصداقية الدولة العظمى التي تريد أن يحترمها العالم شعوباً ودولاً بل تزعُم قيادة العالم، فهو يبدأ باتخاذ الرئيس جو بايدن في اليوم الأول لتسلمه مقاليد الحكم قراراً شجاعاً استثنائياً و من دون أي إبطاء ومن دون أية شروط بالعودة إلى الإتفاق المبرم مع الجمهورية الإسلامية، وإن هذه الخطوة لا يمكن اعتبارها بأي حال أنها تشكل تراجعاً أمام الجمهورية الإسلامية في إيران، بل هي الخطوة الاولى لاستعادة ثقة العالم بالولايات المتحدة كدولة، واسترجاع المصداقية التي فقدتها أمريكا أمام الدول والشعوب نتيجة تصرفات المعتوه دونالد ترامب، وإن التأخر في الإقدام على هذه الخطوة يوماً واحداً يجعل حتى الحلفاء التقليديين والذين اشتركوا في التوقيع على الإتفاق النووي يشكّون في مصداقية الرئيس بايدن أثناء إدارته طوال الـ ٤ سنوات القادمة، ولا يمكنهم الإطمئنان إلى قدرة هذا الرجل على الإلتزام بالقرارات التي سيتخذها طوال عهده.

إذن،

 لا يمنّن بايدن ولا أحد في إدارته على ايران في موضوع العودة إلى لإتفاق النووي، بل لا بد أيضاً التعويض عن الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بإيران نتيجة القرارات الجائرة التي اتخذها هذا الرجل المجنون باسم الولايات المتحدة طوال المدة الماضية، لأن خروجه عن اتفاق لدولته والمصادَق عليه بالإجماع في مجلس الأمن هو طعن في قلب كيان الدولة الأمريكية، إذ كيف يمكن الطلب من دول العالم غير الأعضاء في مجلس الأمن الإلتزام بقرارات المؤسسة الدولية في وقت يرون أن الأعضاء الدائمين أنفسهم لا يحترمون تواقيعهم، وينكثون بعهود هم كتبوا نصوصها، ووضعوا إمضاءاتهم تحت كل صفحة فيها، وأخيراً كان التوقيع النهائي في حفل رسمي أمام أعين العالم أجمع، وتبادل طرفا الإتفاق الوثائق الممهورة على أساس أنها صادرة من دولة تحترم نفسها وليست خاصة بفريق يذهب بعد أيام ويأتي آخر يبصق عليها ويمزّقها ويعلن الخروج عنها.

إن الجمهورية الإسلامية قد أثبتت للعالم احترامها لتعهداتها في الإتفاق النووي مع ما كان لديها من ملاحظات جدية، ورغم خروج ترامب عن تعهد بلاده منه، وتلكؤ الأعضاء الآخرين في الوفاء بالتزاماتهم طبقاً للإتفاق، وهي تراجعت بعض الخطوات عن تلك التعهدات بعد سنوات من مناشدة الأوروبيين أن يجسدوا التزاماتهم صمن الإتفاق، وأن يوفوا بعهودهم التي قطعوها على أنفسهم، والتلويح مراراً بإمكانية العودة إلى ما قبل انطلاق المفاوضات، مع فارق أن إيران قد تقدمت كثيراً في مجال تخصيب اليورانيوم حيث هي اليوم قادرة على رفع المستوى حتى الـ 90٪، وذلك على رغم كل أنواع العقوبات القاسية، ورغم عشرات عمليات الإغتيال التي طالت العلماء المشرفين على تطوير الأجهزة والتقنيات النووية، ورغم القيام بالأعمال التخريبية في المراكز الحساسة عبر عملاء مأجورين ودسّ برامج خبيثة في الأجهزة التي تستعملها مراكز البحوث، وإذا أرادت الدول الكبرى اليوم العودة إلى المفاوضات بشروط جديدة فإن إيران يمكنها أيضاً التحدث انطلاقاً من واقعها المتقدم كثيراً اليوم، وهذا ما لا يناسب حتماً الدول الغربية ولا يروق للولايات المتحدة على وجه الخصوص.

إن الرئيس الأمريكي جو بايدن يجب عليه في بداية عهده معالجة الشرخ الكبير الذي أصاب المجتمع الأمريكي طوال السنوات الماضية، وتضميد الجروح التي مزقت هذا الجسد وحولته إلى أشلاء، والعمل على تبريد الجو المتشنج في الساحة الداخلية، وذلك بعد جولات المواجهات بين العنصريين البيض ومواطنيهم من أصول أفريقية، وكذلك عمليات القتل المتكررة وبدم بارد على أيدي الشرطة للأمريكيين من ذوي البشرة السوداء في مدن عديدة، وأخيراً على الرئيس بايدن بذل الجهود الكبيرة في سبيل تطمين أبناء شعبه أن لا تمييز بين الأمريكيين بأي لون ومن أي عنصر كانوا وإلى أي فئة أو دين أو عقيدة انتموا.

أما على صعيد الخارج،

فإنه لا يمكن للرئيس الجديد أن يستعيد احترام العالم للولايات المتحدة الأمريكية إلاّ بأخذ مبادرات عديدة من أجل ردم الهوّة العميقة التي أوجدها سلفه في علاقات بلاده مع مختلف بلاد العالم حيث تجلت عزلة الولايات المتحدة في اجتماعات مجلس الأمن الدولي بالفترة الأخيرة، إذ لم يؤيد موقف الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية إلاّ دولة صغيرة في البحر الكاريبي إسمها " الدومينيكان "، ورفض الرئيس الدوري لمجلس الأمن مجرد تسلم طلب وزير الخارجية الأمريكي، ولم تحصل الولايات المتحدة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي عُقد بطلب منها لإدانة إيران على الكافي من الأصوات المؤيدة لموقفها  على الرغم من الضغوط الهائلة التي مارستها على مندوبي الدول، فيما صدرت إدانات كثيرة من مختلف المنظمات الإنسانية والدولية لقرارات صادرة عن الولايات المتحدة.

على أن استعادة الثقة المفقودة تلك وكسب احترام دول العالم والمنظمات الدولية من جديد لا يتمّان بخطوة واحدة أو بخطوات متعددة ولكن خجولة، بل على الرئيس بايدن أن يتخلى عن تردده ويتحلى بالشجاعة اللازمة إذا أراد تصحيح الصورة المحطمة للولايات المتحدة الأمريكية التي تركها له سلفه دونالد ترامب، وذلك بالقيام بحملة تطهير وتغيير شاملة لكل ما صدر عن ساكن البيت الأبيض السابق وفريقه، كما تقرر أن تتم عملية تطهير وتعقيم شاملة للبيت الأبيض والمباني التابعة بغية الإطمئنان من خلوّها من فيروس كورونا، وذلك عقب إخلائه من فريق ترامب وقبل انتقال بايدن واعوانه إليها، وفي غير هذه الحالة فإن كل المقترعين لبايدن في الداخل والمرحبين بانتخابه في الخارج سيصابون بالخيبة الكبرى، والمعتوه دونالد ترامب  سيكون الوحيد المسرور بما أقدم عليه من خطوات جنونية..

 ولن يبقى أمام بايدن فرصة لتجديد ولايته بعد 4 سنوات، بل لعله يواجه فشلاً ذريعاً أثناء الفترة الأولى من عهده أيضاً، ما يفسح في المجال لدونالد ترامب كي يعود منتصراً إلى حيث خرج منه ذليلاً، مستنداً إلى التجربة الفاشلة للرئيس بايدن، وهذا ما لا يتمناه أحد ممن تحدى الظروف القاسية وإرهاب العنصريين وشارك بقوة في الإقتراع على أمل الخلاص من الرجل الأرعن إلى الأبد.

على هذا يؤكد الله سبحانه في كتابه المجيد بقوله: ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي