2018-09-06 20:52:17

الهجرة ذكرى العزة والمجد/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الهجرة ذكرى العزة والمجد/  بقلم الشيخ أسامة السيد

الهجرة ذكرى العزة والمجد/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الهجرة ذكرى العزة والمجد/  بقلم الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنودٍ لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيزٌ حكيم)) سورة التوبة.

تكرُّ الأيام ويطول الزمان وتبقى هجرة خير الخلق سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم نورًا يشع على مدى الدهر ولواءً كريمًا يتمايل خفّاقًا مع نسائم العز والمجد التليد ودرسًا عظيمًا تستمد منه الأجيال معاني الصبر والإخلاص والبذل في مناصرة الحق والمبادئ السامية والعمل على رفع الظلم والحيف، وتلك كانت دعوة كل أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فلم يأت خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بعقيدة جديدةٍ أبدًا، ومخطئ من ظن ذلك، بل كانت دعوته عليه الصلاة والسلام امتدادًا وتجديدًا لدعوة السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام الذي كانت دعوته كذلك تجديدًا لدعوة نبي الله موسى عليه السلام الذي كانت دعوته أيضًا امتدادًا لدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام ومَنْ بينهم من الأنبياء وكذلك من قبلهم إلى أول الأنبياء وأبي البشر آدم عليه السلام.

                             

 

 

لا مساومة على الدعوة

 

لقد كانت الهجرة النبوية المباركة عملاً عظيمًا جدًا لترسيخ وتثبيت دعوة الأنبياء الكرام في نفوس الناس والعمل على نشرها في أصقاع الأرض.

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الهدى وحرص حرصًا كبيرًا على إخراجهم من الظلمات إلى النور وحملهم على طريق الحق والاستقامة لتسلم لهم دنياهم وأخراهم بتركهم عبادة الأوثان وعدم الخضوع للأحجار التي كانوا ينحتونها بأيديهم على صورة معينة وحدٍ معلوم، ولا يدرون أن المحدود محتاجٌ لمن جعله على هذا الحد وأن المحتاج عاجزٌ ولا تصح الألوهية للعاجز، بل بلغ الجهل بهم أن كان أحدهم يعبد صنمًا يصنعه من التمر فإذا جاع أكله، مع ما كانوا عليه سوى ذلك من ظلم وظلام وما زالت أخبار الجاهلية شاهدًا على التخلّف الفظيع الذي عاشه الناس في ذلك الزمن، فجاء عليه الصلاة والسلام يحرص على تهذيب نفوسهم بالتزامهم ما أمر الله به وأرسل رسله بالدعوة إليه، فكان يمشي في الطرقات يقول للناس: ((قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)) يدعوهم إلى التوحيد من غير مللٍ ولا يأسٍ في الليل والنهار، إلى اعتقاد أن الله الواحد المنزه عن الشريك والمثيل والمكان والجهة والحد وهو خالق كل شيء ولا يستحق الألوهية سواه، وأيده الله ونصره فثبت صلى الله عليه وسلم ثباتًا قويًا تتضاءل أمامه الجبال الراسيات. فمرة يقول الكفار: ((نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة فإن كان ما أنت عليه خير نكون قد أصبنا منه حظًا وإن كان ما نحن عليه خيرٌ تكون قد أصبت منه حظًا)) فيوحي إليه ربه بسورة الكافرون فيقرأ: ((قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابدٌ ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين)).

ومرة يعرضون عليه المال والملك والنساء ليترك ما يدعو إليه من الحق ويُكلمه في ذلك عمه أبو طالب فيجيب صلى الله عليه وسلم بكلامٍ بليغٍ ما زال صداه يتردد عبر التاريخ: ((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه)).

فليست الدعوة إلى الله محل مساومة على عرضٍ رخيصٍ من متاع الدنيا الزائل ولا سلعة يتفاوض عليها أهل الدنيا، وهذا ما لم يفهمه كفار قريش الذين آثروا الدنيا على الآخرة ولم يؤمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر، فكان أكبر همهم الدنيا وظنوا أنهم ربما استمالوا قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين من أصحابه الكرام الذين نوّر الله بصيرتهم وأراد بهم الخير العظيم، ولكن هيهات هيهات. وطمس الله على قلوب الذين كفروا فراحوا يكيدون للنبي الأعظم عليه الصلاة والسلام ولأصحابه وكفى بهذا دليلاً على دناءة الدنيا وأنها ليست منتهى الأمر، فقد تمادى الكفرة جدًا وظنوا أنهم يطفئون نور الله بأفواههم ولكن يأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره المشركون. وإذ بهم يجتمعون في دار الندوة ويستقر قرارهم على رأي عدو الله أبي جهلٍ الذي قال: ((أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً جلدًا نُعطي كل واحدٍ منهم سيفًا فيقومون على بابه ويضربونه إذا خرج ضربة رجلٍ واحدٍ فيتفرق دمه في القبائل فيرضى بنو هاشمٍ بالدية لأنهم لا يقدرون على حرب كل العرب))، وقاموا على بابه يكيدون له. قال الله تعالى: ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)) سورة الأنفال. فالمكر منهم خُبثٌ وكيدٌ واحتيالٌ لإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله قادرٌ أن يرد كيدهم إلى نحورهم، ولا يسمى ربنا ماكرًا، وما جاء في الآية إنما هو من باب المشاكلة وهو من أساليب البلاغة العربية. والمشاكلة لغة هي المماثلة، واصطلاحاً ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً كقوله تعالى ((وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها)) إذ الجزاء على السيئة ليس بسيئة في الحقيقة لكنه سمي سيئة للمماثلة اللفظية، وكذلك هنا ((ويمكرون ويمكر الله)) أي أن الله يعاقبهم على مكرهم.

ولقد أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يكيدون فخرج من بين أظهرهم وهو يقرأ: ((يس والقرآن الحكيم)) حتى بلغ ((وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون)) سورة يس.

وألقى الله عليهم النوم فلم يروه وبات الإمام عليٌ عليه السلام في فراشه وتسجى ببُردٍ أخضرٍ وتمت مشيئة ربك ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فذو الشر مخذولٌ ولو بعد حين والعاقبة الطيبة للمتقين ولا رادّ لما قضى الله رغم كيد المرجفين وظلم الظالمين.

 

من دروس وعبر الهجرة

ولقد كانت هجرته عليه الصلاة والسلام تنفيذًا لأمر الله تعالى وليس جُبنًا ولا هربًا من الواقع ولا طلبًا للراحة والاستجمام، فقد روى الطبراني عن ابن عباسٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمكة: ((ما أطيبك وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك)) ولكنه مع حبه لمكة كان حبه لطاعة الله أكبر وأعظم.  

فقد دعاهم إلى الحق فأبوا إلا طغيانًا ونفوراً، فأذِن الله له بالهجرة فهاجر طاعة لربه يصحبُه الصديقُ أبو بكرٍ أفضل الناس بعد الأنبياء ولم يكن الطريق إلى المدينة مفروشًا بالورد ولا تمّت الهجرة بالسيارات المكيفة أو المصفَّحة، بل قد خرج عليه الصلاة والسلام ليلاً ونزل الغار مع صاحبه الصديق فسخّر الله حمامة باضت على فم الغار وعنكبوتًا نسجت بيتاً لها وإذا بكفار قريش يتتبعون الأثر فيصلون إلى الغار فيقول الصديق أبو بكر: ((يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا)) فيجيب الحبيب الكريم صلى الله عليه وسلم بقلب المؤمن الثابت المتوكل على الله: ((لا تحزن إن الله معنا)) ومن كان الله معه بالنصرة والحفظ والتأييد فمن ذا الذي ينال منه وكفى بالله حفيظًا ونصيرا.

لقد هاجر صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالهجرة فكانت الهجرة فرضًا على المستطيع من المسلمين، فهاجر الناس أفواجًا تلو أفواج قصدهم بلوغ المدينة ليلوذوا بحمى النبي صلى الله عليه وسلم وليأتمروا بأمره تاركين الدنيا وراء ظهورهم، فكانت الهجرة تأسيسًا للدولة الإيمانية في المدينة المنورة ودعا صلى الله عليه وسلم فقال: ((اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة أو أشد)) رواه البخاري عن عائشة. فاجتمعت في نفوس أصحابه الكرام معاني الفداء في سبيل الحق، وكانت الهجرة مقدمة لدك صروح الظلم والباطل وحمل مشاعل النور التي أضاءت غياهب الجهل الذي طالما خيَّم على الدنيا قرونًا وقرونًا، فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبائل على قلب رجلٍ واحدٍ فصاروا متحدين على الحق مشتركين في السعي لهدفٍ منشودٍ هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولأجل ما تحمله الهجرة من معانٍ راقية وقيمٍ مباركة وما كان لها من أثرٍ على مستوى الدنيا قاطبةً رأى الفاروق الملهم عمر بن الخطاب أن يؤرخ للناس بالهجرة وما زال عمل الأمة على هذا التأريخ المجيد.

وها نحن اليوم وبعد مضي ما يزيد على ألفٍ وأربعمائة سنة من هذا الحدث التاريخي الكبير نتذكر الهجرة فنجد لذكراها حافزًا في النفس يدفع إلى القيام بصنوف البر والصبر والثبات في سبيل الحق والتمسك بتعاليم الشريعة الغرّاء والاعتزاز بعز الإسلام، وتغرس ذكراها في القلوب الإباء وعلو الهمة والترفع عن الخنوع والكسل ولذلك نرى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يهتمون بذكرى الهجرة الشريفة على مر السنين استنهاضًا للهمم وتذكيرًا للأمة بواجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم ونحو أمتهم لينهضوا جميعًا لرأب الصدع وإصلاح ما أفسد الناس في زمن الغربة وصون الإسلام العزيز من تحريف الغلاة وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والله عزَّ وجل يقول: ((أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)) سورة النحل.

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام عام خيرٍ ويُمنٍ وبركاتٍ على المؤمنين وأن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه والحمد لله رب العالمين.