2021-01-10 23:49:36

العذراء الحبلى - بقلم: إكرام لمعي / جريدة الشروق – مصر

العذراء الحبلى - بقلم: إكرام لمعي / جريدة الشروق – مصر

العذراء الحبلى - بقلم: إكرام لمعي / جريدة الشروق – مصر

أستاذ مقارنة الأديان

مجلة الشراع 11 كانون الثاني 2021

فى كل عام أو قل ــ عزيزى القارئ ــ فى بداية كل عام نتأمل فى الميلاد العذراوى حيث نمتلئ بالعجب والدهشة، فكثيرا ما نسأل لماذا اختار الله الميلاد العذراوى ليأتى من خلاله السيد المسيح؟!

هل هو لإظهار قوته كخالق؟

فكما وضع الله نظاما من خلاله تنمو خليقته وتتكاثر بنظام ارتباط رجل بامرأة، فهو قادر على أن يسلك طريقا آخر هو الميلاد العذراوى، والذى فيه استخدم الله فتاة عذراء، وإذا سلمنا أن الله أراد أن يُظهر قوته وسلطانه من خلال الميلاد العذراوى فهنا يبرز سؤال: ألم يكن الله قادرا أن يستخدم وسيلة أخرى يُظهر بها قوته وإعجازه بين البشر بدون الميلاد العذراوى؟!

والسؤال الذى يتحدانا إذا كان الله فى غير حاجة أصلا للقيام بمعجزة للمعجزة فى حد ذاتها، هل يمكن أن يكون الله قد أراد أن يفعل ذلك ليبين أن المولود من عذراء ليس شخصا عاديا، وهنا أيضا نقول إن الله لم يكن يعدم وسيلة ليعلن ذلك من دون الولادة من عذراء، وهنا يأتى السؤال: هل الميلاد العذراوى يتوافق مع طبيعة الله؟!

بالعودة إلى التراث الإنسانى والذى كان الله يتعامل من خلاله مع البشر قبل إرسال الأنبياء، نجد فى هذا التراث وبشكل واضح، أن طبيعة الله تقتضى أن يطلب البكر من كل حيوان يُقَدم كذبيحة له وكل بكر من البشر، فقبل الأديان السماوية كان الإنسان بالفطرة يقدم الابن البكر ذبيحة للآلهة التى يتعبد لها، وليس ذلك فقط بل كان يقدم باكورات غلاته، وبهائمه للمعابد الوثنية... إلخ.

وعندما نرجع للعهد القديم من الكتاب المقدس والقرآن الكريم نجد قصة إيمان أبينا إبراهيم أبو الأنبياء، ويحكى القرآن كيف تطور إيمان إبراهيم الذى رفض عقله فكرة عبادة الأصنام وفكر كبديل للوثن أن يعبد القمر، لكن بعد تأمله للقمر وجده آفلا بمعنى أنه يبدأ هلالا ويكبر حتى يكتمل ثم يقل رويدا رويدا حتى يضمحل، وهنا اكتشف أنه من المستحيل أن يكون القمر إلها له، فقال فى نفسه أعبد الشمس فلاحظ أنها تغيب والذى يغيب ليس إلها، أخيرا وبعد تأمل اكتشف أن هناك قوة خلف كل هذه الظواهر تحركها وتضبط حركتها فى مدارات وبنظام محكم يديرها عقل جبار، ومن هنا قرر أن يعبد من هو وراء خلق هذه الأفلاك ومبدعها وضابطها فى مداراتها، وهكذا دخل إبراهيم مدرسة الله ليتعلم، وأراد أن يُكرم الله الخالق الذى يعبده بتقديم ابنه ذبيحة له بما كانت تقتضيه العبادة الوثنية قبل تعرفه على الله وإيمانه به، وهكذا سأل ابنه أن الله طلب منه أن يقدمه ذبيحة فقبل الابن خاضعا لله وأبيه، فقام إبراهيم مبكرا وأخذ ابنه وصعد الجبل ووضع ابنه على المذبح وقيده ورفع يده حاملا السكين ليذبحه، وهنا جاء الدرس أن الله الذى طلب عبادته ــ رب السموات والأرض ــ لا يقبل الذبائح البشرية نظير الآلهة الأخرى الوثنية، ومن هنا بدأت أدبيات عبادة الله الواحد الأحد الذى لا يقبل ذبح الإنسان العاقل خليقته كعبادة، بل يحرص على حياته ليخدم إلهه ويعبده، وقد طلب الله من شعبه الذى تبعه بعد ذلك أن يقدم الابن البكر حيا ليتفرغ للعبادة والخدمة فى الهيكل، من هنا نستطيع أن ندرك مفهوم البكر عند الله فى اختياره لمريم العذراء (البكر) ليأتى منها السيد المسيح، فهذا العمل يُشير إلى طبيعة الله فى اختياره للأبكار، وقد قبلت مريم ذلك وخضعت لكلمات الملاك جبرائيل عندما بشرها فسبحت:

«هوذا أنا أمة الله، ليكن لى كقولك».

وليس ذلك فقط،

 بل أمر الله أن تكون الذبائح الحيوانية التى تقدم له من أبكار الحيوانات، وكذلك من أبكار الغلات عند الحصاد، فعندما يَحصد إنسان حَقله يأخذ الباكورة منه ويقدمها للفقراء والمساكين والهيكل، كل ذلك لأن طبيعة الله تقتضى دائما أن تكون الباكورة له..

 وهكذا عندما ننتقل ــ عزيزى القارئ ــ إلى عالمنا المعاصر والمتطور ونريد أن نطبق هذه الوصايا علينا وبلا تردد أن نقدم لله باكورة أفكارنا واجتهاداتنا ومجهوداتنا، بل وباكورة أوقاتنا، فلا نقدم له أفكارا قديمة استهلكت بل نقدم أفكارا عصرية ومعاصرة،..

وعندما نركع لنصلى له علينا أن نقدم له ما يتفق مع طبيعته التى أوصى بها أى الفكر البكر (الناضج القوى) والجهد البكر والوقت البكر..

فعلاقتنا بالله لا تقتصر على طلب احتياجاتنا، ولا مجرد تسبيحات له ومديح وصلوات وصيامات، لكن يكون همنا فى حضرته أن يُلهمنا من خلال كتبه المقدسة وعلاقتنا به كيف نقدمه لشبابنا الملحد ليكون مقبولا ومفهوما عندهم فهم ألحدوا لأنهم وجدوا خطابات دينية لم تتغير أو تتجدد مما يقرب من ألفى عام، كيف نفسر رسالة الله ونطبقها بطريقة خلاقة معاصرة وبحسب قناعاتى أن هذا التوجه له الأولوية المطلقة فهو فرض عين.

أما الشرط الآخر الذى كان الله يشترطه فى الذبيحة بجانب البكر هو أن تكون الذبيحة صحيحة بلا عيب كاملة مهما كانت نوعيتها، ذكرا أو أنثى، سواء من البقر أو الغنم أو الطيور.

لقد كانت السيدة العذراء مريم فريدة فى طهارتها وإيمانها بالله، وكان إيمانها يفوق إيمان الكهنة اليهود الذين لم يصدقوا بشارة الملاك جبرائيل بحبل العذراء مع أن مثل هذه المعجزة وقعت من قبل فى التاريخ المقدس مع أبينا إبراهيم عندما حبلت زوجته وهى عاقر فى شيخوختها مع الأخذ فى الاعتبار الفارق الضخم بين الحالتين.

عندما أراد الله أن يُعلن ذاته للبشر والإنسانية بدأ بتكوين علاقة مع أبينا إبراهيم الذى امتلأ إيمانا به ومنه تأسس شعب الله الواحد.

وعندما أراد الله أن يُخلص شعبه من العبودية فى مصر اختار نبيه موسى، ولَم يكن مجىء السيد المسيح من عذراء مجرد معجزة لشد الانتباه، لكن كان فى حد ذاته رسالة أزلية أبدية يريد الله أن يؤكدها ويثبتها ليقرب السماء من الأرض وكان أعظم مثل يبين هذا التباعد بين فكر الأرض وفكر السماء حدث الميلاد العذراوى ذاته، فعندما حبلت مريم العذراء اضطربت الأرض بدلا من أن تفرح وتبتهج، وفِى اضطرابها تساءلت كيف أن عذراء تحبل؟! هذا ضد الطبيعة والتاريخ والمنطق الإنسانى، حتى إن يوسف، وهو رجل مؤمن بالله لم يحاول أن يسألها أو يتفهم موقفها، وفى نفس الوقت لم يصدقها، وهو أيضا وكنوع من الشهامة أراد تخليتها سرا حتى لا يُشهر بها، وكان يعتبر أن ما فكر فيه ما هو إلا عمل نبيل عظيم.

فى ذلك الوقت والحزن والاضطراب يملأ الأرض كانت السماء فى ابتهاج ــ ما أبعد الفارق بين الأرض والسماء ــ الحادثة واحدة لكن رد الفعل كان مختلفا تماما، والسبب هو الشر المتأصل فى الأرض مع فكر إنسانى ضيق ومحدود.

وقد وضح ابتهاج السماء بإرسال الملائكة لتبشر رعاة الجبل الذين اضطربوا وخافوا عند ظهور الملائكة وسقطوا على وجوههم فقال لهم الملاك: لا تخافوا ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب أنه ولد من يحرركم وهذه لكم العلامة تجدون طفلا مقمطا ومضجعا فى مذود، وظهر فجأة جمهور من الملائكة يسبحون الله قائلين: «المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة»..

وكما وصلت الرسالة لأكثر الناس فقرا، الرعاة المستأجَرين لرعاية الخراف والحملان...

وصلت أيضا إلى الفلاسفة وعلماء الفلك إذ رأوا نجما فى المشرق ينم عن ولادة ملك فأخذوا هدايا بأيديهم تليق بالملك المولود ذهبا ولبانا ومرا وأتوا مسافرين على الجمال لرؤية الملك الجديد!

فى النهاية،

 أقول لم يكن الميلاد العذراوى مجرد حادثة تاريخية انتهت لكنه رسالة كاملة باقية ومتكررة تتجسد فى ولادة فكر عصرى غير مسبوق وغير عادى تكون نتيجته صنع سلام بين دولتين تحاربتا لسنوات، أو ولادة عقار أو لقاح قادر على هزيمة وباء يقتل البشر بدون رحمة، فالعلماء الذين يتفرغون لشهور وسنين حاملين داخلهم أجنة أفكار ملقحة تتكون وتدب فيها الحياة وتنضج داخلهم وتكبر حتى يلدوا خلاصا للبشرية.

إن الذى يكتشفه العلماء لا يختلف كثيرا عن رسالات الأنبياء، فعقاقيرهم تقهر المرض وتستبعد الموت وتعيد الضحكة والصحة والسلام إلى البشرية...

وما هذه إلا رسالة الأنبياء والقديسين والصديقين والعلماء ورجال السلام فى كل عصر ومكان، فهل يأتى الوقت الذى فيه نُبجل ونُعلى كل عالم فى كل مجال، ونعتبره مُرسلا من الله ليخفف آلام البشر وأتعابهم، ونُعلم أولادنا والأجيال القادمة إن العلم لا يقل عن تعاليم الدين وأن التعليم الصحيح للدين هو الذى يُبجل العلم والعلماء، وأن آلام ومعاناة الحبل والولادة لا تقتصر على العلماء فقط بل الإنسانية جمعاء تتمخض متألمة وهى تعانى من التلوث البيئى والسياسى والأخلاقى لتلد عالما جديدا رافضا التصالح مع القذارة وظلم الإنسان لأخيه الإنسان فى كل موقع سياسى أو دينى أو أخلاقى يدعى «عالم ما بعد الكورونا».