2021-01-06 22:21:24

أهمية اللغة العربية وأثرها في فهم الشريعة / بقلم الشيخ أسامة السيد

أهمية اللغة العربية وأثرها في فهم الشريعة / بقلم الشيخ أسامة السيد

أهمية اللغة العربية وأثرها في فهم الشريعة / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 7 كانون الثاني 2021

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إنَّا أنزلناه قرءانًا عربيًا لعلكم تعقلون} سورة يوسف.

وعن عبد الله بن عبَّاسٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أَحِبُّوا العربَ لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي" رواه الطبراني.

يُعرض كثيرٌ من شباب وشابَّات اليوم وللأسف عن تعلُّم اللغة العربية ولا سيما علم النحو المتعلِّق بضبط أواخر الكلمات من حيث الحركات والإعراب وهو علمٌ يُحترزُ به عن الخطإ في الكلام ويُعرضون عن التَّعمق في معرفة قواعد اللغة ومعاني مفرداتها، بل صرنا نرى جيلًا لا يعرف الكلام ولا الكتابة بالعربية لجهله بأولويات قواعد هذه اللغة الكريمة، وبلغ السيل الزُّبى إذ أهملت كثيرٌ من المعاهد والمدارس الاعتناء بتدريس علوم العربية وقواعدها وهذا خطرٌ عظيمٌ جدًا لا يشعر به كثيرٌ من الناس بل هو خطةٌ ممنهجةٌ لضرب الأمة في الصَّميم، لأن الناس إذا ضعُف فهمهم للعربية ضعُف فهمهم لنصوص القرآن ونصوص الحديث وأقوال الأئمة وبالتالي ضعُف فهمهم للدين والتاريخ الإسلامي وهذا ما يصبو إليه كل حاقدٍ على النبي العربي سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم, وإزاء ذلك نرى أنه لا بد من التوعية وكشف الغطاء عن كنوز اللغة العربية وإماطة اللثام عن جمالها وبيان مدى أهمية دراسة علومها من نحو وصرفٍ وبلاغة وغير ذلك وما يُسهم ذلك في نُصرة الدِّين ورُقيِّ المجتمع وتقدُّم الأمة فإن حفظ العربية حفظ للتراث وحفظ للتاريخ وفيه فوق ذلك حفظٌ لنصوص الشريعة من التأويلات الفاسدة التي يُطالعُنا بها كل حينٍ فلانٌ وفلانٌ فيضلِّون ويُضلّون.

تعلَّموا العربية

لقد ابتُلينا في هذا الزمان بأناسٍ ربما لا يُحسن أحدهم كتابة اسمه بالعربية وتراه يقتحم باب التأويل فيريد أن يُفسّر برأيه كتابَ الله الذي هو أعلى طبقات البلاغة وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو أفصح من نطق بالضَّاد، وترى بعض السُّذج ينخدعون به وبما قال، بل صرنا نرى بعض النَّاس يحملون النصوص القرآنية والحديثية على اللغة العامِّية فيُفسِّرون بما يألفون وجهلوا أن بعض الكلمات في اللغة الصحيحة تحمل أكثر من مائة معنىً أو أن ما يستعملون لأجله هذا اللفظ بالعاميِّة لا يوافق اللغة الفصيحة أو يُعطي في اللغة الفصيحة عكس المعنى الذي يفهمونه فيبعُدون عن الصواب بُعْد المشرق عن المغرب، ولا يجوز لأحدٍ أن يتكلم في القرآن والحديث حتى يكون ملمًا بعلوم العربية كما نصَّ على ذلك السيوطي في "شرح ألفيَّته في علم الحديث" وذلك لأن القرآن عربي والحديث عربي فلا تُفهم مقاصد الشريعة إلا بمعرفة قواعد العربية، ويصح القول: إن أي تأويل لنُصوص القرآن والحديث على خلاف اللغة العربية باطلٌ لمخالفته الآية أعلاه ولمخالفته قوله تعالى أيضًا:{قرءانًا عربيًا غير ذي عوج} سورة الزُّمر، وغيرهما من الآيات.

قال الحافظ الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله:

النحو والصَّرف كلاهما شُرط                    لقارئ الحديث خشية الغلط

لكنَّ هذا في السَّليقي سقط                    لأمنه من الوقوع في الغلط

والسَّليقي هو الذي يتكلَّم العربية بالسَّليقة أي نشأ على العربية الصحيحة كالذين كانوا يتكلمون العربية قبل طروء اللحن كالصَّحابة مثلًا فهؤلاء لا يُشترط فيهم دراسة النحو إذ لا يُخشى منهم ما يُخشى من الناس اليوم من الخطإ، بل لم تكن تفصيلات تلك العلوم متداولة في زمانهم أصلًا أما بعدما فشا الغلط واستعجَمت الألسن فإن تعلم النحو المفهم للكتاب والسنة من الواجبات الكفائية على أهل كل ناحية، أي إنْ تعلَّمَه بعضُهم سقط الإثم عن الآخرين وإن لم يتعلمه أحدٌ أثم الجميع إلا من كان معذورًا بعذر شرعي، ويجب تعلمه عينًا أي على الشخص بذاته أن يتعلمه إن أراد قراءة التفسير والحديث خشية أن يُدخلَ في الدين ما ليس منه أو ينفي من الدين ما هو منه.

هكذا اعتَنَوْا بالعربية

وإنه لمما يندى له الجبينُ أن بلغ الأمر ببعض الناس أن صاروا يتهكَّمون بمن سمعوه يتكلم باللغة الفصيحة بل ربما رأيتَ من يتعجَّب منك إذا كتبتَ بالعربية بدل ما صار يُعرف بلغة "الشات"، ولهؤلاء نقول: إلى متى ستبقون في غفلةٍ عمَّا يُراد بكم؟ إن تعلُّم العربية ليس تخلُّفًا ولا عارًا بل إن الطعن في العربية هو عين التخلف والعار، ولا أدري كيف ساغ لبعضهم الانسلاخ من ثوبهم العربي بل والتجرد من القيم العربية الأصيلة والتخلي عن لغتهم بدعوى التَّقدُّم ومواكبة العصر؟! وبأي عَوَرٍ رأى هؤلاء أن العربية عائقٌ في وجه الرُّقيّ؟! وهيهات أن يرقى من كان على مثل هذا الجهل الفظيع، وجدير بهؤلاء بل وبنا جميعًا أن نهتم بتلك اللغة التي أكَّد نبينا صلى الله عليه وسلم على الاعتناء بها فتأكدت عنايةُ الصحابة والسلف لذلك.

وقديمًا سمع أبو الأسود الدؤلي وهو من سادات التابعين ابنته تُخطئ في حرفٍ حيث قالت: "يا أبت ما أحسنُ السماء. فقال: أي بُنية نجومها. قالت: إني لم أرد أي شىءٍ منها أحسن إنما تعجَّبت من حُسنها. قال: إذًا فتقولي: ما أحسَنَ السماء". وشقَّ ذلك عليه وكانت أيام خلافة سيدنا علي فشكا إليه هذا الخطر فأمره سيدنا عليٌ بوضع علم النحو وعلَّمه قواعده كما في "نزهة الألباء" للأنباري وفي "تاج العروس" للزبيدي أن سيدنا عليًّا قال لأبي الأسود بعد ما علَّمه القواعد: "أُنحُ هذا النحو يا أبا الأسود" فلذلك سُمِّي بعلم النحو ثم ما زال أهل العلم يهتمُّون به تبيانًا وإيضاحًا وشروحًا لما يُدركون ما لهذا العلم من أثرٍ في حفظ الشريعة والدين.    

وأخرج القُضاعي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مرَّ بقومٍ قد رموا نبلًا فأخطأوا الهدف فقال: "ما أسوأ رميكم فقالوا: نحن متعلمين (وكان الصواب أن يقولوا: نحن متعلمون) فقال عمر: لحنكم (خطؤكم) أشد علي من رميكم سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رحم الله امرءًا أصلح من لسانه".

وللغافلين نقول: إن إتقان اللغة العربية سُلّمٌ إلى المعالي وشرفٌ قصر عن حيازته أغلب عرب هذا الزمان، بل إن تعلم العربية فيه تهذيبٌ للنفس وتقويمٌ للقلب فقد روى أبو نعيمٍ في "الحِلية" عن الإمام الشافعي أنه قال: "ومن تعلم النحو هِيبَ ومن تعلم العربية رقَّ طبعه".

والحمد لله أولًا وآخرا.