2021-01-01 20:03:14

جرجي زيدان الأديب الموسوعي في عصر النهضة / بقلم عبد الهادي محيسن 

جرجي زيدان الأديب الموسوعي في عصر النهضة / بقلم عبد الهادي محيسن 

جرجي زيدان الأديب الموسوعي في عصر النهضة / بقلم عبد الهادي محيسن 

مجلة الشراع 1 كانون الثاني 2021

هو جرجي بن حبيب بن زيدان مطر من قرية عين عنوب بالقرب من عالية ويغلب أن يكون أصل العائلة مثل أغلب عائلات الطائفة الأرثوذكسية من حوران ، حيث كان يدفعهم ما يلاقونه من الضنك والفقر الى الالتجاء الى جبل لبنان ، تزوج والده حبيب من فتاة من بيت الحايك فأنجب في العام 1861 ولدا فأسماه جرجي .

نشأ جرجي زيدان فتى شغوفا بالمعرفة متطلعا الى العلم يقرأ في مطعم أبيه كتاب سر النجاح الذي نقله يعقوب صروف الى العربية ويذهب به فضوله العلمي الى أن يقرأ ديوان المتنبي وابن الفارض وكتاب مجمع البحرين لليازجي ويشترك بمجلة المقتطف ويكد ذهنه في فهم أبحاثها العلمية وتزداد رغبته في المطالعة بمقدار مايسمح له وقته .

في هذه الأثناء كان زيدان يفكر بدراسة الطب في الكلية السورية الإنجيلية ومن شروطها أن يكون الطالب متمكننا من اللغة الإنكليزية وعلوم اللغة العربية ، نجح زيدان في انتخابات الدخول وتحققت أمنيته بأن يصبح تلميذا في كلية الطب عام 1881 ، وانصرف زيدان الى الدراسة في ظروف مادية قاسية فكان عليه أن يؤمن نفقات الدراسة بمزاولة عمل خارج الجامعة .

كانت نظرية داروين في أصل الأنواع قد ظهرت في أوروبا عام 1859 وأخذت تتسرب الى دور العلم ومواطن الفكر وانقسم فيها العلماء الى مؤيدين ومعارضين وكان من الطبيعي أن يقف رجال الدين في صفوف المعارضين لهذه النظرية لاعتقادهم أنها نظرية تتعارض كليا مع المفهوم الديني ولذا كان وقع هذه المحاضرة سيئا في أوساط إدارة الجامعة التي رأت فيها عملا مخالفا لمذهبها التبشيري الذي أنشأت من أجله .

 كان رئيس الجامعة أدوين لويس لا يرى موجبا للتعلق بالقشور ما دام المؤمن محافظا على جوهر الدين فشكوا عليه الى مجلس الكلية الأعلى الذي قرر إعفائه من منصبه فأضرب الطلاب ضد فصله وقوبل مطلبهم بالرفض وبقي الطلاب مستمرون بالاضراب فقررت الكلية فصلهم وانهارت الآمال التي بناها زيدان بممارسة مهنة الطب فذهب الى مصر مع بعض رفاقه وهناك انصرف الى العمل الصحافي بعدما ازدهرت الصحافة اليومية على أيدي السوريين واللبنانيين في القاهرة والاسكندرية .

وضع زياد كتابه المشهور في ( الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية ) في العام 1886 في بيروت وهو كتاب يعالج في قضية اللغة في ضوء النظريات العلمية الحديثة وقد لاقى رواجا عظيما لدى المشتغلين بالأدب واللغة ودفعه ذلك الى وضع كتابه الثاني ( اللغة العربية كائن حي ) وفي العام 1886 عاد زيدان الى مصر وكانت مجلة المقتطف التي أنشأها الدكتوران صروف ونمر في بيروت انتقلت الى مصر فتولى زيدان إدارتها والمساعدة في تحريرها ثم انصرف الى الكتابة والتأليف فألف كتاب تاريخ مصر الحديث .

في العام 1889

ألف كتاب تاريخ الماسونية ثم ألف كتاب التاريخ العام وهو مختصر تاريخ مماليك آسيا وأفريقيا القديمة والحديثة وفي السنة نفسها كتب أول رواياته المملوك الشارد وتدور أحداثها عن أحوال مصر وسوريا في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومن أبطالها بشير الشهابي ومحمد علي وابراهيم باشا .

في العام 1892

أصدر مجلة الهلال وهي مجلة علمية أدبية تاريخية نصف شهرية فكانت فرصة لالتقائه بقرائه في فصول ممتابعة لروايات شائقة تدور على محور إسلامي وهي 21 رواية استطاعت أن تستحوذ على القُرّاء بأسلوبها السهل الرافل بالخيال ، كان جرجي زيدان أول من أرخ للأدب العربي في العصر الحديث في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية في أربعة أجزاء نشر الفصول الأولى منها في مجلة الهلال .

أصبحت مصر مركز إلتقاء بين الشرق والغرب وفي وسط هذا كله ظهر جرجي زيدان وانفرد كمثقف كبير أتقن اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية وألم بالإيطالية والإسبانية مع معرفة العديد من أصول اللغات السامية الى جانب إلمام كبير بالتاريخ الإسلامي فوضع مؤلفه الشهير تاريخ التمدن الإسلامي في خمسة أجزاء ويعد هذا السفر من أعظم ما تركه زيدان من الآثار الفكرية .

وقد استقبل المستشرقون ورجال الفكر في أوروبا وآسيا هذا المؤلف بترحاب كبير ، وزار زيدان باريس وأبدى إعجابه بالأدباء السوريين الذين لقيهم هناك بقوله " ومما يوجب الفخر أننا لقينا في باريس أدباء يجارون أدباء فرنسا ويكتبون في أكبر جرائدهم السياسية ويؤلفون الكتب وينظمون الشعر ".

وفي ليلة 22 تموز من العام 1914

وبعد أن فرغ من إعداد العدد الرابع والستين بعد المائتين من مجلة الهلال أطلق زيدان النفس الأخير وانقضت بذلك حياة رجل عصامي وخمد فكر نير ساهم في سد حاجة ماسة من حركة الإحياء والنهضة في الأدب العربي الحديث ، لقد كان زيدان أديبا موسوعيا استجاب لحاجات أمته فكانت مؤلفاته عن التمدن الإسلامي وآداب اللغة العربية والروايات التاريخية .... فقد أخرج ما يزيد عن 300 مجلدا من مجلة الهلال والقصص والكتب المتنوعة .

عبد الهادي محيسن .... كاتب وباحث