2018-08-31 16:43:07

لبنان ينزف دماً وأدمغة/ بقلم: الدكتورة سلوى شكري كرم

لبنان ينزف دماً وأدمغة/ بقلم: الدكتورة سلوى شكري كرم

لبنان ينزف دماً وأدمغة/ بقلم: الدكتورة سلوى شكري كرم

لبنان ينزف دماً وأدمغة/ بقلم: الدكتورة سلوى شكري كرم

باحثة في مركز دراسات الإنتشار اللبناني في جامعة سيدة اللويزة

 

ما تزال، وللأسف، تتجاذب بلدنا، سياسات خارجية ربما لا يريدها لبنان، كونها تقحمه في حروب لا متناهية، لا نهاية لها. ففي وقت تدعو السلطات اللبنانية المنتشرين في بلاد الإغتراب، وعددهم لا يستهان به، ما يزال بلدنا، وللأسف، ينزف دماً بريئاً ويعاني من هجرة الأدمغة، من كافة الأعمار والمستويات العلمية والاجتماعية.

يبدأ الاغتراب مع اللبناني  بمعاناة وينتهي بأسطورة. فإن الانسان يغترب عادة لتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وغالباً ما كان الاغتراب يحقق أحلام المهاجر، لأنه قد يكون سعى إليه بملء إرادته وعن سابق تصور وتصميم. أما أن يكون الاغتراب نزوحاً جماعياً الى الخارج، في مواجهة اليأس والاحباط أو هرباً من الموت في الوطن الذي كان موضع فخر وإعتزاز في الامس، ليصبح مواطنه اليوم مشرداً ولاجئاً، فهذا أمر يثير التساؤل حول مصير المغتربين اللبنانيين الجدد في هذه المرحلة، علما أن عائلات بكاملها  اغتربت مع أولادها الذين يفترض أن يتوقف عليهم مصير لبنان. مستقبلاً.

إن قضية اغتراب اللبنانيين متشابكة معقدة، لا يمكن الغوص في تطوراتها ودوافعها بمعزل عن المجريات السياسية والاقتصادية والايديولوجية، المحلية والاقليمية. فعند حدوث أي خضة أو أزمة سياسية أم أمنية في أي بلد عربي، يجد اللبناني أن وضعه غير مستقر في وطنه، وهو غير قادر على مجابهة الدول الطامعة في تأمين مصالحها على حسابه وحساب أولاده ومستقبله فيلجأ الى الاغتراب، لأنه فردي بطبعه، يسعى الى إنقاذ نفسه وعائلته ولو تأذى بلده ومجتمعه من إغترابه. وهذا ما يلام عليه، لأن الانسان ربيب بيئته، والبيئة التي نشأ فيها اللبناني فردية أكثر منها جماعية، أو فلنقل أن اجتماعيته فئوية أكثر منها وطنية. ولكن هل تلام الفردية والفئوية اذا تركنا الوطنية جانباً، ولو إلى حين، لمواجهة الخطر الداهم والأفق المسدود ؟

ابتدأ اغتراب 1975عام  بعد حادثة 13 نيسان/ابريل من تلك السنة في عين الرمانة، وكانت بداية أحداث معقدة ومتشعبة، لا يعلم اللبنانيون أنفسهم كيف بدأت، ولماذا تطورت بهذا الشكل المأسوي والمفجع، إذ كثرت الإشاعات، وتنوعت الفرضيات،  فأثارت قلق شرائح اجتماعية وطائفية كبيرة، وجعلت مستقبل لبنان قاتماً بل مظلماً، ما أخاف أكثرية اللبنانيين، بعد تفاقمها وامتدادها،  فهرعوا إلى أبواب السفارات بهدف الحصول على تأشيرة الدخول، وتالياً الحصول على جنسية أجنبية، بعد أن أصبحت الجنسية اللبنانية موضوع شك، وأحياناً موضوع خجل وذل، لما ارتكب باسمها من جرائم وإرعاب وعنف من مختلف الفئات المتقاتلة في لبنان.

ولعل أبرز دافع للهجرة هو الدافع الأمني، حتى أصبح المحرك الأكثر نشاطاً لإتخاذ القرارات، لأن له خلفية حرب مدمرة وبشعة كالتي يعيش اللبنانيون مساوئها منذ سنة 1975 حتى اليوم. فالإشاعات والتصريحات والمواقف الدولية والمحلية والعربية جعلت اللبناني في حالة تأرجح وعدم استقرار وتأهب للهرب في أي لحظة.

والدوافع الاقتصادية لا تقل أهمية عن الامنية منها، لأن الاقتصاد هو شريان الحياة وقوة الدول والشعوب. لذلك كان السعي وراء لقمة العيش وتطوير الاوضاع الاقتصادية هدف البشرية، بخاصة عندما يخسر الانسان رزقه ويفتقد سبل العيش. فمن كان محظوظاً من اللبنانيين، أثناء الحرب، في تأمين رزقه اقتصادياً كان يعجز عن الوصول الى عمله أمنياً، بعد شل المؤسسات الحكومية وضرب المؤسسات الاقتصادية والمالية وكل مقومات البلد على مختلف الصعد.

اما الآن، وبعد عودة النظام الى مكونات الدولة اللبنانية، بكامل أجهزتها ومقوماتها، ومشكور معالي وزير الخارجية، لمبادرته في إرجاع المغتربين الى ربوع وطنهم، بدءاً من تسهيل واقعة إدلائهم بأصواتهم في الانتخابات النيابية المقبلة، لأن في ذلك دعوة وعودة، في آن معاً، الى أمل افتقده اللبناني منذ ربع قرن، مع نشوب الحرب واستمرارها على أراضيه.

في جهة مقابلة، لا بد من إعطاء الوقت الوقت الكافي لعودة هذه الثقة، لأن لبنان لا ولن يحيى إلا في دعوة تلك الأدمغة الى العودة الى الوطن الحبيب والغالي، لبنان، الذي، بشقيه المقيم والمغترب، يستقيم ويتعافى.