2020-12-31 13:24:24

حقيقة المُنجِّمين والأبراج / بقلم الشيخ أسامة السيد

حقيقة المُنجِّمين والأبراج / بقلم الشيخ أسامة السيد

حقيقة المُنجِّمين والأبراج / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 31 كانون الأول 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم في شأن المشركين الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة: {قل لا يعلمُ من في السمواتِ والأرضِ الغيبَ إلا الله وما يشعُرون أيَّان يُبعثون بل ادَّارك علمُهم في الآخرة بل هم في شكٍ منها بل هم منها عمُون} سورة النمل، قاله القرطبي في "تفسيره" وغيره. وقد أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول: {ومآ أدري ما يُفعلُ بي ولا بكم إن أتَّبع إلا ما يُوحى إليَّ} سورة الأحقاف.

وروى مسلم عن مسروقٍ قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاثٌ من تكلَّم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفِرية (الكذب). قلت: ما هنَّ؟ فعدَّت منهن: ومن زعم أن محمدًا يُخبرُ بما يكون في غدٍ فقد أعظمَ على الله الفِرية والله يقول: {قل لا يعلم من في السَّموات والأرض الغيب إلا الله}".  

لا يختلف مؤمنان أنه لا يعلم الغيب كله إلا الله، فهو تعالى عالمٌ بما كان وما سيكون وما لا يكون بعلمٍ أزليٍ أبديٍ لا يتغير ولا يزداد ولا ينقُص، والغيب هو ما غاب عن حِسِّ البشر، فإن سأل سائل: أليس قد ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر ببعض ما يكون؟ فالجواب: أن هذا جزءٌ من الغيب لا كله والله يُطلعُ من شاء من الملائكة والأنبياء والأولياء على بعض الغيب كما دلَّ على ذلك القرآن والحديث. وتلك رُتبٌ لا تكون لكل أحدٍ من الخلق.

لا يعلم الغيب كله إلا الله

إن جميع الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى وإذا ما كان النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم وهو أفضل خلق الله لا يعلم الغيب فكيف لشخصٍ أن يدَّعي بعد ذلك علمَ الغيب وأن يتكلَّم في الأمور المستقبلية اعتمادًا على توقُّعاتٍ ربما تتأتى وربما لا يكون منها شىء، والعجب أنك قد ترى بعض مُدَّعي العلم بالأمور المستقبلية ملاحدة لا يؤمنون بالآخرة وهم كما وصف الله تعالى المشركين الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة وقال تعالى فيهم: {بل ادَّارك علمهم في الآخرة} أي في شأن الآخرة ومعناه أن أسباب العلم بأن القيامة كائنةٌ قد حصلت لهم وهم مع ذلك شاكُّون جاهلون كما بيَّن ذلك قوله تعالى: {بل هم في شكٍ منها بل هم منها عمُون} وبالتالي فكيف لمن هو في شكٍ بأمر الآخرة، وأمرها حقٌ أخبر الله تعالى أنه كائنٌ لا محالة، أن يدَّعي علم ما يكون؟ وبعضهم فُسَّاق يتكلَّمون بالتخمين والظن وقد قال الله تعالى:{وإنَّ الظنَّ لا يُغني من الحق شيئا} سورة النجم. قال النسفي في "تفسيره": "إي إنما يُعرف الحق الذي هو حقيقة الشىء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتَّوهم". وأما المؤمنون الكاملون فلا يدَّعُون علم الغيب.

وليُعلم أنه لا يجوز اللجوء إلى الكُهَّان والمنجِّمين والعرَّافين والفلكيين لسؤالهم عمَّا يكون في المستقبل. قال ابن الجوزي في "كشف المشكل": "قال أبو سليمان: العرَّاف الذي يتعاطى معرفة الشىء المسروق ومكان الضَّالة (الشىء الضائع) ونحو ذلك، والكاهن (المنجِّم) يتعاطى علمَ ما يكون في مستقبل الزمان ويدَّعي معرفة الأسرار". وأما الفلكي فهو الذي يُخبر بزعمه عن أمور مستقبلية بناءً على النظر في النجوم ومنازل النجوم وهي البروج.

البروج وحياة الناس

قال الله تعالى: {والسماء ذات البروج} سورة البروج. قال القرطبي في "تفسيره": "ذات المنازل وهي اثنا عشر برجًا وهي منازل الكواكب والشمس والقمر، يسير القمر في كل برجٍ منها يومين وثلث يومٍ فذلك ثمانية وعشرون يومًا ثم يستتر ليلتين، وتسير الشمس في كل برجٍ منها شهرًا، وهي الحَمَل والثور والجوزاء والسَرطان والأسد والسُنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدَّلو والحوت". ولكن الحق أنه لا تأثير لهذه البروج على حياة الناس بالمرة. قال البدر العيني في "عمدة القاري" عند كلامه عن السحر وتأثيره في الناس وأن تأثيره بخلق الله: "فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، خلافًا للفلاسفة والمنجِّمين والصابئة" وبالتالي فلا يجوز الجزم بحصول ما يقوله هؤلاء الفلكيُّون بناءً على توقُّعاتهم القائمة على دراسة حركات النجوم علمًا أن أكثر ما يقوله هؤلاء إنما هو من الأمور العامة فربما قالوا مثلًا: إن المولود في شهر كذا الموافق لبرج كذا يتعرَّض لخسارةٍ ماليةٍ أو نكسةٍ مرضيةٍ أو مشاكل في عمله. ومَن منَّا لا تمر عليه مثل هذه الأحوال في سنته أو في شهره أو حتى في يومه؟ ولا يجوز اعتقاد أن هؤلاء يعلمون الغيب، والعاقل لا يربط حياته بكلام هؤلاء كما يفعل بعض ضعاف النفوس. ولكثرة المولودين في الزمن الذي يكون سير الشمس أو القمر فيه في البرج الفلاني يوافق غالبًا أن يتعرَّض بعضهم لمثل بعض ما توقَّعه بعض الفلكيين فينخدع البُسطاء بذلك.

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من إتيان الذين يدَّعون معرفة المستقبل والاستماع إليهم تحذيرًا بليغًا في غير حديث فمن ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد". وعن ابن عبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منَّا من تكهَّن (اشتغل بالكهَانة) أو تُكُهن له (ذهب إلى الكاهن لينظر له في مستقبله)" رواه الطبراني. قال المناوي في "فيض القدير": "إن مُصدِّق الكاهن إن اعتقد أنه يعلم الغيب كفر" معناه لا ينبغي التَّسرع في تكفير الشخص لمجرد إتيان الكُهَّان والمنجمين فإن مجرد إتيانهم والاستماع إليهم من غير اعتقاد أنهم يعلمون الغيب ليس كفرًا لكنه حرام فلا يكون فاعله متَّبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم اتِّباعًا كاملًا.

ومن لطائف ما يُروى في رد ما يقول المنجِّمون ما جاء في كتاب "سمط النجوم" للعصامي: "ولما تجهَّز المعتصم لفتح عمُّورية حكم المنجِّمون أن ذلك الوقت طالع نحسٍ وأنه يُكسر، فكان من ظَفره ونصره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمَّام قصيدته البديعة:

السيف أصدق أنباءً من الكتب          في حدِّه الحدُّ بين الجِد واللعب   

وفي كتاب "عيار الشعر" لابن طباطبا: "أن المنجِّمين حكموا بأن المعتصم إن خرج قبل موسم نضج التين والعنب ينكسر فكان العكس وفي ذلك قال أبو تمَّام يصف عدد من قُتلوا من الروم في تلك الوقعة:

تسعون ألفًا كآساد الشرى نضجت     جلودهم قبل نضج التين والعنب

فاعرف هذا ولا يغُرنَّك تمويه منجِّمٍ فإنه لا يعلم الغيب كله إلا الله.

 والحمد لله أولًا وآخرا.