2020-12-24 12:35:14

أبو جعفر محمد الخوارزمي: أساس الجبر / بقلم عبد الهادي محيسن

أبو جعفر محمد الخوارزمي: أساس الجبر / بقلم عبد الهادي محيسن

أبو جعفر محمد الخوارزمي: أساس الجبر / بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 24 كانون الأول 2020

 

نادرة هي التفاصيل المتوافرة عن سيرة حياة ابو جعفر محمد ابن موسى الخوارزمي على الرغم من الدور المحوري الذي أداه في تأسيس علم الرياضيات الحديثة ، فحتى مكان ولادته ظهرت بشأنها تفسيرات عدة .

فيما يبدو جليا من اسمه أن أصله يعود الى مدينة خوارزم في آسيا الوسطى ، يضيف الطبري في تاريخه لقب "القطربولي" الى اسم أبي جعفر ، وقطربول اسم منطقة بين دجلة والفرات غير بعيدة عن بغداد ، وما يرجح أن أسلاف الخوارزمي جاؤوا من آسيا الوسطى فيما ولد هو في العراق ، لكن بعض الباحثين العرب يقول أن سبب الإلتباس إساءة قراءة علماء غربيين لنص الطبري .

ولد الخوارزمي في الوقت الذي أصبح فيه هارون الرشيد خليفة وفي عهد إبنه المأمون عمل في بيت الحكمة على ترجمة الأعمال العلمية اليونانية مع عدد كبير من العلماء ، وبرزت في هذه الأثناء مواهب الخوارزمي بعدما بحث في علمي الجبر والفلك وأهدى إثنين من كتبه الى الخليفة المأمون .

أما أشهر بحوثه فجاءت في كتاب حساب الجبر والمقابلة الذي يعتبر أول كتاب عن الجبر والذي ظهرت فيه للمرة الأولى كلمة جبر المستخدمة حتى اليوم ، وبدا أن الخوارزمي حاول وفق ما يقول في مقدمة كتابه تسهيل أعمال الناس في تقاسم الإرث والقضاء والأمور التجارية إضافة الى قياس مساحة الأراضي وشق الأقنية ، لكن ذلك شكل إضافة طفيفة الى الإنجاز الحقيقي للخوارزمي الذي يعتبر من أبرز آباء انطلاقة الرياضيات النظرية .

استخدم الخوارزمي الكلمات وحدها من دون الرموز الرياضية المعروفة اليوم في صياغة المعادلات ، فإذا أراد الإشارة الى معادلة من الدرجة الثانية والتي تكتب اليوم س2 + 10س = 39 وبالأحرف اللاتنية على سبيل المثال تكتب تربيع زائد عشرة جذور يساوي عشر وحدات وعلى هذا المنوال ... والمعادلات التي شرحها الخوارزمي في حساب الجبر والمقابلة هي خطية وقصد بعبارة "الجبر" الاتمام و"المقابلة" التوازن .

لذلك فجميع المعادلات قابلة للإختزال ويبين طريقة إلغاء العامل السالب منها ، وقد أثارت البراهين الهندسية التي استخدمها الخوارزمي للدلالة على صحة مقولاته الجبرية عدم اتفاق بين العلماء المعاصرين وخصوصا أنها تتعارض مع نظريات إقليدس التي أدرجها في كتابه الشهير "العناصر" بل أن عددا من العلماء يقول أن الخوارزمي ربما لم يطلع على الكتاب الذي كان معروفا في بغداد ، فيما يعارض آخرين هذا الرأي ويؤكدون لابد أنه اطلع عليه خصوصا أنه عمل في بيت الحكمة الذي كان يضم الكتاب بالتأكيد .

ومسألة كتاب العناصر تعني العلماء المعاصرين كونه يشكل بتعريفاته ومحورياته ومسلماته أسس البراهين الرياضية التي ما زالت مستخدمة حتى اليوم ، وعند بروز عالم رياضي يتجاهل هذا المنحى كالخوارزمي فإنه لا يلقى إرتياحا في الأوساط العلمية ، وقد يكون الإنجاز الأبرز للخوارزمي هو حله للمعادلات الخطية ذات المجهول الواحد عبر إيجاد الجذور لها والعمل على تفسيرها بأسلوب علمي بعيد عن غوص ديوفانتس في نظرية الأرقام ، ويكفي هذا حتى يكون الخوارزمي مؤسس علم الجبر وأهم رياضي في عصره وأحد أهم علماء الرياضيات في جميع العصور .

كتب الخوارزمي بحثا في الأرقام الهندية وضاع الأصل العربي لكن نصا لاتينيا مترجما ظل يدرس لفترة طويلة ويحمل عنوان " الخوارزمي عن فنون فن الحساب الهندي " ومن العنوان اللاتيني ظهرت كلمة لوغاريتم أو نظام الحساب العشري ، ويعود الفضل الى الخوارزمي في البدء باستخدام الصفر كرقم في النظام الحسابي .

 وعلى الرغم أن العلماء يتفقون أن اكتشاف الصفر تم في الهند الا أنهم يعيدون الفضل الى الخوارزمي في إدراجه ضمن منظومة حسابية منهجية ، ويبقى الخوارزمي أحد ابرز علماء الرياضيات بوضعه أول الأعمال عن الجبر والتي كانت طوال قرون مصدر معرف العالم بالرياضيات التي اعتمدت الأرقام العربية والهندية .

عبد الهادي محيسن .. باحث وكاتب