2020-12-16 15:02:44

سقوط " مثال " الديمقراطية / بقلم السيد صادق الموسوي

سقوط " مثال " الديمقراطية / بقلم السيد صادق الموسوي

سقوط " مثال " الديمقراطية / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 16 كانون الاول 2020

منذ أن وصل كريستوفر كولومبوس في عام 1492 إلى الأرض الجديدة وهو يقصد بلاد الهند، ومنذ أن استعمرت بريطانيا تلك البلاد عام 1588 وجعلتها منفى للمجرمين الخطرين..

 ومنذ أن توافد القادمون من أقطار الأرض إلى القارة المكتشفة ليستوطنوا فيها بدلاً من أهلها الأصيلين، وبعد حروب طاحنة قُتل فيها مئات الألوف في سبيل فرض الوافدين سلطتهم على أصحاب الأرض الحقيقيين، وبعد أن اندلعت الحرب في العام 1775 بين اصحاب السلطة الجدد وبين الدولة المستعمرة بريطانيا العظمى بغية الإستقلال عنها، وبعد استعانة الثوار على المستعمر البريطاني بالمستعمر الآخر الفرنسي، وبعد جولات من الحروب الطاحنة انهزمت بريطانيا واعترفت باستقلال تلك البلاد، وتأسست الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776 وقدمت فرنسا لهذه الدولة الوليدة كعربون تقدير النصب التذكاري الذي يرمز إلى الحرية، فتمّ نصبه في موقع مهم في جزيرة صغيرة تسمّت باسم " جزيرة  الحرية " قبالة مدينة نيويورك، وأصبحت هذه الدولة ترفع شعار الحرية وتدعو إلى مساندة الشعوب التائقة للتحرر من أنظمة الجور والقمع في كل بقاع العالم، وبعد سنوات صدر قانون يعطي الحرية للذين اتى بهم المستولون الجدد على الأرض من القارة الأفريقية، وفُرض عليهم الرق طيلة قرون، واستُعملوا عبيداً لتأمين إنتاج المزارع الكبيرة مقابل تقديم قليل من الطعام إليهم، وهنا صارت الولايات المتحدة عند كثيرين مثالاً للمساواة بين اعراق البشر وأنموذجاً لإزالة التمييز العنصري تجاه أصحاب البشرة السوداء.

لقد تهافت الناس من مختلف البلاد التي تقع تحت سلطة حكام جائرين إلى أمريكا وهم يبغون العيش كأحرار في معتقداتهم وأفكارهم وسلوكهم، وآمنين من بطش السلاطين وقمع الجبارين، وكانت الفرحة تملأ وجوه القادمين من دول لا تعتني بسعادة مواطنيها لحظة تطأ اقدامهم الأرض الأمريكية، وهم كانوا يصبرون على ألوان المصائب التي تسدّ طريق تحقيق أمنيتهم، ويتحملون أنواع المخاطر الحقيقية أثناء الإنتقال من بلادهم البعيدة إلى حدود الولايات المتحدة، ثم كانوا يبذلون الغالي والرخيص للمافيات التي تؤمن نقلهم بصورة غير قانونية إلى داخل أراضي أمريكا، وهناك كانوا يرضون بكل أنواع العمل الشاق والمذلّ أحياناً وذلك في سبيل تأمين لقمة العيش البسيطة لأنفسهم وتوفير قليل من المال وإرسالها إلى ذويهم، لكن في مقابل كل هذا الشقاء  كان الهدف المقدس هو العيش في ظل الحرية.

إن وقائع السنوات الأخيرة وأثناء الفترة الرئاسية لدونالد ترامب وأجواء المنافسة الإنتخابية الحامية بينه وبين جو بايدن كشفت الحقائق التي لم يكن من الممكن الوصول إليها، حيث تبين مدى تجذر العنصرية في النفوس، والحيف اللاحق بحق المواطنين من ذوي البشرة السمراء، ورأى العالم كيف يُقتل المواطن الأسود في بلاد احترام حقوق الإنسان خنقاً وبالرصاص الحي وليس عن طريق الخطأ أو لمرة واحدة فقط، ويتنطح الرئيس الحالي بكل وقاحة لتبرير تصرف الشرطي الأبيض اللون بدافع عنصري بغيض، وهو من الناحية الدستورية المسؤول عن الأمة الأمريكية بكل ألوانها ومعتقداتها دون تمييز، بل إن الرئيس الذي يدين عمليات الإعدام هنا وهناك في دول العالم دعا مرات إلى إعدام المتظاهرين السلميين في بلده، وحرض المجاميع ذوي التوجهات العنصرية على النزول بكامل أسلحتها إلى الشوارع الرئيسية في مختلف المدن والتعرض لمن يطالبون بحق الحياة الشريفة، وأن يحق لهم " التنفس " كما لغيرهم من دون أن يقدم الشرطي الأمريكي على خنقه بوضع ركبته على رقبته حتى يلفظ أنفاسه، والسماح لهم في التعبير عن رغباتهم ومطالبهم من دون أن توجّه إلى صفوفهم سيارات الشرطة لتصدم المتظاهرين وتوقع الناس العزّل بين قتيل وجريح، وإن استمر المواطنون في تحركاتهم صدرت الأوامر لقوات البوليس لتوجّه الرصاص المطاطي والحي إلى صدور حشود المعترضين، وإن توانت هذه القوات أو تعللت في المواجهة صدرت الأوامر الرئاسية بتدخل الحرس الوطني، وإن عجز هو الآخر عن تفريق الجماهير المليونية طُلب من الجيش الأمريكي النزول إلى الشوارع ومواجهة المتظاهرين السلميين والتصرف بكامل الحرية لقمع الجماهير المليونية المطالبة فقط بحق الحياة الكريمة لمن خُلقوا دون إرادتهم سُمر البشرة على قدم المساواة مع أصحاب اللون الأبيض.

إلى هنا،

 شاهد العالم كله كيف انهار مثال الحرية الدي كان يتخيله الناس في الواقع الأمريكي...

 لكن،

 التطورات في ما بعد يوم الإقتراع لانتخاب الرئيس الجديد كشف أمراً هامّاً آخر ظل خافياً عن عيون الناظرين، حيث تبين أن أصوات المقترعين ليس لها دور مباشر في انتخاب الرئيس الأمريكي، بل إن التصويت الشعبي يذهب لأشخاص معينين يشكلون جميعهم مجمّعاً إنتخابياً، وهؤلاء هم أصحاب القرار النهائي لإعلان الفائز في الإنتخابات.

ثم إن الرئيس الذي يجب أن يكون حامي الدستور والساهر على تنفيذ القانون قد شاهد العالم كله كيف يتمرد علانية على القوانين الصادرة من السلطة التشريعية، ويضع الفيتو على قرارات مجلسي الشيوخ والنواب بدل التنفيذ لها، ويخالف أحكام القضاء، ويرفض الإنصياع حتى للقرار الصادر من المجمع الإنتخابي، ورغم تخلي جملة من القادة الجمهوريين عنه واعتراف رئيس مجلس الشيوخ الجمهوري بفوز بايدن، فإن ترامب يظلّ يصرّ على مزاعمه  من دون أن يكون لديه أي دليل..

 ثم إنه يدعو أنصاره في كافة الولايات للإحتشاد بالعاصمة واشنطن محملين بالعصي والهراوات والأسلحة النارية وذلك رفضاً للقرار الحاسم القاضي بفوز منافسه في الإنتخابات، وهو يأتي إليهم في موكب رئاسي ليشجعهم على سلوكهم غير القانوني وينفخ فيهم روح التمرد والعصيان، بل يستقل أيضاً الطائرة الرئاسية ومعها طائرات المواكبة والحماية للتحليق فوق المحتشدين لإعطائهم مزيداً من شحنات الدعم، وهو حتى اليوم لا يزال يؤكد عدم قبوله بالنتائج ويعلن إصراره على حصول عمليات تزوير وتلاعب كبيرين بالأصوات، بل إنه شبّه بلاده قبل أيام وبكل وضوح بدول في العالم الثالث حيث لا مكان فيها للإنتخابات الحرة ولا احترام لإرادة الشعوب، ونتيجة لهذا الجو المنقسم عاموياً وأفقياً فإن دونالد ترامب الأرعن وأنصاره البالغ عددهم حوالي 74  مليون أمريكي سيظلون يطعنون بشرعية الرئيس القادم، فيتمردون على القرارات التي ستصدر من البيت الأبيض طوال السنوات الأربعة القادمة، وهذا سيؤدي إلى انفصام كلي للمجتمع الأمريكي المتفسخ أصلاً ويضعضع أركان الدولة المركزية، وهنا يكون " مثال " الديمقراطية أيضاً قد سقط بعد سقوط " مثال " الحرية، فنقترح إذن أن تتم إزالة " تمثال " الحرية من مكانه في العاصمة الإفتصادية للولايات المتحدة ونقله إلى دولة أخرى في هذا العالم يتم فيها احترام أصوات المقترعين دون تحكم أحد بها، ويلتزم الرئيس فيها طوعاً باحترام نتائج العملية الدستورية، ولا يشاغب ولا يتمرد على نتيجة صناديق الإقتراع، ولا يستعين بالبلطجية لبث الرعب في المجتمع وفي محاولة لإخافة قضاة المحاكم وأعضاء المجمّع الإنتخابي قبيل إعلانهم النتائج القطعية وتسمية الفائز في الإنتخابات الرئاسية وتعيين الرئيس الجديد، وهذا النموذج تبين للقاصي والداني اليوم أنه ليس موجوداً فعلياً في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شاهد الجميع العنف المفرط في التعامل مع المتظاهرين السلميين، وشاهدوا أيضاً إطلاق النار وقتل قوات الشرطة المدججين بأفتك انواع السلاح للمواطنين العزّل، وتابعوا أخبار الرئيس وهو يجسد في سلوكه حقيقة الديمقراطية الأمريكية بعيداً عن عمليات التلميع والتجميل بمختلف أنواع المساحيق والكريمات والزيوت، وهذا هو واقع سلوك المنافقين عبر التاريخ حيث خصص الله سورة في كتابه المجيد، وفيها بعد البسملة مباشرة فضح كامل لطريقة عملهم ومحاولتهم بكلامهم المعسول حتى خداع رسول رب العالمين، فلعل الأمم طوال التاريخ تتحصن من مكائدهم من خلال التعرف على طريقة خطابهم ولحن القول في كلامهم حيث يقول الله سبحانه:

 ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي