2018-08-31 14:02:08

الإنترنت ما له وما عليه/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الإنترنت ما له وما عليه/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الإنترنت ما له وما عليه/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الإنترنت ما له وما عليه/ بقلم الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسُولُهُ والمؤمنون وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة فيُنبئكم بما كنتم تعملون)) سورة التوبة.

نعيش اليوم زمن التقدم التكنولوجي الكبير في صناعة الأجهزة والآلات التي أضحت تغزو كل بيتٍ وكل مؤسسة وكل شركة، وأصبحت حياة كثيرٍ من الناس مرتبطة بالمكننة والتقنيات الحديثة ارتباطًا وثيقًا في شتى الميادين، فاختلف الزمان حتى أضحت الأرض كأنها قرية صغيرة حيث يمكن لمن في أقصى الشرق أن يتحدث مع من هو في أقصى الغرب كما يشاء كتابةً أو صوتًا مصحوبًا بالصورة وكأنهما يجلسان في غرفة واحدةٍ رغم المسافات الشاسعة التي تحُول بينهما في الحقيقة، وتبدَّلت الوسائل التي كان يتعاطاها الناس على مستوى النقل أو على مستوى المحادثات أو الإعلام أو العمل التجاري والصناعي،  وما زال هذا التطور مستمرًا يومًا بعد يومٍ ولا ندري إلى أين سنصل بهذه الوسائل وما ستشهده الأيام القادمة من الإنجازات والاكتشافات.

 

بين الأمس واليوم

وما كل ذلك إلا بعض ما شاء الله تعالى للناس أن يعلموه ويشتغلوا به في آخر الزمان وربنا عزّ وجل يقول: ((يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)) سورة الروم.

قال علم الهدى الماتريدي في ((تأويلات أهل السنة)) في هذه الآية: ((يعلمون معايشهم وتجاراتهم وحرفهم وجميع الأسباب والمكاسب والحِيَل التي بها تقوم أمور الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أي لا يؤمنون بها)).

ولو أردنا أن نعمل مقارنةً بسيطةً بين واقعنا اليوم وبين تاريخنا الماضي لرأينا العجب بكل معنى الكلمة وذلك أن كل هذه الوسائل لم تكن معروفةً في زمن سلفنا الصالح ومع ذلك فقد كانوا أكثر علمًا وهدىً وخبرةً في شؤون الحياة وأحسن سياسةً لأمور الناس ورعايةً للمصالح العامة وحفظ البلاد والعباد.

ونرى اليوم رغم كل هذه الوسائل أننا أقل شأنًا في كل ذلك وأن كثيرًا من الناس قد انسلخوا من الإيمان ومكارم الأخلاق وتجرَّدوا من ثوب الاستقامة، مما يعني أن الآلة وحدها لا تكفي لرُقي الإنسان وأن التكنولوجيا بمفردها غير كافيةٍ لحضارة الشعوب وتقدم الأمم.

ولا يعني ذلك أننا ندعو إلى الإعراض عن كل هذا الكم الكبير من الصناعات المتقدمة والإنجازات العلمية الحديثة التي سهَّلت للإنسان القيام بأعمالٍ كثيرةٍ كان يصعب عليه القيام بمثلها لولا هذا التطور التكنولوجي العجيب.

 

لنحفظ تراثنا العظيم

ولكننا نقول: ينبغي أن يُعلم أن هذا كله لا يُلغي الأصول والثوابت والمبادئ التي درجَت عليها الأمة جيلاً بعد جيلٍ ولا يسعنا أن نغُضَّ الطَرف عن تراثنا العظيم الذي يدعو إلى العلم والعمل والمعرفة بأمور الدين والدنيا التي تبنى عليها مصالح الناس، والذي ما زال رغم تراكم السنين ساطعًا بالنور دليلاً على مناهج الصالحين الذين يعمُرون الأرض بما أمر الله به وأرسل رسله الكرام بالدعوة إليه ليُخرجوا الناس من الظلمات إلى النور. وإن أول ما أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ((إقرأ باسم ربك الذي خلق)) إلى قوله ((علَّم الإنسان ما لم يعلم)) سورة العَلَق. والمعنى رزقه علم ما لم يكن يعلم وذلك شاملٌ لعلوم الدين والطب والهندسة والمِهَن وغير ذلك.

إن العمل على مواكبة آخر التطورات الصناعية التكنولوجية على اختلاف أنواعها للاستفادة من تلك الإنجازات واستخدامها فيما يعود بالنفع على المجتمع شيءٌ حسن بلا شك، ولكننا نرى أن كثيرًا من العاملين والناشطين في تلك الوسائل المتعددة الواقعة تحت أسماء شتى ((واتس اب)) ((فايس بوك)) ((تويتر)) وغير ذلك من البرامج قد غرقوا وتخبطوا فيها خبط عشواء، ذلك أنها اخترقت قلوب وعقول أبنائنا واستحكمت في بيوتنا حتى صارت كأنها من ضروريات الحياة، وصرنا نشهد اليوم جيلاً لا يعرف سبُل المعايش ولا يُدرك حجم المسؤوليات الجِسام الملقاة على عاتق الشباب لأنه لا ينظر إلى الحياة إلا من خلال عدسة ((الإنترنت)) وما يتبع ذلك من الوسائل، وبالتالي تشب الأجيال على خلاف الأمل المنشود وعلى خلاف التوقعات التي كان الآباء يرجونها، فما أحوجنا إزاء ذلك أن نعمل على حفظ تراثنا الإسلامي الحضاري المشرق وتثبيته في نفوس الناشئة.

 

مخاطر ((الإنترنت)) وبعض الألعاب الالكترونية

وهذا يستدعي منا إعادة النظر مرة بعد مرةٍ في عاقبة تعلُّق الناشئة بهذه الوسائل وصرف كل وقتهم وجهدهم في التعمق في معرفة تفاصيلها وأسرارها، وقد أدى هذا ويؤدي شيئًا فشيئًا إلى تفكك الأسر وتمزق الروابط بين الإخوة وأبناء العمومة أو الخؤولة حيث راح كثيرٌ من الناس يهدرون الوقت أمام الآلات الإلكترونية واستعاض كثيرٌ منهم عن التزاور والتواصل وعن مساندة الأقارب بعضهم لبعضٍ بكُليماتٍ يتبادلونها عبر هذه الوسائل ولا شك أن هذا خلاف ما نصبو إليه ومن هنا كان لا بد من التنبيه إلى مخاطر ((الإنترنت)) فنقول:

لا شك أن العمل في حقل التكنولوجيا وما تضمنته من وسائل عديدةٍ مفيدٌ جدًا إن أحسنَّا استخدام ذلك بأن كان القصد من ورائه إفادة المجتمع بنشر العلم والخير والفضيلة والتوعية المطلوبة حيث قد دخل الإنترنت كل بيتٍ وأصبحت مزاولة شريحة كبيرة من الناس لأعمال الإنترنت كمزاولة الطعام والشراب ولربما أكثر حتى لا يُفوِّت على نفسه فرصة التواصل والبحث في آخر ما تتيحه هذه الشبكات العنكبوتية التي عششت في الزوايا وأصبحت جزءًا من حياتهم اليومية.

ولكننا نرى أن أغراض الناس من استخدام هذه الوسائل متفاوتة وأكثرهم يستعملها فيما لا خير فيه مما يؤدي إلى ضياع الأوقات، أو يكون استعمالهم لها في الضرر البحت فيقع هذا الشاب أو تلك الفتاة فريسةً سهلة بين يدي الشيطان الرجيم، والأمثلة كثيرة على ما شهده هذا العصر من فسادٍ وجهلٍ وضياعٍ واغترارٍ بالذين يخططون لهدم صروح مجد الأمة جرَّاء افتتانهم بحضاراتٍ مزعومةٍ وتتبُّعهم هذه الوسائل مع إساءة استخدامها، فقد أدمن كثيرٌ من الناس لا سيما الناشئة على الجلوس أمام شاشات الإنترنت حتى شغلهم ذلك عن القيام بالأمور المهمة، فكم من مفتونٍ ترك بسبب ذلك الصلاة وضيَّع ما افترضه الله عليه من بر والدين وصلة أرحامٍ وغير ذلك.

وكم رأينا من هلك بصحبة رفقاء السوء الذين يتصل بهم بطريق الإنترنت بأن جرُّوه إلى الفجور فأصبح معربدًا لا همَّ له سوى الدخول في غُرف الدعارة ومتابعة أخبار المومسات، ناهيك عمَّا يتمُّ عبر ((الإنترنت)) من عمليات احتيالٍ وابتزازٍ بغية سرقة الأموال أو هتك الأعراض، وما ينتشر من تحريضٍ ودعواتٍ مشبوهةٍ في شبكات التنظيمات المتطرفة التي كان الإنترنت هو العمود الأساس لها في تضليل الناشئة واستمالتهم تحت مسمى الجهاد وتحت ذرائع شتَّى، كذلك الاشتراك في منتديات حوارٍ واتصالاتٍ مشفَّرةٍ مع أهل الأهواء فيتأثر الجاهل بما يلقيه هؤلاء الشياطين فيجره ذلك إلى الفسق أو إلى الكفر أو ممارسة ألعاب مضرة معينة وهذا ما شهدناه في الآونة الأخيرة حيث انتشرت ألعاب إلكترونية مثل لعبة تسمى ((الحوت الأزرق)) ولعبة أخرى تسمى ((مريم)) ينخدع بها السُذَّج فيتمادون في تعاطيها حتى يصير أحدهم أسيرَ ما توجهه إليه هذه اللعبة إلى حدِّ أنه يُعطل عقله تمامًا ويقوده ذلك إلى الانتحار، وقد شهدنا في بعض البلاد العربية عددا من حالات الانتحار نتيجة هذه الألعاب.

ولا يخفى فوق ما تقدّم إهمال مدمني الإنترنت لحياتهم الاجتماعية وواجباتهم تجاه أولادهم وزوجاتهم أو والديهم وما يؤدي إليه إدمان النظر في ((الإنترنت)) من ظهور الاضطرابات النفسية كالإصابة بالقَلق جرّاء السهر المفرط وعدم أخذ القسط الكافي من الراحة لينشط البدن.

 

متمشيخو الإنترنت

هذا وصرنا نرى زيادةً على ذلك خطرًا من أبلغ المخاطر وهو أن كثيرًا من الناس قد تركوا مجالس العلم والسعي لطلب ما يحتاجونه من أمور الدين وصاروا إذا احتاجوا إلى معرفة حكمٍ أو فهم مسألةٍ هُرِعوا إلى ((غوغل)) وراحوا يفتشون في برامج الإنترنت عن أمور دينهم وكأن هذه الآلات شاهد عدل يُرجع إليه في تقرير الفتاوى الشرعية، مع العلم أن كثيرًا من الذين تتصدر تسجيلاتهم ومحفوظاتهم هذه البرامج ليسوا ممن يُعتد بهم أصلاً، بل ولم يسبق لهم أن درسوا العلم وأستأهلوا التدريس، فجاهلٌ يُكذِّب القرآن والحديث فينكر عذاب القبر عنيت علي منصور الكيالي، وثانٍ يزعم أن نبي الله موسى عليه السلام كان جاهلاً بربه وأنه سأل الله فقال: ((يا رب هل تنام)) كما تداول ذلك بعض الرَعاع، وآخر يزعم أن الله لم يخلق الشر فيكذّب بذلك كلمة لا إله إلا الله ويجعل لله شريكًا في الخلق، قصدت محمد راتب النابلسي، وخبيثٌ يدافع عن إبليس ويزعم أنه لم يكفر بالله فيكذب قوله تعالى: ((إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)) سورة البقرة، وهو المدعو عمرو خالد، وكل هذا ثابتٌ في تسجيلاتٍ محفوظةٍ بأصواتهم، وهو ضلالٌ مبينٌ وخروجٌ من ملة المؤمنين. 

 ولو رجع المتتبع لمقالات كثيرٍ من متصدري ومتمشيخي ((الإنترنت)) إلى كتب العلماء المعتبرين لوجد اختلافًا شاسعًا بين أعلام الهدى ومتمشيخي ((الإنترنت)).

وهذا كله جزءٌ يسير من مخاطر جمة باتت تتأتى بطريق ((الإنترنت)) وهو ما يستدعي منا التصدي بحزم من خلال الإرشاد والتوعية على المستوى المطلوب لنحفظ أنفسنا وأهلنا وأجيالنا قبل أن يستفحل هذا الشر أكثر فأكثر والله المستعان والحمد لله أولاً وآخراً.