2020-11-30 10:12:27

خاص الشـراع / حروب جبران باسيل الرئاسية

خاص الشـراع / حروب جبران باسيل الرئاسية

خاص الشـراع / حروب جبران باسيل الرئاسية

مجلة الشـراع 30 تشرين الثاني 2020

حرب غير معلنة يشهد لبنان احد أخطر فصولها حالياً وتتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية المقررة بعد أقل من سنتين.

الحرب هذه يخوضها فريق العهد الرئاسي الحالي وهدفها ضرب كل المرشحين المنافسين لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل مرشح الرئيس ميشال عون لخلافته كما سبق للاخير ان اعلن في غير لقاء ومناسبة.

ووفق هذه القاعدة فان التعاطي مع اي ملف مطروح اليوم او اي  قضية مثارة ، او اي مشكلة مستجدة يتم من خلال النظرة الى انعكاسها على الترشيح الرئاسي لجبران باسيل سلباً او ايجاباً ، كأن عقارب الزمن باتت مرهونة بهذه المسألة الحيوية بالنسبة لحاملي لوائها، وهو أمر يشبه التجديد او التمديد للرئيس الحالي ولكن على قاعدة تعيين الصهر بعد العم ، رغم ان العديد من المراقبين يعتبر ان انتخاب جبران رئيساً يعني التجديد له ولاية جديدة كونه الرجل الأقوى في الولاية الحالية.

ومنذ اعلان فرض العقوبات الاميركية على جبران باسيل أخذت معركة الرئاسة ضد خصوم جبران طابعاً جديداً وتصاعدياً، من خلال سلسلة من التدابير والاجراءات والمواقف للرئيس عون ، والتي تجسدت على وجه الخصوص عبر الكلمة غير العادية التي القاها بمناسبة عيد الاستقلال وعبر الرسالة الموجهة من قبله الى مجلس النواب حول ما يسمى التدقيق الجنائي.

وفي الصورة الجديدة لعون الرئيس كما يصفه معارضوه وخصومه، حاول ان يقدم نفسه كقائد ثورة او قائد انقلاب وهو التعبير الأدق ربما ، مستعيداً في خطابه للبنانيين ما كان يخاطب جمهوره به في العام 1988، اي كرئيس حزب او ممثل لفئة او جماعة او حزب وليس كرئيس للبلاد والدولة والمؤسسات، من خلال دعوته الجميع للسير معه والوقوف خلفه، في بلد متنوع وغني بالتعدد ومثقل بالانقسامات ودائماً من منطلق ان خياراته هي الصائبة وان مواقفه هي الكفيلة باخراج البلد من محنه غير المسبوقة.

وفي رسالة الاستقلال ، لم يوفر عون احداً في هجومه السياسي ، ولم يترك فريقاً الا ورمى عليه مسؤولية ما آلت اليه الامور في عهده، تعبيراً ربما عما يصيبه من خيبات واخفاقات متلاحقة حكمت السنوات الاربع الماضية من ولايتهوتنذر بان يكون عهده الاسوأ في تاريخ لبنان ، او تعبيراً عن وصول حالة الانكار لديه الى مرحلة متقدمة ، في ظل حالة الانكار العامة التي يعيشها سياسيو لبنان ككل حيث يعيشون في واد بينما البلد وشعبه وأزماته في واد اخر.

ورداً على استهداف جبران باسيل منذ الايام الاولى لحراك السابع عشر من تشرين الاول – اكتوبر في العام الماضي والوصول الى حد "شيطنته" من قبل شرائح واسعة من المتظاهرين، فان العمل جار اليوم من اجل "شيطنة " اي مرشح محتمل للرئاسة ويمكن ان يحظى بشروط تضمن ان يكون اسمه في عداد "كلمة السر" الرئاسية التي تحدد عادة من يكون الرئيس المقبل وهي كلمة سر دولية – اقليمية.

وفي مقدمة تلك الاسماء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ، المستهدف بشكل ممنهج ومدروس ومستمر ، لتحمليه مسؤولية أزمة مالية ونقدية هي الأخطر في تاريخ لبنان ، علماً ان مثل هذا الامر لا يتوقف على شخص او مؤسسة بقدر ما يشمل تركيبة نظام وسلطة وتوجهات وطبقة سياسية  فاحت روائح فسادها وارتكاباتها حتى ملأت كل الارجاء.

ومشكلة رياض سلامة مع باسيل الذي حاول استخدام حكومة حسان دياب لاقالته قبل تدخل العاقلين للحؤول دون ذلك، كانت وما زالت انه مرشح محتمل للرئاسة ومنافس للصهر المدلل ، فضلاً عن رفضه ان يكون اداة طيعة من اداوته والتزامه بالمقابل بما تنص عليه القوانين ، فدفع الثمن مرتين: مرة بسبب السياسات المتبعة وقرار عزل لبنان من الخارج ، ومرة بسبب احتمال ان يكون مرشحا للرئاسة.

وبالطبع فان هذا الكلام لا يهدف الى الدفاع عن رياض سلامة،في  ظل مطالبته بالكشف عن مصير ودائع اللبنانيين في المصارف، الا ان تحميله كامل المسؤولية عما حصل ويحصل او عما آلت اليه الامور في البلاد مبالغ فيه ، ويراد من خلاله التعمية والتستر على المتسببين الفعليين بالازمات التي ما كان لحتدم بهذا الشكل غير المسبوق لولا حالة الحصار المفروضة على لبنان.

فماذا عن العجز في قطاع الكهرباء  المحتكر من قبل باسيل ومن يعينهم ، وهو عجز  تجاوز وحده حدود الاربعين مليار دولار ؟ وماذا عن الرشاوى الانتخابية التي تسابق كل اطراف الطبقة السياسية الى المضي بها عبر اقرار سلسلة الرتب والرواتب في قطاع عام هو الاكبر في العالم نسبة لعدد السكان ومن دون ان يكون هناك الايرادات التي يمكن من خلالها تأمين النفقات المترتبة عن هذه السلسلة.

وما ينطبق على الحملة المتصاعدة ضد سلامة ،ليس قائد الجيش العماد جوزف عون بعيداً عنه ، وجاءت التسريبات  - من باسيل نفسه على الارجح- التي تولتها صحيفة يومية الاسبوع الماضي، حول ما كان يدور بينه والسفيرة الاميركية في لبنان دوروثي شيا سوى احد الامثلة على ما يجري بالنسبة للسعي الى "شيطنة" العماد جوزف عون وضرب حظوظه المرتفعة في ان يكون مرشحاً قوياً للرئاسة.

وبدا واضحاً ان  التسريبات المشار اليها توخت تلميع صورة جبران باسيلوخصوصاً امام حزب الله اولاً ومحاولة تشويه صورة قائد الجيش ثانياً من خلال الكشف عن ثلاثة شروط طالبت السفيرة الاميركية  باسيل بها,بعد ان كان الاخير كشف الشرط الرابع المتعلق بفك او فرط العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر.، مقابل عدم ادراج اسم جبران في لائحة العقوبات الاميركية.

والشروط الاميركية الثلاثة المتبقية تتعلق بقائد الجيش والتمسك به ودعمهاولاً،والتمديد لمدير الاستخبارات السابق في المؤسسة العسكرية ثانياً ،ودور الجيش في مفاوضات ترسيم الحدود مع الكيان الصهيوني. 

ومع ان في ذلك اساءات بالجملة تطال المؤسسة العسكرية الوطنية ودورها الجامع الذي يمثل ضمانة للاستقرار والامن والسلم الاهلي، اضافة الى محاولة العبث بصورة قائد الجيش المشهود له بمناقبيته وانضباطه فضلاً عن ولائه الوطني، فان الحرب الضروس من اجل ايصال جبران الى الرئاسة تحولت الى حرب شعواء وما يهم منها في سياق الاحلام الرئاسية المشار اليها هو نتائجها بصرف النظر عن الاثمان المترتبة والناجمة عنها.

حرب عنيفة  ضد كل المرشحين المحتملين ، لا بل حروب لا رحمة فيها وعلى اكثر من جبهة وهدفها واحد ووحيد وهو ضمان خلافة باسيل لعون في الرئاسة.

وقد حقق باسيل خطوات على هذا الصعيد من خلال العمل على ابعاد الاخريناو هز صورهم امام الرأي العام ، ومن الواضح تماماً انه في الوقت الذي يعمل فيه على قطع الطريق على اي مرشح اخر فانه يريد ان يظهر نفسه بطلاً مقداماًوشجاعا ويرفض العمالة لواشنطن او لاي طرف دولي اخر .

وبات من المعروف ان ما كان يرجوه دائماً قائم على  اتباع القاعدة التي كان اطلقها النائب السابق سليمان فرنجية والقائمة على وعد يقطعه امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله له بان يكون مرشحه للرئاسة في الدورة المقبلة ، على غرار ما كان حصل عندما قطع وعداً مماثلا للرئيس ميشال عون وضمن وصوله الى قصر بعبدا ولو تطلب الامر بعض الوقت.

واول المعايير في اختيار نصرالله للمرشح للرئاسة هو عدم الانصياع للاميركيين او الخضوع لشروطهم وطلباتهم وبما يحفظ سيادة لبنان واستقلاله ورفضه للاملاءات ، وقد استطاع باسيل ضمن سلة المعايير هذه ان يتقدم على ابرز المرشحين في السباق الى بعبدا.

الا ان كل ذلك لا يعني ان الامور حسمت بالنسبة لتبني حزب الله ترشيح باسيل ، وكما كانت ذكرت "الشراع" في اعداد سابقة وطبقا" لمعلومات مؤكدة فان حزب الله لا يرى ان الوقت مناسب اليوم لفتح معركة الرئاسة، كما يعتبر ان من المبكر جدا البحث فيها اليوم، وان الامور رهن بمواقيتها ، مع تقدير الحزب بالطبع لمواقف باسيل لاسيما ازاء الولايات المتحدة ورفضه الانصياع لاملاءاتها.

وبالنسبة للمرشحين الاخرين وفي مقدمتهم النائب السابق سليمان فرنجية ،فان الحملات لم تهدأ ضده والمواقف معروفة في هذا السياق، ووصل الامر بجبران باسيل عندما اعلنت العقوبات على يوسف فنيانوس الى حد انه هلّل بهذه العقوبات التي عاد وتجرع  من كأسها.

وحتى الموقف من الرئيس سعد الحريري يعود الى رفضه ان يكون جسرا لوصول باسيل الى الرئاسة الاولى، فمعادلة جبران مقابل سعد كان وما يزال يراد منها ايصال رئيس التيار الوطني الحر الى قصر بعبدا وليست محصورة بعملية التوزير في الحكومة. ويجزم مصدر مطلع في هذا المجال ان عملية تشكيل الحكومة الجديدة يمكن ان تصل الى خواتيمها الايجابية في اسرع وقت في حال وافق الحريري على ان يكون جبران خلفا لعمه، وبما يعيد انتاج التسوية الرئاسية بين عون والحريري التي بنيت الاول رئيسا للجمهورية والثاني رئيسا للحكومة قبل ان ينفرط عقدها وتدخل في مندرجات طموحات جبران الرئاسية.

كما ان الموقف من الحريري و في بعض جوانبه تغلفه الخشية من قيام تحالف يضم الى زعيم المستقبل الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط من اجل المضي بعملية ضمان وصول فرنجية الى الرئاسة الاولى.

اما بخصوص ترشيح رئيس حزب القوات سمير جعجع فانه مستبعد في هذه الظروف الحالية والقريبة المقبلة، طالما بقي حزب الله وحلفاؤه في المنطقة حاضرون بقوة ، علماً ان رهانات باسيل بالوصول الى بعبدا تركز على بدء المرحلة الجديدة في واشنطن بعد اتضاح صورة الموقف في الولايات المتحدة باتجاه خروج دونالد ترامب وحلول جو بايدن محله في البيت الابيض ، كما ورد في مقال سابق ل"الشراع" بعنوان "باسيل يلعبها صولد طمعا بالرئاسة".

وابرز ما ورد في هذا السياق هو ان باسيل يترقب وينتظر تسلم بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة من اجل معاودة المفاوضات مع ايران ، ليضمن مع العودة الى الاتفاق النووي مع طهران كما تعهد الرئيس الاميركي المنتخب ولادة اجواء ومناخات جديدة تؤدي الى ضمان انتخابه رئيساً مثلما أدت الظروف السابقة التي رافقت التوصل الى الاتفاق المذكور انتخاب عون رئيسا للجمهورية.

وفي ظل اتساع دائرة الاتهامات لباسيل بانه يعمل وفق قاعدة : "انا او لا احد"، فان ما ينتظر البلاد في الفترة المتبقية من ولاية عون ، قد يترحم فيها اللبنانيونعلى ما شهدوه من أزمات خلال السنوات القليلة الماضية بالنظر الى ما ينتظرهم في حال استمرت حروب جبران باسيل الرئاسية في الاحتدام اكثر فاكثر، وذلك طبقاً لما يقوله قيادي بارز في تنظيم تعاون معه في المرحلة الماضية ووصلت علاقتهما الى حدود القطيعة بعد ان عانى الامرين من طريقة اداء وتعاطي رئيس التيار الوطني الحر معه.