2020-11-29 14:37:46

تداول الحضارات والتبادل المعرفي عبر التاريخ / بقلم عبد الهادي محيسن

تداول الحضارات والتبادل المعرفي عبر التاريخ / بقلم عبد الهادي محيسن

تداول الحضارات والتبادل المعرفي عبر التاريخ / بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 29 تشرين الثاني 2020

 

كان تأثير الإغريق كبيرا في الحضارة الرومانية ، وما قيل في الرومان ينطبق على الحضارات الأخري سواء حضارة مابين النهرين السومرية والبابلية والآشورية أو حضارة وادي النيل الفرعونية ، كما كان لتأثير الحضارات الإغريقية والهندية والفارسية والسريانية على الحضارة العربية في فترة لاحقة ، ومن ثم كان تأثير الحضارة العربية بكل أشكالها على الغرب الأوربي مما يثبت تنقل الحضارات وتدال المعارف فيما بينها .

ان امتزاج ذلك الخليط المختلف والمتناقض أحيانا حيث تلاقت أثار مكة الإسلامية وسوريا السريانية والمسيحية وبيزنطة وبلاد الهند وفارس والاغريق حيث نشأت مدنية ُسكبت في قالب خاص فبدت للملأ مدنية قومية عربية ، ولم يعن الفن العربي بالصور والتماثيل فكان النحت العربي كالرسم مقتصر على تنميق الحروف العربية والمنمنات الهندسية .

أجاد العرب هندسة البناء ممزوجا بفن بيزنطي فراج ذلك الفن رواجا عظيما في اسبانيا ، فبنيت طبق أصوله قصور الحمراء في غرناطة وجامع قرطبة ومسجد اشبيليا ومآذنها الباذخة ،حيث امتاز البناء العربي بأقواسه الأنيقة وأعمدته الهيفاء وتخريمه الدقيق وزخرفته ذات رونق وبهاء في مساجد الأستانة وقرطبة ودمشق وتونس ومصر .

كان اليونان واللاتين قد سبقوا العرب الى غرب آسيا وشمالي أفريقيا ألا أن نظامهم وعاداتهم لم يكن لها نصيب في حياة تلك الشعوب ولم يقبس بعضها الا القليل من سكان المدن الرئيسية ، لكن العرب الذين تركوا أثرا بينا في الآداب والعلوم والصناعة فكانت الثروة والأمان تحل أينما حلت مدنية العرب ، لقد كانت مصر وسوريا وشمال أفريقيا والأندلس أوساطا سعيدة للدأب والنشاط بينما كانت أقطار أوروبا في حالة شبه همجية .

إن العلم الحقيقي دخل اوروبا عن طريق العرب لا عن طريق الإغريق ، فقد كان الرومان أمة حربية وكان الإغريق أمة ذهنية أما العرب فكانوا أمة علمية ، فقد غزوا ممالك الشرق مثل الهند وفارس وبابل وتعلموا منها كل ما استطاعت هذه البلاد أن تقدمه لهم ، ولم يقتصر علمهم على الصنائع اليدوية مثل النسيج والدباغة والصياغة بل تعلموا الهندسة والطب والميكانيكيات .

 وبعدما أحرق البطريرك كيرلس مكتبة الاسكندرية في القرن الخامس هجر آلاف العلماء تلك المدينة الى ما بين النهرين وفارس واستوطنوها ، فلما جاء العرب عادوا فجمعوا تلك المعارف المشتتة بل أضافوا عليها الكثير ، ثم انتشروا في الغرب وجازوا البحر الى اسبانيا حيث المدن المساجد والقصور تشهد على عبقريتهم .

 لقد كان عدد سكان قرطبة يزيد عن المليون في القرن الثالث عشر وكانت شوارعها مبلطة ومضاءة وفيها ما لايحصى من الحمامات وما يزيد عن المائة مستشفى ، في حين أن شوارع باريس تعج بالطين ولم يكن في لندن في منتصف القرن السادس عشر مصباح واحد أما الحمامات والمستشفيات فلم تعرفهما هاتان المدينتان الا بعد قرون .

ولمت تأسسست جامعة قرطبة العظيمة كان من بين قاصديها رجل  فاضل يدعى جيربر تلقن العلم من أساتذة العرب وذلك لم يحل دونه وارتقاء كرسي البابوية تحت  اسم سلفستر الثاني الذي أوصى في كتبه بدراسة اللغة العربية وقال ان الله يعطي الحكمة من يشاء فأعطاها الى الإغريق والعرب  .

ان فلسفة ارسطوا لم تصل الى علماء أوروبا الا عن طريق العرب بعد ترجمتها الى السريانية فالعربية فاللاتينية ، كذلك أدى العرب الى الإنسانية الكثيرحيث انتشرت لغتهم وحضارتهم أيما انتشار فكانوا صلة خير وضياء أمينة عبر العصور الخالية ، ولما هبط الصليبيون بلاد الشرق عادوا يحملون أنظمة العرب التي شاهدوها فاقتبسها الأوروبيون فقدروها حق قدرها وعليها أقامت أوروبا صرح مدنيتها الحديثة . 

عبد الهادي محيسن ... كاتب وباحث