2020-11-18 21:00:01

سرّ أحمد زكي / بقلم نداء عودة

سرّ أحمد زكي / بقلم نداء عودة

سرّ أحمد زكي / بقلم نداء عودة

مجلة الشراع 18 تشرين الثاني 2020

 

في ذكرى ميلاده، يتساءل كثير من النقّاد عن سرّ نجومية أحمد زكي، تلك النجومية المُحيّرة في أسبابها، ذلك أن الوسامة وحدها لا تكفى لصناعة نجم سينمائي ولا الموهبة وحدها تكفي أيضاً.

عند الجمهور العادي لا تكثر هذه الأسئلة النقدية والتي تستند لخلفية علمية، إنما الجمهور يحبّ لأنه يحبّ وهذا أهم ما في الأمر وإنما منطلقٌ لأهل العلم والثقافة ليبحثوا عن لماذا أحب الجمهور هذا النجم وبلا كثرة أسئلة وبلا فلسفة للتفاصيل.

وإذا كانت حقبة الخمسينيات والستينيات من  القرن الماضي قد اكملت ما درجت عليه ذروة نهوض السينما المصرية بمعنى معايير خاصة للنجومية السينمائية، حيث النجم العالي الوسامة والأناقة والرومانسية، ظلّت هذه المعايير قائمة لما سمي بفتى السينما حتى بعد الثورة على مصر الملكية، ففضلاً عن موهبة التمثيل كان لا بدّ من صناعة هذه الهالة لفتى السينما ذي الاطلالة البرجوازية و الشعر البرّاق، وكان لا بدّ وأن تتناسق الأدوار وفق هذه الهالة بشكل عام في الأعمال السينمائية.

ظهر أحمد زكي ككاراكتير يختلف عن سابقيه من فتيان السينما

فهو داكن السمرة أجعد الشعر قوي الملامح والبنية، ظلّ شقيّاً كفتية حارة الزقازيق حيث تربى، وكان يكفي أن ملامحه وانفعالاته التي تمزج الفجاجة بالوسامة، تقول بأنه فتى مصرياً صميماً. يعبّر عن قوة وشجاعة فتيان مجتمعه، مع ذلك لم يكن ذلك وحدهُ ليصنع نجوميته.

يعود بروز نجم كأحمد زكي، ككاراكتير مختلف، إلى تطور الكتابة السينمائية بالتوازي مع التغيير الذي شهدته حياة المصريين، بطبيعة احتياجات الشعب المصري شؤونه واحلامهُ، بدأت السينما تخاطب الوعي العام وتوزّعت البطولة على كافة مفاصل الفيلم، أيّ لم يعد البطل الأوحد ممسكاً بمفاصل الرواية السينمائية، أما ظهور أحمد زكي وبروزه في مرحلة الثمانينات فكان تحديّاً بذاته.

لم يكن زكي نفسهُ ربما مدركاً لهذا التغيير أو مدركاً لما ابرزه من قدرات إبداعية هنا، فصحيح أنه متعلم وخريج معهد الفنون المسرحية عام ١٩٧٣،الا انه صبّ جهده في تقمّص الشخصيات، وبدأ بارعاً في أداء اكثر الشخصيات تعقيداً، من البيه البواب إلى النمر الأسود ومستر كاراتيه وجمال عبد الناصر وأنور السادات...

أما بمناسبة هاتان الشخصيتان المتناقضتان في السياسة والتاريخ، فأذكر أن الجمهور انقسم بالانتماء الفكري حول احمد زكي وفيلميه.. أي" ناصر ٥٦" و"أيام السادات"، لكنّ أحمد زكي نفسه تعامل مع اية شخصية لعبها تعاملاً سينمائياً محضاً بمعزل عن أية خلفيات سياسية وهذا ما انسحب على معظم أدواره وجعله سينمائيّ اكثر تميّزاً.

وحدث انني بعد وفاته التقيت بمدير اعماله محمد وطني في مهرجان دمشق السينمائي وفي جلسة مطوّلة حدثني عن الراحل، وضمن ما قاله أن أحمد زكي كان شخصية بسيطة كثيرة الخجل، ومرة هاتفه ليلاً ليقول له أن يطلب من مدبّرة المنزل أن تطهو له طعاماً معيناً، تفاجأ محمد وطني ان وصل الخجل بأحمد زكي أنه يستحي أن يطلب شيئاً من مدبرة منزله والتي تعيش معه في المنزل نفسه، بالعودة إلى سينمائيته الفذة، يذكر محمد وطني أن إحدى السيدات اقتربت من زكي لتلقي عليه السلام في مطار القاهرة حين كان يستعد للسفر، كان زكي حينها يتحضر لفيلم  "ايام السادات"، وما كان من زكي الا أن رد التحية بجفاف وبصوت خافض أقرب إلى الانسحاب، فشعرت السيدة بخيبة وما كان من مدير أعماله محمد وطني الا أن نبهّه لذلك لائماً اياه على تصرفه مع السيدة، إلا أن أحمد زكي بدأ كمن استفاق لبرهة وضرب كف يده على جبينه وقال "يخرب بيتك يا انور" اي أنه يلوم الشخصية التي يعيشها وهي أنور السادات.

قال محمد وطني خلال سنوات طويلة من عمله ومعايشته لأحمد زكي أنه كان يشعر بزكي يصور الناس في عقله، حين يكون في الشارع او في اي مكان عام، كأنما هناك في عقله كاميرا ومسجّل، يراقب صوت الشخصية حركات الجسد وانفعالاته، قسمات الوجه، النبرة وكل شيء، حين أخبرني محمد وطني هذه التفاصيل تذكرت ما قرأته في رواية كازانتزاكي "زوربا" إذ في حديثه عن عازف السانتوري زوربا اليوناني قال ان هذا هو المثقف الحقيقي وهو ابن الأرض، أما المثقف الذي يعيش في البرج العجاجي بعيدا عن الناس فهو كالطيور الطائشة في الفضاء.

وسرّ أحمد زكي أنه ابن الأرض.