2020-11-12 00:39:17

بشّروا ولا تُنفِّروا / بقلم الشيخ أسامة السيد

بشّروا ولا تُنفِّروا / بقلم الشيخ أسامة السيد

بشّروا ولا تُنفِّروا / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 12 تشرين الثاني 2020

 

الحمد لله وكفى وسلام على الذين اصطفى. 

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} سورة النحل.

وعن أبي موسى الأشعري قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: بشِّروا ولا تُنفِّروا ويَسِّروا ولا تُعسِّروا" رواه مسلم.

لا شك أن الحرص على هداية الناس والسعي في تخليص من استطاع الداعي تخليصه من مستنقعات الجهل والإثم التي بات يغرق فيها كثيرٌ من الرجال والنساء وإخراجهم من الظلمات إلى النور غرَضٌ نبيل ومسعى جليل، بل هو عمل الأنبياء الكرام عليهم السلام، ومن وفّقه اللهُ لاقتفاء نهج الأنبياء فقد أراد به خيرًا عظيمًا فإن أجلَّ وأعظم من ينبغي الاقتداء بهم هم الأنبياء عليهم السلام، ولذلك ينبغي لمن سلك طريق الدعوة إلى الله أن يتحلَّى بالحكمة فيتحرَّى الإصابة في القول والفعل بأن يقول ما ينبغي قوله في الوقت المناسب ويترك ما من شأنه أن يُنفِّر الناسَ لو سمعوه ويفعل ما ينبغي فعله أيضًا في الوقت المناسب ويجتنب ما من شأنه كذلك أن يُنفِّر الناس لو شاهدوه، فقد يُناسب أن يقول كذا أو يفعل كذا في ناحية كذا وبين قومٍ معينين ولا يُناسب أن يقول أو يفعل نفس الشىء في ناحيةٍ أخرى وبين قومٍ آخرين وهذا يقتضي أن يُحسن النظر بعين عقله.

القول اللين

وينبغي مع ذلك أن يُقدّم في عمله الأهمَ على المهم كالطبيب الحاذق يهتم لمعالجة الداء الأخطر قبل ما هو أقل خُطورة، وقد كان أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم أن دعا الناس إلى التوحيد وعلَّمهم أصول العقيدة أن الله لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان وأنه لا يشبه شيئًا ولا يُشبهه شىءٌ فمهما تصوَّرت ببالك فالله لا يشبه ذلك، وأقام صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو بالبيان صابرًا محتسبًا، ونرى اليوم من يريد أن يبطش ويقتل ويُدمِّر ويفعل ويفعل تحت غطاء الدعوة وهو من أجهل الجاهلين وكأنه لم يسمع بشىءٍ اسمه الحكمة والموعظة الحسنة، وإذا ما رأى شخصًا على منكرٍ تعاطى معه بما يخالف الشرع فيقع في منكرٍ أكبر بدعوى قمع المنكر كالذين يُفجرون بعض الأماكن فيقتلون الأبرياء أو يقتلون المرأة إذا خرجت سافرةً بدعوى إزالة المنكر فيقعون بما فعلوه في منكرٍ أعظم مما أرادوا إزالته، ألم يقرأ هؤلاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قام أعرابيٌ فبَال في المسجد فتناوَله الناس فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: دعُوه وهَرِيقُوا عليه سِجلًا (الدلو الممتلئة ماءً) أو ذَنُوبًا (الدَّلو الكبير الممتلىء ماء) من ماء فإنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسِّرين" معناه لا ينبغي لكم التعسير فشرعكم يسرٌ. فانظر لو قام الناس على الأعرابي فهرب وتقاطر بوله ألا تتَّسع النجاسة بذلك؟ بلى وانظر كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحادثة، فأولى بالواحد إذًا أن يتعلَّم قبل أن يتصدَّى لدعوة الناس، وعلى الدَّاعي أن يتذكر أن الهدف المنشود الذي يسعى إليه هو حمل هذا وذاك على الاستقامة فيختار لذلك أنسب الطرق وأنجعها ولا شك أن أحسن الطُرق في الدَّعوة سُبل الأنبياء عليهم السلام، فقد أرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وأوحى إليهما: {فقولا له قولًا ليِّنًا لعلَّه يتذكر أو يخشى} سورة طه. وإذا كان هذا الخطاب مع فرعون الذي طغى وبغى وتجبَّر وادعى الألوهية من دون الله تعالى وعاث في الأرض فسادًا وضلالًا وبغيًا وتنكيلًا فذبَّح الأطفال وعذَّب الكبار وكفى في بيان شره أن نقول: هو فرعون، فكيف ينبغي أن يكون تعامل المؤمنين فيما بينهم إذًا؟ وأوحى ربنا إلى سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم} سورة آل عمران.

كأنه وليٌ حميم

وليت شعري لماذا يُعرض كثيرٌ من أدعياء العمل الإسلامي اليوم عن مخاطبة الناس باللِّين وعن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فنراهم يُنفّرون ويُعسِّرون ويخالفون طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أحرصَ الناس على هداية الناس وهو الذي فتح بُحسن حاله ومقاله وحكمته في دعوة الأمة قلوبًا غُلفًا وأعينًا عُميًا وآذانًا صُمًّا، وحين أرسل صلى الله عليه وسلم صاحبيه معاذ بن جبلٍ وأبا موسى الأشعري إلى اليمن لدعوة الناس أوصاهما فقال: "يَسِّرَا ولا تُعسِّرَا وبَشِّرَا ولا تُنفِّرَا وتطاوعَا ولا تختَلفَا" رواه البخاري ومسلم من طريق أبي موسى الأشعري.

كم نحن بحاجةٍ اليوم أن نقرأ السيرة والتاريخ لنتعلم من الأنبياء والصالحين فنَّ الدعوة إلى الله تعالى فكم من بلادٍ انتشر فيها الدين من غير سلِّ سيفٍ ولا اشتداد بأس كأندونيسيا أكبر بلد إسلامي اليوم انتشر الإسلام بين أهلها بسبب ما لمسوه من أخلاق التجار المسلمين الذين كانوا يفدون إلى ديارهم وكذلك بلاد أخرى، فكم يقلب التعاطي مع الناس بالحكمة والحسنى العدوَّ صديقًا والبعيدَ قريبًا والله تعالى يقول:{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظٍ عظيم} سورة فُصِّلت. ومعنى "أن يدفع المرء بالتي هي أحسن" كدفع الغضبِ بالصبر والإساءةِ بالعفو فإذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب، وبيَّن الله تعالى أنه ما يُلقَّاها أي ما يُعطاها أي هذه الخصلة إلا الذين صبروا أي على كظم الغيظ وما يُعطاها إلا ذو حظٍ عظيم من الخير، وأين أكثر أدعياء العمل الإسلامي اليوم من هذه الخَصلة العظيمة؟!

انطلاقًا من كل هذا فإننا نؤكد على من أراد العمل في حقل الدعوة الإسلامية أن ينظر في حاجات الناس فيُقدِّم الأهم على المهم، وأن يسلك طريق الأنبياء والصالحين لبلوغ المرام المنشود فقد جاء في كتاب "الزهد والرقائق" لعبد الله بن المبارك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن لدعوة الناس: "لأن يهدي الله بك رَجُلًا واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها".

والحمد لله أولًا وآخرا.