2020-10-28 23:09:09

ومضات مشرقة في ذكرى ولادة أعظم مخلوق / بقلم الشيخ أسامة السيد

ومضات مشرقة في ذكرى ولادة أعظم مخلوق / بقلم الشيخ أسامة السيد

ومضات مشرقة في ذكرى ولادة أعظم مخلوق / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 29 تشرين الأول 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {لقد منَّ اللهُ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم ءاياته ويُزكِّيهم ويعلِّمهم الكتابَ والحكمةَ وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين} سورة آل عمران.

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر" رواه الترمذي، ومعناه لا أقول ذلك افتخارًا بل تحدثًا بنعمة الله تعالى.

إذا كان المرء تعتريه الرهبة ويتملَّكه الوجَل ويجول بفكره بحثًا عن روائع الكلمات ليُزيِّن بها مقاله فتراه ينتقي أحسن ما يجد من العبارات عند إرادة الكلام عن عظماء الرجال فكيف إذا أراد الكلام عن أعظم الرجال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماذا عساه يقول المتكلمون ويصدح به الخطباء ويخطّه الكاتبون وقد أثنى الله تعالى عليه في القرآن الكريم في غير موضع. ومن نظر في كتاب الله وفي السنة المطهَّرة رأى كثيرًا من النصوص الشاهدة بفضل نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك دليلًا على ما خصَّ الله به هذا النبي الكريم، بل جعل اللهُ اتِّباعَه علامةَ محبته عزَّ وجلَّ فقال في سورة آل عمران: {قل إن كنتم تُحبُّون اللهَ فاتَّبعوني يُحببكُم اللهُ ويغفر لكم ذنوبكم} وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم طاعةً له فقال: {من يُطع الرسول فقد أطاع الله} سورة النساء. 

بركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

وقد قيل:

عجَز اللسانُ عن المديح فسَارعت                 عيناي تُملي كي تكفَّ تلعثُمي

وليعلم الأقوامُ أني مغرمٌ                            بك أستهيم وأنني لك أنتمي

أنت النبي وليس يُنكِرُ فضلَكُم                    أحدٌ سوى أعمى الفؤاد إذا عمي

ومع توالي الأعوام وكرِّ الدهور يتجدد مجد سيدنا محمد، وينسى الناس مع تقادم العصور مآثر فلانٍ وفلان ولا تنسى الأمةُ فضلَ سيدنا محمد، وتغيب في الزمان أسماء ٌكثيرة ويتألق اسم سيدنا محمد، وإذا ما ادلهمَّت الخطوب وعَصَفت بنا المحن نتوسَّل إلى الله بجاه سيدنا محمد، فواللهِ لا يَرقى رُقيَّ محمدٍ أحدٌ وليس فوق قَدر محمدٍ بشر.

وها نحن في شهر ذكرى مولد هذا النبي الكريم كما في كل يومٍ نحنُّ شوقًا لرؤيته ولو في المنام فمرآه بلسمٌ للمجروح وشفاء للمكروب وكيف نشرح حبًا ملأ القلوب وأسال دموع المقل؟ فكم من عاشقٍ لنبينا الحبيب تراه إذا ذُكر اسمه صلى الله عليه وسلم حَضَنَت منه الأجفان العيون فلم يقو على فتحها وسرحت نفسه في أحلام اليقظة حتى تغلبه العَبرات شوقًا وهُيامًا بمن قال الله تعالى فيه:{لقد جاءكم رسولُ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيم} سورة التوبة. وقوله تعالى "عزيزٌ عليه ما عنتُّم" معناه لا يهُون عليه مشقَّتُكم من رأفته ورحمته بكم، وقوله "حريصٌ عليكم" أي يحرص على هدايتكُم لتنجُوا من النار وتدخلوا الجنة.

فعطفًا يا رسولَ الله على قلبٍ حُبك فيه كنز السرور، وإذا ما كان يوسف الصدِّيق عليه السلام قد أرسل بقميصه إلى أبيه النبي يعقوب عليه السلام فعاد بصيرا كما جاء في صريح القرآن الكريم قال تعالى:{اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرا} سورة يوسف، وقال أيضًا:{فلما أن جآء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا} سورة يوسف، فبالأولى أن تكون بركتك يا سيدي يا رسول الله أعظم، وجديرٌ بنا إذًا أن نلتمس من تلك البركة كما كان يلتمسها أصحابك الكرام فإذا بهم يقتسمون شعَرَك الشريف كما روى ذلك البخاري ومسلم من حديث أنس، وتبركوا بجُبَّتِك فكانوا يغمسونها في الماء يستشفون به كما روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر الصِّديق. فطوبى لعبدٍ عرف مقامَك فتبرَّك بآثارك واهتدى بهديك، فإنما يدخل من يدخل الجنة من هذه الأمة ببركة هديك الشريف، وإنما ينجو من ينجو من النار منهم أيضًا ببركة هديك الشريف. وبالتالي فإن فضلك يا سيدي أكبر من فضل الآباء والأمهات على أولادهن وحبُّك مقدمٌ على كل من سواك من إنسٍ وجنٍ بل وملائكة.

الأسوة الحسنة

أنت يا سيدنا يا رسول الله من علّمتنا أسمى معاني الحب والإيثار فقد قرأنا فيما رواه عنك صاحبك الجليل أبو هريرة أنك قلت: "لكل نبيٍ دعوةٌ مستجابةٌ فتعجَّل كل نبيٍ دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة" رواه مسلم. لقد نفعت يا سيدي أمتك حيًّا وميتًا كما سينتفع بك المؤمنون يوم القيامة من أمتك ومن سائر الأمم الأخرى، فتعسًا لمن عاداك وما تولَّاك قال تعالى:{ومن يُشاقق اللهَ ورسُولَه فإن الله شديد العقاب} سورة الأنفال. قال الطبري في "تفسيره": "وشدة عقابه في الدنيا إحلاله به (أي بمن يُعادي اللهَ ورسولَه) ما كان يحلُّ بأعدائه من النقم وفي الآخرة الخلود الأبدي في نار جهنم".  

وبالتالي فلأنت يا سيدي أولى من ينبغي أن يُطاع ويُقتدى به، وعجبًا لمن يُعرض عن هداك فيقتحم الداء ويُعرض عن الدواء وإنما الفلاح كل الفلاح في دربك القويم ونهجك السليم، وكم نحن بحاجة اليوم إلى استذكار صفاتك الطاهرة وشمائلك الكريمة ومواقفك الشريفة وتبيان ذلك للناس لتعرف الأجيال فضلك ويُدركون أي عظيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأسُّوا به عملًا بقول الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة} سورة الأحزاب، خلافًا لما نرى عليه أكثر شبابنا وشاباتنا في هذا الزمن العصيب حيث ما زالوا يُفتنون بالماجن الفلاني أو الغانية الفلانية ويغُرُّهم سرابٌ يحسبه الظمآنُ ماءا وتنكٌ يظنه الجاهل ذهبًا تحت أشعة الشمس. ولكن يأبى العُقلاء إلا السير في دربك الرشيد مهما طالت الأيام وامتدَّ الزمان، ويرون في ذلك كل الخير وكل التَّقدم فلا نهج أرقى من نهجك ولا أدب أرفع من أدبك ولا سبيل أهدى من سبيلك، ولئن كان قد فاتنا أن نراك بعيوننا ونصحبك بأبداننا ونُجاهد تحت لوائك فسلوانا ما رواه مسلم عن أبي هريرة أنك قلت: "مِن أشدِّ أمتي لي حُبًّا ناسٌ يكونون بعدي يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله".

والحمد لله أولًا وآخرا.