2020-10-19 07:16:04

هل تؤجل الاستشارات النيابية مجدداً؟ السباق على أشده بين حكومة هدنة لأشهر او انهيار على رؤوس الجميع

هل تؤجل الاستشارات النيابية مجدداً؟ السباق على أشده بين حكومة هدنة لأشهر او انهيار على رؤوس الجميع

هل تؤجل الاستشارات النيابية مجدداً؟ السباق على أشده بين حكومة هدنة لأشهر او انهيار على رؤوس الجميع

خاص- "الشراع"-

مجلة الشراع 19 تشرين الأول 2020

تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة حسان دياب ، لم يؤثر على التكليف الذي يتم التعاطي معه حالياً من قبل عدد من الاطراف على اعتبار انه قائم عملياً وان ما ينقصه هو مجرد اجراءهذه  الاستشارات  في موعدها الجديد المحدد ليتخذ التكليف طابعاً رسمياً ودستورياً.

في بيت الوسط ، الامر محسوم بالنسبة للتكليف ، والرئيس الحريري مستمر بما سبق له ان اعلنه في هذا المجال، وقد ساهم الاتصال الذي اجراه رئيس المجلس النيابي نبيه بري به في اعقاب اعلان قصر بعبدا تأجيل الاستشارات الخميس الماضي في دعم موقف زعيم تيار المستقبل بالاستمرار في ترشيحه لتولي رئاسة الحكومة والذي يندرج في اطار التزامه بتنفيذ المبادرة الفرنسية كما تجزم اوساط بيت الوسط .

وفي معلومات خاصة بـ "الشراع"، فان بري طلب من الحريري وبالحاح عدم الوقوف عند تأجيل الاستشارات والتمسك باعتباره المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة وعدم التفكير بالانسحاب او ما شابه ذلك، وهو اي اتصال بري جاء ليعبر ولو بطريقة غير مباشرة عن ان ثنائي حركة امل وحزب الله يريد الحريري رئيساً للحكومة وان بيت الوسط بالتالي ينظر الى ان تأجيل الاستشارات النيابية ليس نتيجة توزيع ادوار بين قصر بعبدا وحزب الله وان الاخير لا يضع فيتو على عودة الحريري .

وقد عبّر قصر الاليزيه عن الانزعاج من تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة . لان باريس تفضل اطلاق عملية ولادة الحكومة الجديدة امس قبل اليوم كما عبر مصدر مطلع اكد ان باريس تتعاطى ايضا مع مسألة التكليف على اساس انها باتت محسومة ، وان الحريري هو الذي يتولى هذه المهمة، لاسيما وانها عبدت الطريق من اجل عودته عبر اتصالات اجرتها بعدد من العواصم المعنية بالوضع في لبنان وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

ولعل هذا ما جعل المشاورات المستمرة على غير صعيد وبعيداً عن الاعلام تتجاوز مسألة التكليف وعدد الاصوات التي سيحصل عليها الحريري ،   لتبدأ عملية التفاوض حول التشكيلة المرتقبة ، والتي يريد اكثر من طرف ان يكون له فيها الرأي المرجح وهو ما ينتظر ان يظهر في اعقاب انجاز عملية التكليف لجهة الفترة الزمنية  التي ستستغرقها عملية التأليف وفقا لبعض التوقعات غير المتشائمة.

ومع ان الواضح لابل المؤكد حتى الان هو ان عملية تأجيل الاستشارات الملزمة تمت بناء لموقف النائب جبران باسيل ، المنزعج جدا من عدم تواصل الرئيس سعد الحريري معه ، فان هذا الامر ليس شكلياً ويتم العمل حالياً على ضمان عدم تأثيره على المسار المقبل للمشاورات ، سواء من خلال تأمين التواصل ولو جزئيا بين الحريري وجبران، او من خلال تجاوز العثرات التي خلفها عبر اتصالات تتولى اطراف سياسية داخلية القيام بها، علماً ان باريس غير بعيدة عنها.

ويكشف مصدر واسع الاطلاع عن ان باسيل مستاء للغاية مما يعتبره تجاهلا له من قبل الحريري ، وانه شديد العناد في محاولته اعادة فرض معادلة جبران مقابل سعد، كونه يعتبر ان الحريري يتجاهله  على الرغم من كونه يمثل اكبر كتلة في المجلس النيابي، وهو بذلك عن قصد او غير قصد يعمل على خلق عرف جديد يتحدث عن ان تكليف رئيس حكومة جديد يجب ان يحظى بميثاقية مناطقية وتحديدا مسيحية في جبل لبنان، وهذا امر غير مسبوق في تاريخ لبنان.

وبعد زيارة دافيد شينكر التي استثنى فيها من باسيل من لقاءاته التي شملت الجميع تقريبا، فان خشية رئيس التيار الحر من ادراج اسمه في لائحة العقوبات الاميركية تضاعفت ، لان من شأنها القضاء على حلمه الرئاسي وخلافة الرئيس ميشال عون الذي سبق وجاهر برغبته في ذلك.

وبالطبع ، فان لا مبرر ابداً لما يجري، خصوصا مع تغليب المصالح الخاصة في هذا الاطار على المصالح العامة، لان مشكلة جبران ومن خلفه العهد ليست فقط مع الحريري الذي قد يبادر في اي لحظة الى تجاوز هذا الاعتبار والاتصال بباسيل للوقوف على خاطره في الشكل كما طلب منه الرئيس ميشال عون . فمشكلة جبران كانت وما تزال في لا واقعيته ومغامراته وادائه وفي توجهاته التي ساهمت من خلال ملف الكهرباء على سبيل المثال لا الحصر الى زيادة العجز والدين العام، كما ان مشكلته كانت وما زالت في طموحه الرئاسي وبناء اي تحالف على قاعدة ما يمكن ان يحمله له من فوائد على مستوى تحقق هدفه بالوصول الى رئاسة الجمهورية.

وابعد من ذلك، فان الامر لا يقتصر على جبران باسيل، بل يتصل بالعهد ككل. فما طرحه الحريري مقابل قبوله التكليف اثار ويثير مخاوف رئيس الجمهورية من ان يؤدي الى استهدافه  ومحاصرته وعزله  في السنتين الاخيرتين المتبقيتين من ولايته، ولهذا السبب فان عون يعمل على الافادة من الصلاحيات التي يمنحها الدستور له لاسيما بالنسبة لاجراء الاستشارات النيابية الملزمة من اجل ضمان عدم الوقوع في ما تسميه اوساط قريبة من التيار الوطني الحر في افخاخ أجندة تستكمل ما كان بوشر به منذ اكثر من عام لضرب العهد، من خلال الحريري "الناطر على الكوع" لتصفية حساباته مع جبران باسيل من جهة والقيام بانقلاب داخلي تحت ستار العناوين المعيشية والاقتصادية والمطلبية ، وبما يمس التوازنات القائمة وما تسميه الاوساط المذكورة جوهر الصيغة التي قام يقوم عليها لبنان.

من هنا يمكن القول ، ان مصير الاستشارات النيابية الملزمة هذا الخميس معلق على ما ستؤول اليه الاتصالات الخجولة في الداخل ، والكثيفة والمتتابعة في الخارج لاسيما في باريس ، خصوصا وان عون كما يشير المصدر نفسه لن يدخل البلاد في وضع يقوم على تكليف للحريري من دون تشكيل للحكومة، مع التشديد على ان حكومة الاختصاصيين غير السياسية التي يطرحها زعيم المستقبل لها مضمون سياسي هدفه تكريس معادلة جديدة انقلابية لا يمكن القبول بها.

وبالنسبة لحزب الله، فانه سيعمد كما جرت العادة في العلاقة بينه وبين التيار الوطني الحر الى اتخاذ موقف مساند له وسيقف الى جانب الرئيس ميشال عون وموقعه الدستوري كرئيس للجمهورية ، ولن يسمح بتكرار ما حصل مع الرئيس السابق اميل لحود في نهاية عهده او  بولادة حكومة من طينة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تسببت باحداث السابع من ايار عام  2008 ، والتي كشف النائب السابق وليد جنبلاط مسؤوليته بالتسبب بها في حوار اجري معه مؤخراً تحدث فيه عما اسماه خطأ ارتكبه يومها في هذا الخصوص.

حكومة غير مقنعة باثواب الاختصاصيين او المستقلين ، وغير منحازة لفريق ضد اخر. وهو ما جعل الكثيرين وليس فقط حزب الله يتحدثون عن انه ليس في لبنان من هو خارج دائرة التسييس من النخب اللبنانية سواء في الداخل او في الخارج .

ومعنى ذلك ، ان البلاد ستدخل في مرحلة انتظار جديدة سياسياً، عنوانها استمرار حكومة تصريف الاعمال بمهامها . علماً ان من يعتبرون ان ربط الموضوع بالانتخابات الرئاسية الاميركية اصبحوا اليوم اكثر قناعة بانه لن يكون هناك حلحلة للوضع في لبنان قبل جلاء صورة الموقف دولياً واقليمياً انطلاقاً مما ستحمله نتائج صناديق الاقتراع الاميركية.

وعلى مستوى الملف الرئاسي في لبنان فان مشكلة جبران باسيل على هذا الصعيد لا تقتصر عليه ، فثمة مشكلة مماثلة تعترض اعادة تحسين العلاقة بين رئيس حزب القوات سمير جعجع وحلفائه السابقين وتحديداً الرئيس الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط المطلوب منهما  كما يشترط "الحكيم"ان يتعهدا من الان بان يكون رئيس حزب القوات خيارهما الرئاسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا الامر اي عدم تقديم الحريري اي تعهد بهذا الشأن هو الذي أدى ويؤدي الى رفض "القوات" وكتلتها النيابية تسمية الحريري في الاستشارات النيابية الملزمة.

وكان الحريري كما هو معروف التزم بخيار انتخاب جعجع للرئاسة الاولى في الدورة السابقة، وعقدت جلسات عديدة لا بل كثيرة للمجلس النيابي لم يكتمل نصابها والتزمت خلالها كتلة المستقبل النيابية بالتصويت لرئيس القوات المرشح . ولكن وبعد ان طال أمد الفراغ الرئاسي وانسداد أفق الخروج منه، عمد الحريري يومها الى محاولة احداث اختراق في الحائط المسدود من خلال تبني ترشيح النائب السابق سليمان فرنجية ليفاجأ بعد ذلك بسير جعجع بخيار انتخاب ميشال عون رئيساً من خلال ما عرف ب "تفاهم معراب". والكل يتذكر ما حصل بعد ذلك من تراجع الحريري عن خيار اعتماد فرنجية الى خيار اعتماد عون وفقاً لما فرضه جعجع ، وصولا الى اعتراف رئيس حزب القوات قبل نحو شهرين بخطئه  في هذا المجال من دون ان يقدم على خطوة لتصحيح نتائج الفعل الذي ارتكبه وادى من ضمن ما ادى اليه الى اعلان وفاة تجمع او تحالف قوى 14 اذار.

وبمعزل عما يريده كل طرف، فان المهم في هذا الاطار هو ان المبادرة الفرنسية التي يجمع عليها الكل ، يراد لها ان تدخل في أشراك الداخل اللبناني وأفخاخ معركة الرئاسة الاولى المقبلة بين رؤساء الاحزاب المارونية، وهو ما يجري العمل عليه حالياً من اجل تحييد عملية تشكيل حكومة برئاسة الحريري عن كل تلك الافخاخ والأشراك ،وضمان عدم تحول هذه الحكومة الى سلاح للاستخدام من قبل فريق ضد فريق اخر، من منطلق ان الوضع في لبنان المفكك والمنهار والمتهاوي لا يحتمل المزيد من الغرق في وحول أزمات لن تضيف شيئاً في هذه المرحلة الا المزيد من اوجاع المواطن اللبناني الذي بات يريد اليوم وقبل الغد حكومة تعمل أقله على تمرير الظروف الصعبة لا بل المستحيلة التي يمر بها حالياً بأقل الاضرار والخسائر الممكنة .

وبات من المؤكد ان الشروط والشروط المضادة على صعيد تشكيل الحكومة ،في حال قيض للاستشارات النيابية الملزمة ان تجري في موعدها وتم تكليف الحريري ستتعرض لاختبارات يعمل الطامحون الى الرئاسة من خلالها الى تحقيق النقاط في السباق الى قصر بعبدا، وهو ما لا مكان له الان في حسابات المواطن اللبناني ولا وفي حسابات الدول الداعمة لاخراج لبنان من ازمته بدءاً من فرنسا وصولا الى الدول العربية والاقليمية المهتمة بالشأن اللبناني والساعية الى تمرير هذه الفترة التي تمتد لبضعة اشهر بشكل يضمن عدم وقوع لبنان في الفوضى والحرب الاهلية، وهي حسابات واشنطن ايضاً التي لا تريد ان ينهار لبنان كما قال سفير لبناني سابق في العاصمة الاميركية.

ومن الواضح ان لاحلول جذرية ستحصل مع تشكيل الحكومة الجديدة كما لا تسوية من نوع التسوية غير المؤقتة من خلال ترجمة الاجماع اللبناني على المبادرة الفرنسية ، وكل المرتجى في الداخل والخارج هو العبور من المرحلة الصعبة الحالية الى مرحلة أقل سوءاً يتم خلالها تأمين ابسط متطلبات العيش للمواطن ويتم فيها ايضا فرملة الانهيار الحاصل في كل القطاعات.

ولهذا السبب ، وفي ظل هذه المعطيات فان لبنان كما يبدو امام خيارين لا ثالث لهما : الاول الاستمرار في الانحدار في الازمات الى قعر اقل ما فيه هو الفوضى والانهيار واتساع دائرة الفقر والجوع ،والثاني تعاضد الجميع من اجل تشكيل حكومة برئاسة الحريري تكون مهمتها الاساسية تكريس "هدنة" في الداخل وعلى مستوى الصراعات على ساحته بين المحاور المختلفة في المنطقة . حكومة تضمن فرملة الانحدار المذكور نحو مزيد من الازمات وتتولى العمل خلال اشهر على تأمين ابسط متطلبات العيش والاستقرار في البلاد، بانتظار  حلول لحظة التسويات في المنطقة ايذاناً بولادة نظام اقليمي جديد.