2020-10-14 22:28:27

مكانة الحديث النبوي في التشريع الإسلامي / بقلم الشيخ أسامة السيد

مكانة الحديث النبوي في التشريع الإسلامي / بقلم الشيخ أسامة السيد

مكانة الحديث النبوي في التشريع الإسلامي / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 15 تشرين الاول 2020

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {من يطع الرسولَ فقد أطاع اللهَ ومن تولَّى فما أرسلناك عليهم حفيظا} سورة النساء.

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع اللهَ ومن عصاني فقد عصى الله" رواه البخاري. قال الطبري في "جامع البيان": "القول في تأويل "من يطع الرسول فقد أطاع الله" وهذا إِعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذِكْرُه لهم: من يطع منكم أيها الناس محمدًا فقد أطاعني بطاعته إيَّاه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمره، فإنه مهما يأمركم به من شىء فمِن أمري وما نهاكم عنه من شىء فمِن نهيي".

إن الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم بإجماع الأمة سلفها وخلفها ولم يتنازع أهل العلم في اعتماد الحديث دليلًا وقبوله أصلًا، وإنما اختلف الأئمة في ثبوت بعض الأحاديث وعدم ثبوت بعضها الآخر وذلك بالنظر تارةً في متن الحديث وتارةً في السند أي الرجال الناقلين للحديث بالنظر في بعض الصِّفات التي ينبغي أن يتصف بها الرواة المتسلسلون إلى الصَّحابي الناقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُحكم من خلال ذلك على الحديث بالصِّحة أو بالحُسنِ أو بالضعف.

الحاجة للحديث النبوي

وهذا يدل على اعتناء أهل الإسلام بضبط الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمر تميزت به هذه الأمة بفضل الله إذ لم يُعرف مثلُ ذلك عن الأمم السَّابقة في حق أنبيائهم عليهم السلام، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "الإسناد من الدِّين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". فالعناية بالنظر في نصِّ الحديث وأحوال الناقلين له دليلٌ على اهتمام المؤمنين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبني العالمُ الحُكمَ على إساس ثبوت الحديث، ويعرف وجه المسألة في حال عدم ثبوت الحديث، فقد روى ابن ماجه عن المقدام ابن معدي كَرِب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يُوشك الرجل مُتكئًا على أريكته يُحَدَّثُ بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عزّ وجل فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرّمناه ألا وإن ما حرّم رسول الله مثلُ ما حرَّم الله".

وبالتالي فليس مقبولًا ترك الاحتجاج بالحديث بدعوى أن فيه الضعيف وما لم يثبت لأن العلماء بيَّنوا أقسام الحديث وما الذي يُحتجُّ به من غيره ولم يحتجُّوا بالضعيف في العقائد والأحكام بل يروونه في فضائل الأعمال وفي الأخبار بشروطٍ معينة. فالحاجة إذًا إلى معرفة الحديث النبوي الشريف من خلال تلقِّيه من أهله المعتبرين الذين تلقَّوه بسلسلة متصلةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودراسة علومه وتراجم رجاله ماسَّةٌ جدًا، فقد استقلَّ الحديث ببيان أحكامٍ لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم وإن كانت أصولها راجعة إلى كتاب الله، وذلك كبيان عدد ركعات الصلوات وهيئتها ومقدار الزكاة وكيفية إخراجها وفيما تجب وتفاصيل أحكام الصيام والحج وما يتعلق بالزوج والزوجة من حقوق لأحدهما على الآخر وأحكام العدة في حال الوفاة أو الطلاق وما يتعلق من أحكام في الشِّركة والإجارة والرهن والقرض والوديعة وغير ذلك مما نصّ على تفصيلِ حكمِه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف وتلقَّت ذلك الأمة بالقبول ودَرَج عليه المسلمون من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فكان الحديث مؤكّدًا لما في القرآن الكريم أو مُبينًا له.

 وكل ذلك أي القرآن والحديث بوحي من الله تعالى بدليل قوله تعالى في حق سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى} سورة النجم.

الاعتناء بأدلَّة الحديث

وبذلك تظهر أهمية الاعتناء بالأدلة الحديثية لا سيما في هذا الزمن حيث رأينا من تصدَّر لتصحيح الحديث وتضعيفه وليس هو ممن يُعتدُّ به عند علماء هذا الفن ولا يُعرف له رواية عن شيخٍ ولا سندٌ إلى محدِّثٍ كالمدعو ناصر الدين الألباني وذلك باعتراف أتباعه من أدعياء السلفية كما صرَّح بذلك عائض القرني في بعض المقابلات المصوَّرة، وكأبي إسحاق الحويني الذي اعترف من تلقاء نفسه أنه صحَّح بعض الأحاديث الضَّعيفة بدعوى طلب الشهرة في بعض مقابلاته المصوَّرة، وقد ظهرت مؤخرًا فرقةٌ تُسمَّى بالقرآنية أو الفُرقانية لا يحتجُّون سوى بالقرآن بزعمهم ويردُّون الحديث وفي ذلك هدمٌ للدين فالحذر الحذر.

وقد روى الخطيب البغدادي في "الكفاية" عن حسَّان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسُّنة كما ينزلُ عليه بالقرآن يُعلِّمه إيَّاها كما يُعلِّمه القرءان". والمراد بالسنة هنا الحديث فدلّ هذا على اعتباره أصلًا لا يجوز إهماله ومثل هذه الأصول لا تؤخذ من المتطفِّلين على هذا العلم فإن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مجرد قصة تروى للتسلية كروايات أخبار الزير وعنترة بن شدَّاد بل قد  كان أئمة السلف الصَّالح إذا صحَّ عند أحدهم الحديث انتهى إليه ولم يقل بخلافه، وقد حدَّث الربيع عن الشافعي قال: "متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأُشهدكم أن عقلي قد ذهب" رواه أبو نُعيم في "الحلية". وروى ابن رشد الجدُّ في "البيان والتحصيل" أن الإمام مالكًا قال: "دعوا السنة تمضي (أي الحديث) لا تُعارضوا". وصح مثل ذلك عن الأئمة أبي حنيفة والأوزاعي وأحمد وغيرهم. ونقول: لما ثبت بالدليل القطعي أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقًا اقتضى الإيمان برسالته لزوم تصديقه ومن لم يصدق حديثه لا يكون مؤمنًا بالمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغُ عن الله تعالى إلى عباده وقد أيقنَّا صدقَه فاقتضى ذلك الإذعان لما جاء به صلى الله عليه وسلم وسرعة امتثال أمره ونهيه فإن الله تعالى يقول: {قل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذُنُوبكم} سورة آل عمران.

والحمد لله أولًا وآخرًا.