2020-10-08 12:14:54

حفظ اللسان / بقلم الشيخ أسامة السيد

حفظ اللسان / بقلم الشيخ أسامة السيد

حفظ اللسان / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 8 تشرين الأول 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد} سورة ق.

وعن عبد الله بن مسعود أنه صعد الصفا وهو الجزء المعروف من جبل أبي قُبيسٍ المقابل للمروة فأخذ بلسانه أي أمسك لسانه ثم تركه وقال: يا لسان قل خيرًا تَغنَم واسكت عن شرٍ تسلم من قبل أن تندم، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أكثر خطايا ابن آدم من لسانه" رواه الطبراني.
لقد أنعَم الله تعالى علينا بنعمٍ كثيرةٍ لا نُحصيها ومن هذه النِعَمِ اللسانُ الذي جعله الله للإنسان ليُعبِّر به عن حاجاته التي تهمُّه لتحصيل المنافع والمصالح في دينه ودنياه، فمن استعمل هذا اللسان فيما ينفعه ولا يضرُّه وحبسَه في فمه فلم يُطلقه إلا لخيرٍ فلا حرج ولا مؤاخذة عليه في الآخرة، وأما من استعمله فيما نهاه الله عنه ولم يتقيد بالضوابط الشرعية فقد أهلك نفسه ولم يشكُر ربّه على هذه النعمة العظيمة. ومن هنا كان حفظ اللسان من أهم المهمات فإن أكثر ما يُهلك الإنسان في الآخرة معاصي اللسان لأن الكلام هيِّنٌ على اللسان فيسهل على الإنسان أن يتكلم بما يريد، ولذلك نرى كثيرًا من الناس يُطلقُون لأنفسهم العنان فيخوضون فيما لا يعلمون وقلّ أن يخطُر ببال أحدهم أن الملائكة الكرام يُثبتون ما يصدر منه كما دلت عليه الآية المذكورة فإن الملكين الكريمين رقيبًا وعتيدًا عليهما السلام يكتُبان ما يتلفظ به الشخص.

انتبه ماذا تقول

 قال ابن جُزي في "التسهيل": "قال الحسن وقَتَادة يكتبان (أي الملكان) جميع الكلام فيُثبتُ اللهُ من ذلك الحسنات والسيئات لا غير"  أي أن الملائكة الكرام يكتبون كل ما يتكلم به المرء سواء كان كلامًا حسنًا كذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم سيئًا كالغيبة والنميمة أو الكفر أم مُباحًا أي لا يتعلَّق بقوله ثوابٌ ولا عقاب كقول الشخص لصاحبه مثلًا: اذهب إلى مكان كذا. ولكن المباح يُمحى وتثبت الحسنات والسيئات، فإن تاب من السيئات فإنها تُمحى أيضًا. قال الله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويُثبت} الآية سورة الرعد. قال القرطبي في "تفسيره": "وقال الضحَّاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحَفظة (ملائكة مخصوصون) ما ليس فيه ثوابٌ ولا عقاب ويُثبت ما فيه ثوابٌ وعقاب" وفيه: "وقال عكرمة: يمحو ما يشاء يعني بالتوبة". فعلى المرء أن ينظر ماذا يقول وماذا يفعل فإن الكلام معدودٌ في جملة الأعمال، والله تعالى يقول: {وإن عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون} سورة الانفطار. قال ابن الجوزي في "زاد المسير": "وإن عليكم لحافظين أي من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم كرامًا على ربهم كاتبين يكتبون أعمالكم يعلمون ما تفعلون من خيرٍ وشرٍ فيكتبونه عليكم".

فالعاقل إذًا من لزم الصمت إلا من خيرٍ فإنه إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب، فمن كان متكلمًا فليتكلم بخير وإلا فليمسك لسانه فإن شهوة الكلام عند كثيرٍ من الناس كشهوة النساء أو أكبر، ومن كان يخوض في كل شىء ويبسط لسانه في كل واردةٍ استجابةً لداعي النفس الأمَّارة بالسوء سهُل على الشيطان أن يوقعه فيما لا تُحمد عُقباه، وبخلاف ذلك من أرغم نفسه وقهرها على عدم الخوض فيما لا يعنيه وترك فضول الكلام استعان بذلك على صلاح أمره، فقد روى الطبراني عن معاذ بن جبلٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنك ما تزال سالما ما سكتَّ فإذا تكلَّمت كُتب لك أو عليك" ولذلك فإن التزام الصمت عمَّا لا خير فيه من الأخلاق الحسنة والمزايا الطيبة، ومن أراد السلامة وطَّد نفسه على ذلك ليكون ذلك عونًا له على أمر دينه.

احفظ لسانك

وليست العبرة بكثرة القال والقيل بل العبرة بإصابة الحق وكم من أناسٍ جرَّتهم شهوة الكلام إلى المهالك فوقعوا في الغيبة وهي ذكرك أخاك المؤمن بما فيه في خلفه بما يكره، أو النميمة وهي نقل القول بين الناس للإفساد، أو الكذب وهو الكلام بخلاف الواقع، أو الكفر الذي هو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه ولم يرجع إلى الإيمان بالشهادتين كمسبة الله أو الاعتراض عليه سبحانه. وهناك الكثير من الذنوب القبيحة التي تتأتى باللسان، وقد وصف الغزالي اللسان في "الإحياء" فقال: "اللسان من نِعم الله العظيمة ولطائف صُنعه الغريبة فإنه صغيرٌ جِرمُه (حجمه) عظيمٌ طاعته وجُرمُه (إثمه ووزره)". وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه معاذ بن جبلٍ فقال له: "كُفَّ عليك هذا (أي اللسان) فقال معاذ: وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال: ثكلتك أمك (معناه انتبه) وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو قال على مَناخِرهم (شك الراوي) إلا حصائد ألسنتهم" رواه الترمذي. والمعنى أن أكثر ما يُدخل الناس النار معاصي اللسان، وإن كان الشخص يستحق العقاب أحيانًا بذنوبٍ أخرى تتأتى ببقية الجوارح إلا أن معظم أسباب العذاب سببها اللسان، ولأن الأعمال يُقارنها الكلام غالبًا فكان للسان حظٌ من ذلك. وهذه الوصية لمعاذٍ لا تختص به بل إن كل فرد من أفراد الأمة معنيٌ بذلك، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا على العُموم فقال: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكُت" رواه البخاري ومسلم عن أبي شُريحٍ الخُزاعي.

ثم إن النصوص المتضمنة الأمر بحفظ اللسان في القرآن والحديث كثيرةٌ جدًا ولو أردنا الاستفاضة في ذكرها لطال الكلام، ولكن فيما قدَّمناه تذكرةٌ للعاقل وموعظةٌ للغافل، فليست العبرة بكثرة القيل والقال ولا بزخرفة العبارات الرنَّانة بينما تخلو في مضمونها من أي خيرٍ، ومن لم يعُدَّ كلامه من عمله كان ما يُفسدُ أكثر مما يُصلح. وقديمًا رُوي عن الإمام الشافعي أنه قال:

أما ترى الأُسْدَ تُخشى وهي صامتةٌ                  والكلب يخسا لعمري وهو نبَّاحُ

والحمد لله أولًا وآخرا.