2020-09-26 16:17:40

فيضان عبدالناصر / بقلم عبد الحليم قنديل

فيضان عبدالناصر / بقلم عبد الحليم قنديل

فيضان عبدالناصر / بقلم عبد الحليم قنديل

مجلة الشراع 26 أيلول 2020

    مع مساء 28 سبتمبر 2020 ،  تكون قد مرت خمسون سنة بالتمام والكمال على رحيل جمال عبدالناصر ، الذى اكتسب اسمه حصانة مذهلة ضد تقادم الزمن ، وقد تعاقب علينا من بعده عشرات القادة ، سواء فى قصور الحكم ، أو فى حركات الشارع السياسى ، ومن دون أن يطاول أحد قامة عبد الناصر الأكثر مهابة فى التاريخ العربى الحديث والمعاصر ، وكانت جنازة رحيله اختصارا بليغا لدوره المفرط فى استثنائيته ، فقد كان فقهاء المسلمين الكبار يختلفون فى مسائل ، وكلما احتدم الجدال بغير اتفاق ، كانوا يختمون بما معناه : دعونا نحتكم إلى الجنازات ، فالجنازة عندهم هى معيار القيمة الباقية ، وقد كانت جنازة عبد الناصر هى الأكبر فى تاريخ البشر بإطلاق العصور ، ولم تسبق ولا تكررت لأحد من بعده .

  وقد شاءت أقدار الله أن تجدد العبرة ، وأن تحيى على طريقتها ذكرى رحيل عبد الناصر الخمسين ، وجاءت إشارة السماء بمدد من مياه النيل ، لم يسبق قدومه منذ مئة سنة مضت ، وفى صورة فيضان عارم هادر ، اجتاح أغلب ولايات السودان من المنبع الأثيوبى ، واجتاح مناطق كثيرة فى أثيوبيا نفسها ، وبدأت تباشيره تصل إلى مصر فى ذكرى رحيل عبد الناصر ، ومن دون أى خطر كبير متوقع على سلامة مصر والمصريين ، بسبب بركة السد العالى الذى أنشأه جمال عبد الناصر، وبسبب "بحيرة ناصر" من خلف السد ، وهى أكبر بحيرة صناعية فى الدنيا كلها ، يبلغ طولها 500 كيلو مترا ، وأقصى عرضها 35 كيلو مترا ، ومساحتها 6216 كيلو مترا مربعا ، وعمقها 180 مترا (590 قدما) ، وسعتها التخزينية نحو المئة والثمانين مليار متر مكعب من المياه ، أى أكثر من ثلاثة أمثال نصيب مصر المقرر سنويا ( 55.5  مليار متر مكعب) من مياه النيل ، فوق طاقة تخزين إضافى فى بحيرات "مفيض توشكى" المجاور ، وبوسعها تخزين 56 مليار متر مكعب من المياه ، قد تزيد حتى حاجز المئة مليار متر مكعب ، ويتسع أسفل "بحيرة ناصر" لاستيعاب كميات الطمى الوارد مع مياه النيل لمدة 500 سنة ..

وفى العام الماضى ، كان السد العالى وبحيراته قادرا على صد أكبر فيضان للنيل جاء من خمسين سنة سبقت.

وفى موسم الذكرى الخمسين لرحيل صاحب السد العالى ، جاء الفيضان الأعظم بما لا يقاس ، ومن دون أن يشعر المصريون بذرة قلق ، بل بالبشر والسرور والامتنان لله ولسدهم العالى ، الذى جاء فى طليعة إحصاءات تقرير الهيئة الأممية للسدود والمشاريع الكبرى ، ووصف بأنه أعظم مشروع هندسى عالمى فى القرن العشرين كله ، والاكثر نفعا للجنس البشرى ، وقد بنى على هيئة طائر عملاق ، يفرد جناحيه على جانبى النيل بعد تحويل مجراه ، يزيد حجمه أكثرمن 18 مرة على حجم الهرم الأكبر ، ويتدفق من بواباته المحكمة ما قد يصل إلى 240 مليون متر مكعب فى اليوم ، مع إدارة العمل بسلاسة ، لا تسمح بتجاوز ارتفاع المياه إلى أكثر من 180 مترا خلف السد ، المحمى عسكريا حتى ضد القصف النووى ، وهو ما غير حياة المصريين تماما ، عبر تاريخهم الألفى كأقدم دولة  فى العالم ، فقد كان المصريون عرضة لغضب النيل حين يفيض ، ولنقمته حين يغيض ، كان الفيضان مدمرا للحرث والنسل والزرع ، وكان الغيضان ينتهى بالمصريين إلى فناء وذبول سكانى ، وإلى مجاعات مرعبة ، يأكلون فيها الفئران والقطط بل ولحوم البشر، وفى مرويات الزمن المصرى الممتد ، تجد فيضا من حكايات ومآسى المصريين ، الذين كان يتحكم بهم النيل ويستعبدهم ، ويذهب بغالب فيضانه إلى البحر المتوسط عند نهايات فرعى دمياط ورشيد ، ولا يستبقى لحياة الناس سوى ما لا يزيد على خمسة مليارات متر مكعب من المياه العذبة  سنويا، بينما تقدر مصر اليوم على حجز نحو خمسة أمثال نصيبها السنوى المقرر من مياه النيل ، فلا تتأثر بالفيضان ولا بالغيضان ، فقد جفت منابع النيل أو كادت ، وعلى مدى ثمانى سنوات متصلة بين عامى 1979 و 1987 ، عانت فيها أثيوبيا عند منابع النيل من تصحر مهلك ، بينما لم يشعر المصريون عند مصب النيل النهائى بشئ مختلف ، ولم يعانوا لحظة جفاف مائى ، فقد قلب المصريون معادلة النيل القديمة ، وصاروا أسيادا عليه لا عبيدا لتقلباته ، صاروا فى وضع التحكم الكامل بحركة مياه النيل إلى ما شاء الله ، وبفضل سد عبد الناصر العالى .

وبالطبع،

لم يخترع عبد الناصر فكرة مشروع السد العالى ، ولا اخترع من قبلها فكرة تأميم قناة السويس ، ففكرة السد قديمة جدا ، كان أول من أشار إليها عالم البصريات العربى البارز الحسن بن الهيثم (المتوفى عام 1029 ميلادية) ، وقام بتحديثها مهندس مصرى من أصل يونانى اسمه "أدريان دانينوس" ، وقدمها إلى قادة ثورة 23 يوليو 1952 ، والتقطها عبد الناصر ، وجرى تكليف شركة ألمانية بالتصميمات الأولية عام 1954 ، ثم كانت عقبات البحث عن تمويل للمشروع ، لم تكن تقدر عليه خزانة مصر الخاوية وقتها ، وعرضت أمريكا وبريطانيا التمويل ، ثم سحبتا العروض كلها ، بعد رفض عبد الناصر المساومة على مبدأ تنويع مصادر سلاح الجيش المصرى ، ورفضه لعقد أى اتفاق تسوية أو تطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلى ، وانتقل التضييق والحصار إلى "البنك الدولى" ، الذى عرض تمويل ربع تكلفة المشروع ، واشترط مراقبة إيرادات ونفقات الموازنة المصرية ، وهو ما رفضه عبد الناصر تماما ، ثم خاض ملحمة كبرى هى تأميم قناة السويس ، الذى كان حلما للوطنيين المصريين من قبله ، وهزم العدوان الثلاثى عام 1956 ، وبما وسع من الموارد المالية المتاحة ، وجعل مشروع السد العالى أطول وأعذب ملاحم عصر عبد الناصر ، وقد وضع حجر أساس السد فى 15 يناير 1960 ، وجرى افتتاحه مع محطاته الكهربية فى 15 يناير 1971 ، كان عبد الناصر قد رحل فجأة قبلها فى 28 سبتمبر 1970 ، وهو فى عمر الثانية والخمسين ، لكنه ترك لنا هرم مصر الباقى على مدى السنين والقرون ، ليس هرما لدفن الموتى ، بل هرما لحياة لا تفنى إلى أن يرث الله الأرض .

  وعلى مدى خمسين سنة مضت ، كان عبد الناصر شاغل الناس جميعا ،

شن عليه أعداء الأمة ورجعيوها عشرات من حملات إبادة اسمه ورسمه ، وظلوا يحاربونه مع أمريكا وإسرائيل إلى اليوم ، ومن دون أن ينجحوا ، إلا فى تخليد ذكراه ، وجعله أيقونة للحالمين بالثورة والتغيير والنهوض وخلاص الأمة ، وهو ما يفسر اللجوء التلقائى الدائم لصور عبد الناصر ، ورفعها على أعناق المنتفضين فى ثورات الغضب الجديدة المتلاحقة ، وهى موجات تنهض ولا تحكم ، بل تحكم الثورة المضادة من تيارات اليمين "الثروى" أو جماعات اليمين الدينى ، وعلى نحو ما جرى بعد ثورة الشعب المصرى فى 25 يناير 2011 ، لكن الحلم فى مصر وفى غيرها ، ظل لصيقا باسم عبد الناصر أكثر من غيره ، ليس على سبيل اجترار الماضى ، فما مضى لا يعود ، بل على سبيل تكريس القيمة ، فقد انتهت مواريث كل المعادين لعبد الناصر إلى بوار تاريخى أكيد ، وإلى دفع الأمة وشعوبها إلى دمار وخراب مفزع ، وظل مشروع عبد الناصر القومى هو الحل الوحيد الباقى ، بشرط الوعى بالظروف المستجدة ، واكتساب قيمة الديمقراطية مع قيم الاستقلال الوطنى والثقافى والتصنيع الشامل وأولوية العلم والتكنولوجيا وكفاية الانتاج وعدالة التوزيع والتوحيد العربى ، وإعادة بناء المثال الملهم فى مصر أولا ، وقد نبه عبد الناصر فى سنواته الأخيرة بعد هزيمة 1967 ، إلى أهمية التحول الديمقراطى والتعددية الفكرية والسياسية، وكانت فضيلة "التصحيح الذاتى" لأخطاء وخطايا التجربة من أهم ميزات تكوين عبد الناصر القيادى بالغ التفرد ، ولم يكن فى سجون مصر السياسية حين رحل عن عالمنا ، سوى 273 شخصا لاغير ، كان بينهم جواسيس لكيان الاحتلال الإسرائيلى ، كان الرجل يعيد بناء الجيش من نقطة الصفر ، ومن دون أن يغفل عن ضرورة تجديد تجربته كلها ، وشاءت الأقدار أن يرحل ، من دون أن يكمل حلمه وحلمنا،

عبر جيشه إلى الحرب المقدسة فى 6 أكتوبر 1973 ،

لكن السياسة بعدها ، انقلبت على نصر الجيش وعلى اختيارات عبد الناصرمعا ، وداس الذين "هبروا" على دماء الذين عبروا ، وكان ما كان من ذل وهوان ، لاتجد بعده الأمة من صوت توقظه فى أعماق ضميرها ، سوى صوت جمال عبد الناصر ، ولا من سد يحميها غوائل الجوع والعطش ، سوى سد عبد الناصر العالى ، وفيضان اسم الرجل مع أعلى فيضان للنيل .