2020-09-17 10:42:42

عطاء كثير.. ودفْع ثمن أكثر / بقلم فؤاد مطر

عطاء كثير.. ودفْع ثمن أكثر / بقلم فؤاد مطر

عطاء كثير.. ودفْع ثمن أكثر / بقلم فؤاد مطر

مجلة الشراع 17 أيلول 2020

في زمن التطبيع المتزايد الحلقات جاءت المحاولة الإضطرارية من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس والمتمثلة بدعوة رفيقه اللدود إسماعيل هنية للمشاركة في لقاء تشاوري بالصيغة المستجدة التي فرضتها الجائحة الشريرة، إلى جانب الأربعة عشر فصيلاً فلسطينياً بين "حركة" و "حزب" و"منظمة".. هكذا تسميات الفصائل التي ما زال يغلب فيها التنافر على التوافق منذ أن تأسست حركة "فتح" منتصف الستينات بدل الإلتفاف حول كيان واحد يقوي من الساعد الفلسطيني.

كانت تلبية الأخ إسماعيل للدعوة خطوة إيجابية على طريق توحيد الرؤية الفلسطينية التي تواكب حَراكاً دولياً-خليجياً-إسرائيلياً، فيناقش الأربعة عشر فصيلاً الوضع ومن ثم تكون هنالك رؤية تنسجم مع الحَراك في الحد الأقصى وتواكب بالتالي، تفاعلاً أو تحفظاً، نتائجه في الحد الأدنى.

وحيث أن "حماس" في شخص رجلها القوي تريد إثبات الشأن الشعبي لها فلا يقتصر على ساحات من غزة، فإن إسماعيل هنية إرتأى أن تكون المشاركة في "الفيديوكونفرس" الجديد كأسلوب على التشاور الفلسطيني من خلال مقر سفارة دولة فلسطين في بيروت، فيما الرئيس عباس ومَن معه وحوله يتواجدون في مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله.

لم يكن إختيار بيروت عفوياً وإنما عن سابق تصميم. ففيها يلتقي إسماعيل هنية بقيادات وجماهير "حماس" في المخيمات وفيها يلتقي بالحليف اللبناني "حزب الله" ويأخذ ويعطي مع أمينه العام حسن نصرالله. وفي بيروت يقوم بزيارات لمَن يريدون هداية وتهدئة لحركة "حماس" أمثال مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان. وفي بيروت يقوم بزيارات لأهل الحُكْم وبذلك يحقق إختراقاً في التصنيف الأميركي له على أن "حماس" كما "حزب الله" جزء من منظومة الإرهاب. وفي بيروت يدلي بتصريحات غير متيسر له الإدلاء بها إلاّ بعد التدقيق فيها كلمة كلمة، عندما يزور إيران وتوظف هذه لقاءه المصور بالمرشد خامنئي داخلياً وخليجياً ودولياً، وكذلك عندما يزور تركيا ويحرص رئيسها أردوغان أن يكون كما إسماعيل هنية في غاية الإنشراح تدليلاً على أنهما متوافقان في السراء والضراء. وفي الصورة الأحدث لهما المبتسمة لكليهما ما يخفي نوايا تصب في مصلحة زعامة أردوغان أكثر مما الهدف تدعيم الموقف الفلسطيني.

 اللافت أن الحليف اللبناني وظف زيارة هنية أكثر بكثير من توظيف الأخ إسماعيل لها. وعند التأمل في لقاءاته لكل من الأمين العام ﻠ "حزب الله" السيد حسن نصرالله وللرئيس نبيه بري كرئيس ﻠ "حركة أمل" وليس كرئيس لمجلس النواب ولرئيس الحكومة المستقيل حسان دياب كحليف ﻠ "حزب الله" وليس بصفته صاحب الرئاسة الثالثة المغلوب على أمرها.. إننا عند التأمل في هذه اللقاءات فإن ما يستنتجه المرء منها أنها كانت رسائل من الثلاثة للإدارة الأميركية. وعندما لم يحدد رئيس الجمهورية موعداً لإستقبال هنية الذي طلب ذلك فإن الرئيس عون كان بذلك يحتاط لمحاذير العقوبات خصوصاً أن اللائحة الأميركية التي عليها أسماء برسم إلحاقهم بمَن يمثِّل رئيس مجلس النواب الحريص على ديمومة رئاسته، وبمَن يمثل مَن يتطلع إلى أن يكون رئيس الجمهورية بعد الحالي وكلاهما يحلقان في فضاء "حزب الله"، ما زالت عليها أسماء أُخرى غُب إشهارها. ولو أن زيارة إسماعيل هنية شملت رئيس الجمهورية، لكان من الواجب عليه أن يزور سائر المقامات الطوائفية ويصغي عندما يقابل البطريرك الراعي إلى ما قاله في شأن الحياد الذي أوجبت إطلاق الحديث في شأنه تراكمات منشأها فلسطيني وجوداً مسلحاً، وأقوالاً يا ليتها لم تصدر عن قائلها، ماضياًعن ثاني قادة "فتح" صلاح خلف "أبو إياد" رحمة الله عليه الذي قال "إن تحرير فلسطين يمر عبْر جونية" وحاضراً قول إسماعيل هنية المبتهج بالحفاوة اللبنانية الفئوية بزيارته وهو مرفوع على أكتاف فلسطينيين في مخيم عين الحلوة فيما البعض رافعي رشاشاتهم من دون إطلاق رصاص "إن حماس طورت منظومة سلاحها وباتت تملك الصواريخ وقد دكت بها تل أبيب وما بعد تل أبيب" وإرفاق هذا التهديد ﺒ لنَّات ولاءات تلخص العهد الجديد تلتزم به "حماس" وهي "لن نعترف بإسرائيل ولن نتنازل عن ثوابتنا وحقوقنا. لا تنازل ولا تفريط ولا تراجُع تحت أي ظرْف من الظروف...".

لقد حققت إستضافة "حزب الله" لقائد حركة "حماس" إسماعيل هنية أمراً يجمع بين مشاعر الحنين إلى زمن مضى، وإختبار الشأن الذي لحليفه اللبناني "حزب الله"، وهذا لمسه عند إستقباله في المطار كما لو أنه الرئيس لدولة فلسطين بمفهوم النظام الثوري الإيراني وبالتالي مفهوم "حزب الله". كما لمسه في المخيم الذي باتت القضية الفلسطينية واحدة من عدة إنشغالات الذين يتزعمون مرابعه، ورأى في رفْعه من جانب أنصار لحركة "حماس" متجاوزاً الظروف والحساسيات على أنواعها لدى اللبنانيين الذين باتوا في وطن على مشارف أن يصبح مخيماً ما يعزز الثقة بالنفس. وفي كلامه الذي قيل إنتزع من اللبنانيين بقية مشاعر تعاطف مع إخوانهم شعب فلسطين ورأى اللبناني أن الزائر الفلسطيني الرفيع الشأن في أيلول اللبناني الذي يذكِّر بأيلول الأردني، جاء مستفزاً وليس لمجرد المشاركة في حلقة تشاور فيديوية، وأنه في لحظة غابت فيها الحصافة عنه نسي أي عطاء لبناني نالته القضية الفلسطينية فكان بالذي قاله سواء عن قصد أو بفعل ضباب حمساوي حجب رؤية الواقع الراهن في لبنان، كمَن يرمي حجراً في بئر شرب منها إلى حد الإرتواء. ولعله شخصياً عايش أي تعاطف وأي عطاء من جانب اللبناني يوم كان واحداً من الذين خيموا في مرج الزهور وهذا ما قصدناه بمشاعر الحنين عنده لدى زيارة التحدي إلى لبنان، الذي غاب عن بال الأخ إسماعيل أنه لم يعد تماماً لبنان الذي مضى وأن القضية الأساسية لشعبه، حتى لدى الطيف الذي لا يفصح عما في قرارة نفسه، هي ما ينادي به البطريرك الراعي الذي رغم الوضع المأساوي اللبناني لم يغفل في بنود رؤيته إستحضار القضية الفلسطينية ولو تذكيراً ينفع الساهين عن إيجاد حل عادل لهذه القضية.

ويا أخ إسماعيل، قليلاً من الرفق بلبنان الذي أعطى القضية كثيراً.. ودفع مقابل العطاء أكثر.