2020-09-02 23:24:41

العمل والجزاء / بقلم الشيخ أسامة السيد

العمل والجزاء / بقلم الشيخ أسامة السيد

العمل والجزاء / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 3 أيلول 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يره} سورة الزَّلزلة.

لقد خلق الله الدنيا والآخرة وجعل الدنيا دار عمل والآخرة دار الجزاء على العمل، فيسعى بعض الناس بما ينفعهم في أُخراهم ويسعى بعضهم بما يُهلكهم ذلك اليوم، وبحسب ما يعمل العبد يُجزى فإن قدَّم خيرًا رجع النفع إليه وإن قدَّم شرًا كان ذلك وبالًا عليه، ومصداق ذلك فيما جاء عن أبي مالكٍ الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقُها أو موبقُها" رواه مسلم. والمعنى: كل إنسانٍ يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله أي بطاعته فيُعتقُها بذلك من العذاب ومنهم من يبيعُها للشيطان والهوى باتِّباعِهِما فيُوبقُها أي يُهلكُها.

وفيما جاء في سورة الزلزلة الترغيبُ بقليل الخير وكثيره والتحذيرُ من قليل الشر وكثيره. وقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها وسمَّاها: "الآية الفاذَّة الجامعة". قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": "سمَّاها جامعة لشُمُولها لجميع الأنواع من طاعةٍ ومعصيةٍ وسمَّاها فاذَّةً لانفرادها في معناها" والفذُّ في اللغة الفرد وقد جمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات، ومثقال الشىء زِنَتُه.

وقال النووي في "شرح صحيح مسلم": "معنى الفاذَّة القليلة النظير والجامعة أي العامة المتناولة لكل خيرٍ ومعروفٍ" فإن اسم الخير شامل لجميع أنواع الطَّاعات فرائضها ونوافلها وهذا يتضمَّن الحثَّ على كل خيرٍ ومعروف وفيها بالمقابل نهيٌ عن كل شرٍ وإثم.

الأحوال تتفاوت

 وفي قوله تعالى "مثقال ذرةٍ" تنبيهٌ على أن ما فوق الذرَّة يراه أيضًا، فمن يعمل مثقال ذرةٍ أي زنة نملةٍ صغيرةٍ يرى جزاءه أي على مقدار ما عمل من خيرٍ أو شرٍ، وفي هذا دليلٌ على أن أحوال الناس تتفاوت يوم القيامة، فأهل الجنة في درجاتٍ بعضها فوق بعضٍ على قدر أعمالهم الصالحة، وأهل النار في دركاتٍ بعضها أشد من بعضٍ على حسب أحوالهم. فليس التقي الذي أدى الواجبات واجتنب المحرمات كغير التقي الذي قصَّر بأن وقع فيما حرَّمه الله. وليس من زاد على أداء الواجبات واجتناب المحرمات ففعل المستحبَّات كمن اقتصر على فعل الفرض وترك الحرام فحسب. وليس عذاب الكافر الذي منع الناس من الدخول في الإيمان كفرعون مثلًا كعذاب كافرٍ كفر بنفسه ولم يصُدَّ الناس عن الإيمان بل عذاب الأول أشد.

ويُستفاد من هذا أنه لا يجوز نهي الإنسان عن الخير إذا رأينا منه هفوةً من الشر، وذلك أن بعض الناس مثلًا يرون امرأةً سافرةً لا تحتشم في لباسها ثم يرونها تُصلي فيقولون: لماذا تُصلِّين طالما تلبسين مثل هذا، أو يرون شخصًا يصوم رمضان ثم يغتاب آخر فيقولون له: اترك الكلام على الناس قبل أن تصوم وإلا فأفطر. وهل نهي تلك المرأة عن الصلاة أو هذا الرجل عن الصوم في هذه الحالة إلا نهيًا عن خيرٍ وأمرًا بشرٍ لأن المعصية تزيد بذلك حيث تجمع السافرةُ إلى سفورها تركَ الصلاة ويجمع المغتابُ إلى غيبته تركَ الصوم الواجب.  

وإنما لم يفهم الذي يأمر بمثل هذا ما جاء في سورة الزلزلة فإن الحسنات تُكتب والسيئات تُكتب وكلما زادت الحسنات كان خيرًا لصاحبها، ومن ابتُلي بالذنوب ولم يُقدِّم شيئًا من الخير أشرُّ ممن ابتُلي ببعض الذنوب وهو يعمل بعض الخير، وجديرٌ بنا إذا رأينا من يفعل خيرًا ويفعل شرًا أن نقول له: اترك الشر واثبت على فعل الخير لا أن ننهاه عن الخير فيتمادى في الشر.

جزاء الأعمال

إن حسنات وسيئات العبد المؤمن توزن يوم القيامة والله تعالى يجزي على العمل الصالح القليلِ الثوابَ الكثير، ولربما وفَّق اللهُ العبدَ إلى التوبة ورزقه العملَ الصالح بسر حسنةٍ يراها البعض قليلة ولربما كانت هذه الحسنة سببًا في ترجيح الحسنات على السيئات فينجو ذلك اليوم، لأن المؤمن الذي ترجح حسناته على سيئاته يدخل الجنة بلا عذاب. وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعل الخير وإن قلَّ فلا ينبغي للإنسان ترك البِرِّ بدعوى أنه عملٌ قليل، فقد روى البخاري عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا النار ولو بشِق تمرةٍ فإن لم تجد فبكلمةٍ طيبةٍ". "والشِّق" النصف. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلًا رأى كلبًا يأكل الثرى (التراب النَّدي) من العطش فأخذ الرجل خُفَّه فجعل يغرفُ له به حتى أرواه فشكر اللهُ له فأدخله الجنة" رواه البخاري. ومعنى "فشكر اللهُ له" رضي الله عن فعله فجازاه عليه خيرا.

وفي الموطأ للإمام مالكٍ قال: "بلغني أن مسكينًا استطعم (طلب طعامًا) أمَّ المؤمنين عائشة وبين يديها عنبٌ فقالت لإنسانٍ: خذ حبةً فأعطها إيَّاه فجعل ينظر إليها ويعجبُ فقالت عائشة: أتعجبُ؟ كم تُرى في هذه الحبة من مثقال ذرة" أي فإذا كان المرء يرى جزاء مثقال ذرةٍ من الخير فكم يكون له من الثواب بالتصدُّق ولو في حبة عنب لما تحويه من ذراتٍ كثيرة.

وبالمقابل أيضًا ينبغي للشخص أن يحذر المعاصي لا أن يسترسل بها اتكالًا على رحمة الله كحال بعض الناس يتمادى أحدهم في الذنب ولا يتوب ثم إذا ما نصحه ناصحٌ قال: الله غفور رحيم. ولهذا نقول: أنسيت أن الله شديد العقاب أيضًا؟! وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت امرأة النار في هرةٍ ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خَشَاش (حشرات) الأرض". ولربما كان هذا الذنب الذي رأيته صغيرًا سببًا في ترجيح كفة السيئات فكنت من المعذبين، لأن المؤمن إذا رجحت سيئاته على حسناته كان تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه ثم أدخله الجنة لأنه لا يخلُد في النار إلا الكفار.   

فأقبل على الخير واحذر الشر وكن بين الرجاء والخوف ترجو رحمة ربك وتخشى عقابه.

والحمد لله أولًا وآخرا.