2020-08-27 20:44:54

عاشوراء والدرس التاريخي / بقلم الشيخ أسامة السيد

عاشوراء والدرس التاريخي / بقلم الشيخ أسامة السيد

عاشوراء والدرس التاريخي / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 28 آب 2020

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وتلك الأيام نُداولها بين الناس} سورة آل عمران.

ما يزال الكلام عن ذكرى عاشوراء التاريخية وما رافقها من أحداثٍ مهمَّة على المستويين إحقاق الحق وعدم الخُنُوع للظالمين وما عبَّر عنه البُغاة من حقدٍ وتعسُّفٍ واستبدادٍ في مقابل ما عبَّر عنه الحسين عليه السلام من مكارم الأخلاق وعزَّة النَّفس والشَّرف وعدم بيع المبادئ بالمواقع درسًا منيرًا ساطعًا عظيمًا لكل أَبيٍّ شهمٍ يأبى الحيف ويرفضُ الظلم، وما زالت الفوائد الجمَّة المقتبسة من سيرة الإمام الحسين عليه السلام في الحرب والسلم ومجادلة الخصم بالحكمة والموعظة الحسنة نبراسًا وهَّاجًا لأبناء الأمة رغم مرور مئات السنين، فنحن أمةٌ لا تنسى عظماءها بمرور الزمان ولا تُهمل مناقبهم وبطولاتهم بطول الدَّهر لا سيما آل بيت النبوة الكرام الذين قال الله تعالى فيهم: {إنَّما يُريد الله ليُذهبَ عنكُم الرِّجس أهل البيت ويُطهِّرَكم تطهيرا} سورة الأحزاب. والذين من أشهرهم الإمام الشهيد الحسين عليه السلام بطل كربلاء وأسد الملحمة التي ما زالت جرحًا لم يرقأ وما زال صدى تلك المأساة يتجلجل في صدور المؤمنين.

إن في حُبِّ الحسين التزاما بسنّةِ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي قال:"اللهم إني أحبهما (أي الحسن والحسين) فأحِبَّهما" رواه البخاري وأحمد من طريق أبي هريرة. وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيهما: "من أحبني فليحب هذين". وروى ابن ماجه عن يعلى بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حسين مني وأنا من حسين أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينا" ومعناه محبته لي كاملة ومحبتي له كاملة.

 

مَن السَّفِلة؟؟

وما زالت هذه الذكرى تتكرر بتكرر الأعوام وتتألق فيها مبادئ قائدٍ قلَّ مثيله وعظيمٍ عزَّ نظيره فتثير في القلوب الحنين إلى إمامٍ لم يقم بحقه أولئك الظَّالمون بل ركزوا سيوف حقدهم ورماح بغيهم في ذلك الجسد البريء بدل أن يركزوا محبته والتأسِّي به في قلوبهم وقلوب أبنائهم وأحفادهم ليهتدوا بهديه المستمدِّ من هدي جده خير المرسلين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شرَّف الله تعالى الإمام الحسين بالشهادة التي يصبُو إليها الصَّالحون واستحق قاتلوه عذاب الله الشديد بما اقترفت أيديهم. وهكذا يفعل حُبُّ الظهور والتَّسلُّط ببعض الناس الذين لا يرون إلا رأيهم ويُعادون من خَالفهم ولو كان المخالف مُحقًا ولا يُبالون بإفساد دينهم لإصلاح دنياهم أو دنيا غيرهم. وقديمًا قال الإمام الكبير مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي: "قال لي ربيعة الرأي (شيخ الإمام مالك): يا مالك من السَّفِلة؟ قال: قلت: من أكل بدينه (أي أفسد دينه لأجل الدنيا). فقال: من سَفِلةُ السَّفِلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه. قال: فصدَّقني (أي قال لي صدقت) رواه البيهقي.

وما زال حبُّ التسلُّط واتخاذ ظهور الناس جسرًا للوصول إلى زعامةٍ زائفةٍ سبيلًا أساسًا عند كثيرٍ من أصحاب الفكر الأعوج الذي لا يُبالي أن يسقي ما يبنيه بالدم بدل الماء ولو تدفَّقت تلك الدماء من ضخِّ القلوب البريئة ولو كان قلب سيدنا الحسين عليه السلام، وكما برز في الماضي البعيد من تطاول على مقام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك لا يزال في الناس من هو مستعدٌ للتطاول على أصحاب الفضل وطمس الوقائع وتزييف الحقائق بغية مآرب مادِّيةٍ رخيصة.

رأي الوهابية في الحسين

 وأكثر من ذلك نقول: لو كان الحسين في زماننا وجرت عليه تلك الأحداث فأغلب الظن أن كثيرًا من الناس سيُناصبونه العداء والقِتال ولن يروا ضيرًا في سفك دمه فقد صرَّحت الوهابية أدعياء السلفية أن الحُسين قُتل بسيف جده (أي بسيف الحق) كما في بعض التسجيلات المحفوظة لعبد العزيز آل الشيخ وغيره. ومعنى ذلك عندهم أنهم يرون أن الحسين بغى على يزيد. والحق أن الحسين عليه السلام لم يكن خارجًا عن طاعة الإمام ولا أدري إلى ماذا ترمي الوهابية من جرَّاء هذه الفتوى حيثُ حكموا باستحقاق النار لرجلٍ قال فيه النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" رواه الترمذي عن أبي سعيدٍ الخدري.

 والحقيقة التي لا ينكرها المنصفون أن الإمام الحسين كان علمًا من أعلام الدين ولم يخرج ثائرًا لأجل غرضٍ دنيويٍ رخيصٍ ولا بقصد طلب الرِّياسة حبا بالدنيا، إذ ليس الحسين نكرةً في الناس وهو ابن بنت سيد الثقلين رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة الصدِّيقة وناهيك بذلك شرفًا لا يبيعه الحسين بالدنيا وما فيها، بل كان خروجه في سبيل الله يرجو الإصلاح في شأن الأمة ما استطاع، ويسعى في قمع الطغاة الجائرين ليحل العدل بدل الظلم فكان ما قدَّر الله.

وإذا ما كنا نحن اليوم وبعد مضي نحو ألف وأربعمائة سنة على مأساة كربلاء تعتصر قلوبنا أسىً وحزنًا على ما حلَّ بالحسين ومن معه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي قلوبٍ تلك التي أكنَّتها تلك الصدور الظَّالم أهلها الذين اختاروا متاعًا من الدنيا قليلا وزعامةً على رقاب العباد على كُرهٍ فتمتَّعوا قليلًا ثم انقضت تلك الأيام وها هو التاريخ يسرد أخبارهم وأخبار الحسين فترى الحسين في العلياء رغم أنه لم يلِ الإمارة وتراهم في الحضيض رغم كل السلطة والسَّطوة والبطش والظلم الذي أغراهم به إبليس.

وهذا يُعلِّمنا أن العاقل من كان حليف الحق مهما كانت الظروف ومهما اشتدت المحن فإن الباطل زاهقٌ وإن زخرفه الناس، والحق منصورٌ ولو تخلَّى عنه كثيرٌ من الناس، وعزيز النفس لا يبيع المبادئ بالمواقع ولا يُفرِّط بالحقوق ولا يترك تحمُّل المسؤوليات خوفًا من ناعقٍ ينعق بالباطل، ومن اتخذ من الحسين عليه السلام قُدوةً له فسار في ضياء سيرته الغرَّاء سعدت دنياه وأخراه.

والحمد لله أولًا وآخرا.