2020-08-19 22:08:25

التعاون على الخير لا على الفساد / بقلم الشيخ أسامة السيد

التعاون على الخير لا على الفساد / بقلم الشيخ أسامة السيد

التعاون على الخير لا على الفساد / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 20 آب 2020

 

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} سورة المائدة.

آيةٌ مباركةٌ من كتاب الله العظيم هي نبراس صلاحٍ للمؤمنين ومنار إصلاحٍ تستقيم بها الأفراد وتترقى بها المجتمعات وتتقدم بها الأمم وتشتد أواصر المحبة وتقوى عُرى المودة والتآخي فنُفلح بذلك وننجح.

هي آيةٌ فيها الأمر بالتعاون العام الذي يشمل كل مرافق الحياة. وقوله "وتعاونوا على البر والتقوى" وصيةٌ عامة والفرق بين البِرِّ والتقوى أن البر عامٌ في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات وفي كل ما يُقرِّب إلى الله، والتقوى هي أداء الواجبات وترك المحرمات، فالبر أعم من التقوى. فمن اقتصر على التقوى من الناس فهو عبدٌ تقيٌ، أما البرُّ فهو شاملٌ لكل خير سواءٌ كان فرضًا أم نفلاً ولا شك أن المسارعة في الخير واغتنام طرقه من أجلِّ الأعمال.

المؤمن للمؤمن كالبُنيان

وقد جاء فيما رواه ابن حِبَّان عن أبي سعيدٍ الخُدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشبعُ المؤمن خيرًا حتى يكون منتهاه الجنة" فالمؤمن الكامل لا يملّ من طلب الخير والسعي في البر بل يغتنم ذلك حيث تيسر له حتى يوصله ذلك إلى الجنة، لأنه أدرك أن الدنيا مزرعة للآخرة، ففيها العمل الذي يوصل صاحبه إلى الدرجات العليا في الجنان أو الدركات السفلى في النيران، فجديرٌ بمن أيقن بهذه الحقيقة أن ينظر ماذا يقول وماذا يفعل وأن يكون عونًا لأخيه على ما يعود عليه بالنفع والفلاح لا عونًا له على الإثم والعدوان والفساد كما أفادت ذلك الآية الكريمة. قال النسفي في "تفسيره": "والإثمُ تركُ المأمور (أي ما أمر الله به من الفرائض) والعدوانُ فِعلُ المحظور (أي اقتراف ما نهى الله عنه من المحرمات) وحيث لم يُخصص في الآية فردٌ بالأمر ولم تُفرد في ذلك حالة خاصة فكل البر يُتعاون عليه ليكون المؤمنون صفًا واحدًا كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ، بعضهم سندٌ لبعضٍ مقتفين بذلك تعاليمَ سيد الكونين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُد بعضه بعضا". ولن يكون البنيان مرصوصًا ما لم تكن حجارته متجانسة متراكبة لأن المتخالف المتنافر لا يشد بعضُه بعضًا ولا يحمل بعضُه بعضًا، ولا بد لهذا التعاون والتعاضد من أن تتميز فيه حقائق الأشياء بوضوحٍ فيُعرف البر وتُعرف أبواب التقوى بلا شكٍ، وهذا ضروريٌ حينما يكثر التمويه وتزييف الحقائق ويُزَين الباطل ليتوهم بعض الناس أنه خلاصة الحق، وتُحرَّف المبادئ الصحيحة كما هو حاصل في زماننا العجيب حيث صار كثيرٌ من الناس يقدمون الضلال يزعمون أنه الصواب ويروجون للفساد يعتقدون أنه الهدى، ولا شك أن هذا يستدعي من كل واحدٍ منا أن ينصر الحق بالبيان ما استطاع ، فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلِّغوا عني ولو آيةً" رواه البخاري. فعلى كل مؤمنٍ أن يعمل على نشر الهدى ما استطاع ليحذر الناس السم في الدسم، فإن المنكر إذا لم يقم من ينكره ويبين خطره للناس زاد وانتشر، والمرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه.

قال الشاعر:

الناس للَّناس من بدوٍ وحاضرةٍ                      بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعُروا خدم

التعاون قوة

 سيدنا موسى عليه السلام وهو النبي الكريم سأل الله تعالى أن يعضُده بأخيه قال تعالى إخبارًا عنه في سورة طه: {واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري} وقد استجاب ربنا تعالى لدعوته عليه السلام قال تعالى: {قال قد أوتيت سُؤْلَك يا موسى} وقال جلَّ وعزَّ في سورة القصص:{قال سنشُد عضُدك بأخيك} فدلَّ هذا على أهمية العمل الجماعي لنشر الفضيلة والتعاون على إحقاق الحق وإبطال الباطل، إذ التعاون على البر قوة وأما التعاون على الإثم والعدوان فهو فسادٌ وشرٌ مستطير يخرب البيوت ويُدمر الأوطان، وقد دلت الآية أعلاه على حرمة ذلك، فإن أي عملٍ فيه تشجيعٌ على الحرام وحثٌ على الفساد سواءٌ بالقول أم بالفعل، كأن يأمر بما نهى الله عنه من الإثم أو ينهى عمَّا أمر الله به من الفرائض، هو تعاونٌ على ما يُسخط الله. ونرى بعض الناس للأسف يصرفون المال في التعاون على الإثم والعدوان ويدافع بعض الجهلة عن أنفسهم بأن يقول أحدهم: "أنا لم أفعل ولم أقترف إنما فعل فلانٌ واقترف الذنب فلان" ويجهل أو يتجاهل أنه شريكٌ له في الإثم لأنه لولا أنه أعانه على هذا الشر لما تمكّن فلانٌ من فعله، وجديرٌ بمن كان هذا حاله أن يتوب إلى الله وينظر كيف يعين إخوانه على الخير ليكون المال ذخرًا له لا وبالًا عليه في أخراه، وليكون بالتالي داخلًا في جملة الذين يتعاونون على البر والتقوى فشتان بين الطريقين.

إذًا فضرورة العمل بالآية الكريمة واضحة لذي عينين بل هي حقيقة راسخة فإن كثيرًا من الأعمال لو قام بها المرء مستعينًا بغيره تأتي أتم وأكمل بل ويختصر بذلك جهدًا ووقتًا وبذلك تظهر أهمية التعاون على البر والتقوى من أجل التكامل في إنجاز المطلوب من أمور الحياة. فالتعاون قوة تتضاعف بمزيد التعاون فتنجلي بهذه القوة الظلمات المدلهمة وتنكشف للناس الحقائق التي طمسها أعداء الحق، وبذلك نكون على قلب رجلٍ واحدٍ ونندفع بالحق الذي اجتمعنا عليه متعاونين في مواجهة كل المؤامرات التي تُحاك لأمتنا لنكون على خطى سلفنا الصالح الذين طبقوا بكل معنى الكلمة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَثلُ المؤمنينَ في توادِّهِم وتراحُمِهم وتعاطفِهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وبذلك حملوا للناس مشاعل النور وكنوز العلم وشعارهم قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.

 والحمد لله أولًا وآخرا.