2020-08-13 16:40:32

الله خالق الأسباب والمسبَّبات / بقلم الشيخ أسامة السيد

الله خالق الأسباب والمسبَّبات / بقلم الشيخ أسامة السيد

الله خالق الأسباب والمسبَّبات / بقلم الشيخ أسامة السيد

الله خالق الأسباب والمسبَّبات / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 13 آب 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم إخبارًا عن ذي القرنين عليه السلام: {وءاتيناه من كل شىءٍ سببا} سورة الكهف.

لا يخفى أن الأمور منوطةٌ بالأسباب فتتأتى من جرَّائها المسبَّبات وكل ذلك بخلق الله وحده، وقد ذكر ربنا تعالى من جملة إنعامه على ذي القرنين، وكان رجلًا صالحًا وقيل بنبوته، وهو غير الإسكندر المقدوني الرومي،

 أنه أعطاه من كل شىءٍ سببًا. قال القرطبي في "تفسيره": "قال ابن عبَّاسٍ: علمًا يتسبَّب به إلى ما يريد" أي كان يعرف الأسباب التي توصله إلى المراد فيتعاطاها في الوصول إلى بغيته، وأصل السبب في لغة العرب الحبل ثم استُعمل في كل ما يُتوصَّل به إلى شىءٍ. قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط": "والسبب الحبل وما يُتوصَّل به إلى غيره". وقال الرَّازي في "التفسير الكبير": "قالوا: ولا يُدعى الحبل سببًا حتى يَنْزِلَ ويَصعَدَ عليه" ومعناه حتى يُتوصَّل به إلى شىءٍ لأنه بالصعود والنزول عليه يُتوصل به إلى أمرٍ ما. والسبب في اصطلاح علماء التوحيد: "حادثٌ يُتوصَّل به إلى حادثٍ" ومعنى حادث مخلوق، ويُسمَّى ما يُتوصَّل إليه بطريق السبب المسبَّبُ وكلٌ من الأسباب والمسبَّبات بخلق الله تعالى. مثال ذلك: الطعام حادثٌ يُتوصَّل به إلى الشِبَعِ والشِبَعُ حادثٌ، والسكين حادثٌ يُتوصَّل به إلى القطعِ والقطعُ حادثٌ، والنار حادثةٌ يُتوصَّل بها إلى الإحراق وهو حادثٌ أيضًا، وهكذا فالطعام سبب الشِبَعِ والشبعُ مُسبَّبٌ عن الطعام، والسكين سبب القطع والنار سبب الإحراق فالقطع مسبَّبٌ عن السكين والإحراق مسبَّبٌ عن النار.

الأسباب والمسبَّبات مخلوقة

وكلٌ من الأسباب المذكورة وغيرها لا تخلق شيئًا من المسبَّبات المتأتية عنها بدلائل العقل والنقل إذ لا تلازم َعقليٌّ بين الأسباب والمسبَّبات فقد يوجد السبب ويتخلَّف المسبَّب، فربما تعاطى اثنان نفس الدواء فشُفي أحدهما ومات الآخر وربما شُفي العليل بغير دواء أصلًا علمًا أن الدواء سبب الشفاء، وربما تعاطى المرء سبب الشبع والرِّي من طعام وشراب ولم يشعر بالشِّبع ولا بالرِي أو طلعت الشمس وهي سبب الضياء وتخلَّف الضياء بالكسوف، ومن أدلِّ ما يدلُّ على ذلك ما جرى على نبي الله إبراهيم عليه السلام حين اجتمع الكفار يريدون تحريقه بالنار فألقوه فيها فلم يحترق، فقد وُجد عند ذلك السبب الذي هو النار وتخلَّف المسبَّب الذي هو الإحراق فلم يحترق إبراهيمُ عليه السلام، قال تعالى:{قلنا يا نارُ كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين} سورة الأنبياء.

قال علم الهدى الماتريدي في "تأويلاته": "جعلها (أي الله) في الخِلقة بردًا وسلامًا على إبراهيم خاصةً وأما على غيره فهي على ما هي في طبعها (صفتها) من الإحراق". وقال الطبري في "تاريخه": "ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه" أي القيد الذي ربطوه به فقط ولم تؤثر فيما سوى ذلك منه، ومما يشهد بصحة ذلك أيضًا ما جاء في خبر الذبيح فقد أمر الله تعالى نبيه إبراهيمَ بذبح ولده إسماعيل وقيل إسحاق عليهم السلام، قال تعالى إخبارًا عنهما:{قال يا بُني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين} سورة الصآفات. وأمرَّ إبراهيمُ عليه السلام السكينَ على ولده فلم تقطع شيئًا، قال تعالى:{وناديناه أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا إنَّا كذلك نجزي المحسنين} سورة الصآفات. قال السِّمعاني في "تفسيره": "فإن قيل: كيف قال: صدَّقتَ الرؤيا ورأى أنه يَذبح ولم يَذبح، والجواب: أنه قد أتى بما قدَر عليه من الذَّبح فجعله مُصدِّقًا بهذا المعنى". فقد بادر إبراهيمُ عليه السلام إلى تنفيذ أمر الله ولكن تخلَّف المسبَّب عن السكين وهو القطع. وبهذا يُستدلُّ على فساد قول من يُسمي الله تعالى سببًا لما فيه من نسبة المخلوقية لرب العالمين وهذا ضلالٌ مبين، والصواب أن الله هو خالق الأسباب والمسبَّبات فلو شاء تعالى لأغنى المؤمنين عن تعاطي الأسباب للوصول إلى منافع معينة، ولكن جعل اللهُ أمورَ الدنيا قائمةً على الأسباب والمسبَّبات وجعل كذلك أمر السلامة في الآخرة والفوز بجنة النعيم قائمًا على العمل بالأسباب المنجية وهي أداء الواجبات واجتناب المحرمات.

العمل بالأسباب

فمن أيقن بهذه الحقيقة وهي أظهرُ من أن يشك فيها عاقلٌ فلا ينبغي له ترك الأخذ بالأسباب المطلوبة، فالحذر الحذر من أفعال قومٍ خرجوا عمَّا تقتضيه الحكمة بدعوى التوكل على الله وجهلوا أن العمل بالأسباب لا يُنافي التوكل وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فمن كان لا يجد النفقة الواجبة على زوجته وأولاده الصغار مثلًا إلا بالسعي وجب أن يسعى لذلك، وقد روى البخاري عن ابن عبَّاسٍ قال: "كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزودُون ويقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس (شحذوا) فأنزل الله تعالى "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" سورة البقرة. قال القسطلاني في "إرشاد الساري": "وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطَّعام وتزوَّدوا لسفر الآخرة بالتَّقوى فإن خير الزَّاد التقوى". وقد أمر نبيُّ الله يوسفُ عليه السلام بتخزين الحنطة في السنابل لأيام القحط كي لا يُسرع إليها الفساد فإن القمح إذا أُخرج من سُنبله كان تعرضه للفساد أكثر، قال تعالى: {فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلًا مما تأكلون} سورة يوسف. وأمر الله المؤمنين بالحذر في حربهم مع الكفار فقال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم} سورة النساء. وقال أيضًا: {وخُذُوا حِذركم} سورة النساء. وكان أفضل الناس نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم يتعاطى الأسباب فقد ظاهر يوم معركة أُحدٍ بين درعين أي لبس أحدهما فوق الآخر. وقال لأصحابه: "تداوَوْا يا عباد الله". وأتاه رجلٌ يسأل في شأن ناقته فقال: أعقِلُها (أربِطُها) وأتوكَّل أو أُطلقُها (أترُكُها بلا قيدٍ) وأتوكَّل. فقال له النبي: اعقلْهَا وتوكَّل". وقال للإمام علي وقد رآه يأكل شيئًا: مَهْ (اكفف) يا علي فإنك ناقِهٌ (في طَور المعافاة من مرضٍ كان أصابه). روى كل ذلك الترمذي وغيره وفي جميع ذلك تعليمٌ للأمة ليكون الواحد عاملا بالأسباب.

والحمد لله أولًا وآخرا.