2020-08-10 09:50:01

رسالة إلى سماحة السيد حسن نصرالله / بقلم السيد صادق الموسوي

رسالة إلى سماحة السيد حسن نصرالله / بقلم السيد صادق الموسوي

رسالة إلى سماحة السيد حسن نصرالله / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 10 آب 2020

 

رسالة إلى سماحة السيد حسن نصرالله

الأخ العزيز سماحة السيد حسن نصر الله دامت توفيقاته.

لا أريد هنا مناقشة التطورات اللبنانية من منطلق سياسي وأنت تعلم أني أسبق منك في الساحة اللبنانية وأكثر دراية بألاعيب السياسية لأني في صميم الواقع السياسي اللبناني منذ العام ١٩٧٠، سواء في جانبه الداخلي أو بما يتعلق بالثورة الإسلامية في إيران التي قادها الإمام الخميني رضوان الله عليه، ولا أظن أن أحداً استطاع التواصل مع الإمام الخميني قبل انتصار الثورة وحتى بعدها لفترة طويلة عن غير طريقي إلاّ نادراً وهذا ما يعرفه علماء ذلك الزمان وأهل الصحافة والإعلام أجمعون، ولقد كانت الوفود القادمة من الجمهورية الإسلامية إلى لبنان كلها ولسنوات بمشاركتي أو بالتنسيق معي، حيث كنت ممثل " مجلس قيادة الثورة الإسلامية في إيران " لمساعدة لبنان بمبلغ ٥ ملايين ليرة ( ٥/ ٢ مليون دولار في ذلك الوقت )، وكنت ممثل " حزب الجمهورية الإسلامية " في لبنان، وكنت المؤسس لـ " لجنة إمداد الإمام الخميني "، والمسؤول لفترة عن " مؤسسة الشهيد " في لبنان وسوريا، والمؤسس لـ " صندوق القرض الحسن "، والوثائق موجودة تثبت أن اللبنة الأولى لـ " حزب الله " قد وضعتها أنا في وقت كان أي حديث خارج " حركة أمل " حراماً وكل معترض على أي سلوك خاطئ في ذلك التنظيم كان يُتّهم بشتى الإتهامات، وكم من الإتهامات وجهها لي شخصياً مسؤولون في " حركة أمل " سابقاً وهم اليوم من قيادات " حزب الله "، لكنني لا أريد إطالة الكلام في هذا المجال.

إنني أريد التكلم هنا بما تعلمناه في الحوزة العلمية، ولعلك بلغت درس كتاب " المكاسب " للشيخ مرتضى الأنصاري رضوان الله عليه، إلى جانب انخراطك في النشاط التنظيمي والحزبي منذ ريعان شبابك.

لقد ورد في كتاب " المكاسب " للشيخ مرتضى الأنصاري (هذا الكتاب يتمّ تدريسه سطحاً وخارجاً في الحوزات العلمية سواء في النجف الأشرف أو قم المقدسة وباقي الحوزات الدينية المرموقة) في الجزء الثاني / المسألة الثانية والعشرون / معونة الظالمين في ظلمهم، حيث ورد بحث مفصل حول حكم التعامل مع الحكام الظَلَمة، ويورد المرحوم الأنصاري رضوان الله عليه جملة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وروايات عن الأئمة المعصومين عليهم السلام تحرم كلياً إعانة سلاطين الجور على ظلمهم حيث يورد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم:

" من علّق سوطاً بين يدي سلطان جائر جعلها اللّه حيّةً طولها سبعون ألف ذراع فيسلّطها عليه "

وفي نفس السياق ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:

" إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الظلمة، أين أعوان الظلمة، أين أشباه الظلمة حتى من بَرَى لهم قلماً أو لاقَ لهم دواة، فيجتمعون في تابوت من حديد، ثمّ يرمى بهم في جهنم "

وفي رواية أخرى ذكرها الشيخ في الباب المذكور عن محمد بن عذافر عن أبيه، قال:

" قال لي أبو عبد اللّه ( الصادق ) عليه السلام: يا عذافر؛ بلغني أنّك تعامل أبا أيوب وأبا الربيع ( وهما من ولاة الجور في ذلك الزمان )، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟

قال: فَوَجَمَ أبي

فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام لمّا رأى ما أصابه: أي عذافر؛ إنّما خوّفتك بما خوّفني اللّه عزّ وجلّ به

قال محمد: فقدِم أبي فما زال مغموماً مكروباً حتى مات،.

لكن الأكثر وضوحاً في جملة الروايات التي أوردها صاحب " المكاسب " هو رواية صفوان بن مهران الجمال حيث قال: «دخلت على أبي الحسن الأوّل ( موسى الكاظم ) عليه السلام

 فقال لي: يا صفوان؛ كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً

فقلت: جعلت فداك، أيّ شيء؟

فقال عليه السلام: إكراؤك جِمالَك من هذا الرجل يعني هارون

قلت: واللّه ما أكريته أشِراً ولا بَطَراً ولا لصيدٍ ولا للهو، ولكن أكريته لهذا الطريق يعني طريق مكّة، ولا أتولّاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.

فقال لي: يا صفوان؛ أيقع كراؤك عليهم ؟

قلت: نعم، جُعلت فداك

قال: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراؤك ؟

قلت: نعم. قال: من أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وروده إلى النار.

قال صفوان: فذهبت وبِعت جِمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون

فدعاني فقال لي: يا صفوان؛ بلغني أنّك بِعت جِمالك؟.

قلت: نعم.

 قال: ولم ؟

قلت: أنا شيخ كبير، وإنّ الغلمان لا يقومون بالأعمال.

فقال: هيهات هيهات، إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا، إنما أشار عليك بهذا موسى بن جعفر.

قلت: ما لي ولموسى بن جعفر.

قال: دع هذا عنك، واللّه لولا حسن صحبتك لقتلتك ".

إن تأثر " عذافر " بكلام الإمام الصادق عليه السلام عن مصير المتعاملين مع ولاة الجور والذي أدّى إلى أن يغرق في الغم والكرب ثم يموت متأثراً بكلام الإمام، وإن تأثر " صفوان الجمال " بكلام الإمام الكاظم عليه السلام ومسارعته إلى بيع كل جِماله التي كان قد استأجرها منه هارون ليؤدي عليها حج بيت الله الحرام، فيهما الحجة الكافية على جميع الذين يهرولون نحو سلاطين الجور والحكام الفاسدين، علماً بأن الإمام الصادق كان معروفاً بتدريسه مختلف العلوم حتى بلغ تلامذته الـ ٤٠٠٠، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة، ولم يكن الإمام هذا مشهوراً بمواقفه المناوئة للسلطة، والإمام الكاظم أيضاً كان قد قضى ردحاً طويلاً من عمره في السجون والمطامير ولم يُعرف بأنه رفع راية الجهاد ضد الحكام، لكن ما ورد في كتاب المكاسب عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين، ونحن لم نذكر إلاّ عيّنات من تلك الأحاديث والروايات، يكفي لمراجعة الحسابات عند الكثيرين والتوقف عن إعانة السلطة الجائرة والفاسدة والكافرة في آن والعودة إلى منهاج النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام.

ثم إن الإمام الخميني رضوان الله عليه الذي أعشقه أنا وأنت يا أخي سيّد حسن كان يمتاز عن غيره بأنه وقف منذ شبابه في وجه نظام رضا بهلوي ومن بعده ضد محمد رضا بهلوي في وقت كان بعض الآخرين يرون ضرورة تأييد النظام الشاهنشاهي " تقيّة " لأنه يشكل في هذه المرحلة عنوان التشيّع، لكن الإمام الخميني أعلن بكل صراحة:

" التقيّة اليوم حرام "

وتحمل الإمام كل أنواع التُهم ورضي بالعيش في المنافي حتى كان النصر من الله في ١١ شباط ١٩٧٩، وإن ملايين الشباب في أنحاء العالم الذين عشقوا الإمام الخميني ومنهجه ومنهم أنت لم يكن ولاؤهم هذا إلاّ للروح الثورية التي كان يبثها في النفوس ومواقفه ضد الحكام الجائرين وقوى الإستكبار في العالم، فكيف يمكن الجمع بين عشق من كان يقف ضد حاكم جائر فاسد وهو كان عنوان التشيع بين الدول، وبين التفاخر بالتعاون مع سلطة فاسدة لا تمتّ إلى الإسلام بأية صلة ؟.

إن لبنان اليوم يعيش أياماً صعبة فالناس كانوا يبحثون قبل الإنفجار في مرفأ بيروت عن خبز يأكلونه نتيجة تردي الوضع الإقتصادي والإرتفاع الجنوني لأسعار السلع الضرورية، وبعد الكارثة الكبرى صار المواطن اللبناني يبحث عن كوب ماء نقي ليشربه بسبب التلوث الذي حصل نتيجة الإنفجار وغلاء أسعار المياه النقية، وإن واجب علماء الدين الإصطفاف إلى جانب المستضعفين والوقوف في وجه الظالمين والفاسدين وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول:

" أأقنع من نفسي بأن يُقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوةً لهم في جُشوبة العيش ؟ "

أخي العزيز سيد حسن

إنني إذ أُجلّ دورك في المسيرة الجهادية وتقديمك فلذة كبدك قرباناً في مواجهة الصهاينة المجرمين وتحملك المخاطر الجمة والتهديدات الجدية لحياتك، وأنا العارف بالتطور في المراحل المختلفة لمسيرة حياتك حتى بلغت هذه الدرجة من المنزلة الرفيعة والمكانة العالية عند الناس، وإنني كنت من المتحمسين بعد شهادة السيد عباس الموسوي رضوان الله عليه لتخلفه أميناً عاماً لحزب الله، وها أنا من موقع الناصح الأمين أقترح عليك فك اللحمة مع السلطة التي يعلم الجميع وأنت تُقرّ أيضا بفسادها، وقيادة مسيرة المستضعفين الذين لم يعودوا يملكون ثمن رغيف لإطعام أُسرهم، والذين لم يعودوا يجدون سقفاً يُظلهم بعد الكارثة الكبرى التي حلت بهم، فتكون قائد المقاومة ضد العدو الصهيوني المجرم وأيضا قائد مسيرة الشعب الثائر في مواجهة السلطة الفاسدة وأنا أكون جندياً وفيّاً لك في هذا المشوار.

السيد صادق الموسوي