2018-08-06 16:01:54

رونق المجاورة للرئيس التسعيني / فؤاد مطر

رونق المجاورة للرئيس التسعيني / فؤاد مطر

رونق المجاورة للرئيس التسعيني / فؤاد مطر

 

رونق المجاورة للرئيس التسعيني / فؤاد مطر

 

من محاسن الصدف أنني في بيروت أعيش في مبنى واحد مع الرئيس الدكتور سليم الحص الذي نكتسب من مجلسه أمثولات خلال الساعة التي نكون فيها مرة أو أكثر في الأسبوع نحن زواره في مكتبه المتواضع، والذي يكتشف المرء عند المقارنة مع بعض من أهل الجاه في الحكم مدى حرص سليم الحص على أن يكون في حياته واحداً من أكثرية الناس في عيشه البسيط.

في ساعة الصفاء يجلس على كنبة يستغرب بعض زواره كيف أنها بسيطة وعادية كما غرفة المكتب التي على جدرانها بعض الصور العائلية وبعض اللوحات الحروفية، ويستمع إلى أحد أشرطة مطربه الأقرب إلى مزاجه الموسيقار محمد عبد الوهاب يغني. وكان يصعب عليَّ كما على مرافقه وصديقه العميد فارس فارس سؤاله لماذا يفضل أغنية ((كل عمري عايش لوحدي)) على غيرها من أغاني الموسيقار الراحل.

هل هي رغبة في العزلة بعد رحيل رفيقة العمر ليلى مع أن الإبنة الوحيدة وداد تملأ وإبنها الذي يحمل إسم جده وعلى أهبة أن يكون طبيباً واعداً، بيت الوالد رعاية يمتزج فيها حنان الإبنة الوحيدة مع تفهُّم الظروف الصحية للوالد وما تتطلبه هذه الظروف من رعاية. وعندما تتطلب الرعاية تمضية بضعة أيام في المستشفى فإن وداد المديرة العريقة في ((الإنترناشونال كوليج)) إحدى أرقى الكليات في لبنان تتحول إلى إحدى الممرضات والأطباء الذين يسهرون على حالة الوالد الذي طالما أتعبه ((زنار النار)) الذي يعاني من آلامه بين وقت وآخر، ويذكر بالخير أمام زواره وأحدثهم القائم بالأعمال السعودي وليد البخاري كيف أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمة الله عليه، أرسل إليه طائرة خاصة نقلتْه في مرحلة دقيقة من التوعك الصحي إلى الرياض للعلاج.

وهل إلى جانب الشعور بالعزلة وترجمتها غنائياً بالنسبة إليه ((كل عمري عايش لوحدي))، هو عدم وفاء البيارتة لمن لا يعود في السلطة حيث ينصرفون عنه ويمارسون ولاءهم العابر بطبيعة الحال لمَن يحل محل المنصرف، وفي حال إستعاد من جديد مكانه السلطوي فإنهم يعودون إليه وإغراقه في حبهم له. وعندما أقول ذلك فلأنني على مدى سنوات من مجاورة الرئيس الحص لمسْتُ عن كثب هذا السلوك البيارتي كما لمْستُه في الفترة التي سبقت إختيار تمام صائب سلام لرئاسة الحكومة وكيف أن قناديل الدار الإسلامية كانت في تلك الفترة خافتة وكأنما اللمبة عبارة عن شمعة، ولمجرد أن تم الإعلان عن أن سيد السراي بات تمام سلام حدثت إنتفاضة حب من البيارتة ونشطت الذاكرة التي كانت في إجازة طوعية وشعشعت الأضواء في الدار الإسلامية.

وقد نجد مَن يقول إن طبائع الشعوب عامة تفرض المبالغة في الإلتفاف حول مَن يتزعم، كما تحدُث المبالغة بشكل عكسي عندما يفقد المتزعم والمترئس بالتدرج ذلك الإلتفاف. ولكن الذي حصل للرئيس سليم الحص كان بالغ القساوة، ربما لأن الرجل عندما ترأس الحكومة خمس دورات لم يتجاوب مع طالبي الإنتفاع من سلطته الرسمية، وتلك من سلبيات الرئيس الحص في نظر الناس لكنه يرى العكس ويعتبر تلك من الإيجابيات التي على مَن يتسلم موقعاً رسمياً في الدولة أن يتحلى بها. ونراه تبريراً لذلك يعتز بتوصيف البعض له بأنه صاحب ضمير في لبنان الذي تتكاثر فيه قلة أصحاب الضمير. كما يعتز بأنه نأى وهو في قمة سلطة المغانم عن إرتضاء إستغلال المنصب وضْع حواجز بينه وبين متطلعين إلى مكاسب من خلاله.

كل الذين يزورونه للمرة الأولى وبالذات السفراء أو بعض الشخصيات السياسية العربية العابرة يستغربون كم أن مكتبه بهذه البساطة المتناهية قياساً بمكاتبهم ومنازلهم. ولكنهم يخرجون من إجتماعهم به مقدِّرين كثير التقدير شخصه وهدوء كلامه معهم، وكيف أنه لم يسجل على نفسه ألفاظاً تتسم بالحدة والخشونة.

وحتى في كتاباته كان هكذا. ولولا قسوة الحالة الصحية على مزاجه لكان واصل الكتابة التي طالما أغنى أدبيات العمل السياسي بالكثير منها. ويستحضر المرء مثل حالي بصفة الجار والكاتب الذي قرأ الكثير من كتابات الرئيس الحص في صحيفة ((السفير)) التي إحتجبت و((الخليج)) الإماراتية و ((العرب اليوم)) وقبل ذلك في صحيفة "النهار" التي تواصل مواجهة العسر بأمل أن يحل اليسر بعد حين، بعض رؤاه وإستنتاجاته في كتاباته التي صدرت في مؤلفات مثل قوله ((إنني من المؤمنين أن الإصلاح لا يتحقق إلاّ في ظل قيادة إستثنائية أو برأي عام ضاغط ولا مرد للتغيير في حال تقاطُع الظاهرتيْن)) و ((تعلَّمنا من التجارب أن الحقيقة تعمِّر، أما نصف الحقيقة فيدمِّر)) و ((نحن في لبنان ما تصرَّفنا يوماً ولا نتصرف اليوم كشعب، بل كقبائل)) و((إن خيِّرتُ بين أن أكون قاتلاً أو أن أكون مقتولاً فإنني أختار أن أكون القتيل، وإن خيِّرتُ بين أن أكون معذَّباً أو معذِّباً فإنني أؤثر أكون معذَّباً. إن أعظم العقوبات هو الندم، أي وخز الضمير)) و ((كان يقال إن لبنان يتميز عن محيطه العربي بما يتمتع به من حرية وديمقراطية، وكنتُ شخصياً من الذين يرددون هذا القول. إلاّ أنني بعد دخولي المعترك السياسي سرعان ما تنبَّهتُ إلى الواقع والمفارقة: إن في لبنان كثيراً من الحرية وإنما قليل من الديموقراطية)) و((يخطىء مَن يتحدث عن تعارُض بين الإسلام والديمقراطية، فنحن نرى في الديمقراطية الترجمة العصرية للشورى في الإسلام)) و ((العولمة لعبة متوحشة لا ترحم يتبارى فيها الكبار ولا حساب فيها للصغار)) و((أول الثوابت في السياسة اللبنانية بأن لا ثوابت فيها ولقد علَّمتنا التجارب أن التقلب في الموقف هو الشطارة في السياسة بل هو ميزة السياسة)) و ((لا حقَّ للقوة أمام قوة الحق))و ((سمة العصر هي طغيان الإستخبارات على سياسات الدول كُبراها وصُغراها)) و((نحن في لبنان نعيش حالة إفلاس سياسي ، حيث نجوم الساحة السياسية بلغوا حالة عجْز مطْبق عن الوفاء بأقل واجباتهم تجاه المواطن والمجتمع والوطن)) و ((يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه وأدهى ما حل بلبنان أن إستشرى الفساد في مجتمعه وتغلغل في ثقافته فبتنا نتحدث عن ثقافة الفساد حيث الإختلاس والإحتيال والنفاق وتسخير الضمير كلها في حُكْم الشطارة)).

ما زال وهو على مسافة أسابيع من تسعينيته ((مواليد 1929)) على قناعاته: القناعة السياسية والقناعة الشخصية والقناعة المعيشية. ونراه حامداً شاكراً يتمنى لو كان في إستطاعته السير من دون مساعدين في حديقة دارته في ضاحية قريبة من العاصمة سُميت بإسمه عفوياً ((دوحة الحص)) كما التسمية العفوية الثانية للشارع البيروتي الذي في أوله مبنى سكنه، إذ التسمية شعبياً ((نزلة الحص)) فيما هي بلدياً ((شارع الإستقلال)). كذلك يتمنى لو تسعفه الحال الصحية للتنزه على كورنيش بحر بيروت المقابل للجامعة الأميركية التي له عنها ذكريات من الزمن العربي الجميل كما له في نفوس كثيرين تلْمذَهم في بعض المراحل كأستاذ في الجامعة ومنهم الرئيس فؤاد السنيورة أطيب الذكريات.

عندما يستعصي عليَّ تفسير لغز من ألغاز أحوالنا اللبنانية البالغة التشابك وبالذات هذه الأيام حيث المنازلات على أشدها في موضوع المحاصصة بنكهة مذهبية فيما البلد على مشارف الوقوع في جب الإفلاس ولا مَن ينتشله، أجد نفسي أسأل الأثبت حضوراً إلى جانبه والأدرى بأحواله ومرتِّب لقاءاته الزميل رفعت بدوي إذا كان دولة الرئيس في مجلسه. ثم يكون اللقاء المثمر معه بعض التفسير من جانبه لما هو مستعص تفسيره لمواقف أقطاب السياسة وبعض الذكريات التي تجعلنا نعيش في الزمن العربي السياسي الأقل عتمة مما هي عليه الحال هذه الأيام.

من بين الثلاثة والعشرين شخصية سياسية سُنية تعاقبوا على ترؤس الحكومة في لبنان منذ الحكومة الإستقلالية الأولى في شخص رياض الصلح وحتى الحكومة الحالية في شخص سعد الدين رفيق الحريري، كان سليم الحص منذ ترؤسه الأول عام 1976 وحتى الترؤس الأخير عام 2000 رئيساً على جانب من الفرادة إن لجهة ممارسته الكتابة السياسية والإقتصادية التي يبدو فيها حاملاً قلم النقد الذاتي والمعارضة الهادفة إلى التصحيح، وإن من حيث الحالة الشخصية. وهذه بالذات تبدو بمثابة رفْض للعراك الطوائفي والمذهبي المتواصل في لبنان. وندعه يروي واقعة زواجه التي تعكس لاطائفيته وسبق أن أشار إليها في مقالة له قبل 12 سنة في صحيفتيْ ((السفير)) و ((الخليج)) وبالسطور الآتية: ((أنا مسلم من لبنان. تزوجتُ من سيدة مسيحية من بلدة دير القمر(ليلى فرعون) أحببتُها حباً جماً وإحتفظَت هي بعقيدتها الدينية طوال حياتنا الزوجية السعيدة التي دامت أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ولم يكن في الأمر أدنى إشكال أو مشكلة. وما كان هذا خروجاً على الإسلام من قريب أو بعيد فقد كانت إحدى أزواج الرسول قبطية. وقبْل أشهر من وفاتها رحمها الله وكانت على فراش المرض العضال في حال من المعاناة الشديدة توجَّهَت إليَّ بكلمة مقتضبة تنم عن تصميم قاطع قائلة: أريد أن أعتنق الإسلام. فسألتُها للتو:لِم تقررين ذلك الآن؟ هل أنتِ مقتنعة بما تقولين؟ وعندما أكدتْ عزْمها كررتُ السؤال: هل أنتِ واثقة مما تطلبين؟ فأفحمتْني، لا بل سحقتْني، ببساطة الجواب: صممتُ على أن أُدفن في قبر واحد معك. وأنا اليوم على موعد مع الغائبة..)).

أطال الله عمر الدكتور سليم الحص الذي مناسبة كتابة هذا المقال يتلخص في عنوانه: رونق مجاورة الرئيس التسعيني.