2020-08-07 11:47:14

إلى المطالبين باحتلال فرنسي للبنان / بقلم السيد صادق الموسوي

إلى المطالبين باحتلال فرنسي للبنان / بقلم السيد صادق الموسوي

إلى المطالبين باحتلال فرنسي للبنان / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 7 آب 2020

لم يخرج اللبنانيون بعد من هول ما أصاب عاصمتهم من فاجعة كبرى بعد الإنفجار المهول في مرفأ ليروت، ولم يعثر بعد كثير من الأهالي الثكالى على جثث فلذات أكبادهم ومعيلي أُسرهم فُقدوا في الكارثة الكبرى، ولم يعرف الناس بعد حجم الكارثة التي ألمّت باقتصاد لبنان المنهار أصلاً، وإذا بأذناب الإستعمار يكشفون النقاب عن وجوههم، ويفضحون حقيقة كيانهم، فالذين اعتادوا أن يحضروا كل عام الصلاة على نية فرنسا في لبنان برئاسة رأس الكنيسة المارونية وبحضورالسفير الفرنسي ماذا يتكرس في أذهانهم ؟

والذين يخضعون للتعليم الديني في أغلب الرهبانيات اللبنانية باللغة الفرنسية ماذا يتكرس في أعماق نفوسهم ؟

والذين يتمّ إفهامهم أن الثقافة الفرنسية هي ارقى من ثقافة بلدهم ولا يكادون يعرفون شيئاً من اللغة العربية كيف تكون عقولهم ؟

والذين يرون أن لبنانهم خرج في الظاهر من سلطة المندوب السامي الفرنسي الذي يُعيّن من السلطات في باريس، لكنه واقع في الحقيقة تحت سلطة كنسية تستمد شرعيتها الدينية من دولة أجنبية إسمها " الفاتيكان " وهي تعلن كل عام الولاء لدولة أجنبية أخرى هي فرنسا، لذلك لا نعجب إذا وُجد في لبنان من يحنّون إلى الإستعمار الفرنسي الغابر...

إننا فقط نضع أمام أعين المنبهرين بالحضارة الفرنسية والمشرّبين الثقافة الفرنسية والمُعجبين بالسياسة الفرنسبة بعض الصور عن المجازر التي ارتكبها الفرنسيون في بلاد استعمروها، وكذلك صوراً عن الفضائع التي ارتكبوها بحق مواطنيهم إبان الثورة الفرنسية لعلهم يغرفوا حقيقة تاريخ هذه الدولة التي يطالبونها أن تحتل لبنان من جديد، ويروا مصير البلاد التي وقعت تحت الإحتلال الفرنسي، وينظروا إلى السلوك الفرنسي مع الشعوب التي رزحت يوماً تحت سلطة فرنسا.

أما الذين شربوا حليب السباع بمجرد أن رأوا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يضع قدميه في مطار بيروت وبدأوا بإطلاق المواقف النارية المليئة بالبغض والعداء ضد المجاهدين الذين ارتكبوا جريمة كبرى لما أبعدوا عن مناطقه أصدقاءه الإسرائيليين ومنعوه من الإستمرار في إقامة حفلات شرب الشاي مع الصهاينة، وأيضا الذين خسروا فرصة التحالف مع " إسرائيل " بفعل انطلاق شرارة الإنتفاضة الشعبية من مسجد الإمام الرضا عليه السلام في بئر العبد بعدما عقدوا إتفاقاً مُذلاًّ معه في ١٧ أيار عام ١٩٨٣، والذين شاركوا في غرفة العمليات من المجرم الصهيوني شارون وهللوا لاحتلال عاصمتهم من قبل الجنود الصهاينة ليصلوا إلى سدّة الحكم، والذين فتحوا في مناطق سيطرتهم مكتباً رسمياً للتعاون والتنسيق المستمر مع كيان الإحتلال، والذين ظلوا يعطون المعاشات لعصابة سعد حداد العميلة ومن بعده أنطوان لحد المجرم من خزينة الدولة اللبنانية حتى آخر يوم، والذين دافعوا عن العملاء الذين مارسوا أبشع أنواع التعذيب بحق إخوتهم اللبنانيين ولجأوا إلى حضن أسيادهم مع اندحار الجيش الصهيوني وأسموا أولئك بـ " المُبعَدين قسراً "، وصاروا يتباكون عليهم ويطالبون بالعفو عنهم أو تخفيف العقوبات التي تطالهم وفقاً للقانون اللبناني الساري وهو تجريم التعامل مع العدو، والذين بذلوا الجهود الكبيرة وضغطوا كثيراً على المحكمة العسكرية لعدم معاقبة المجرم الكبير المسؤول عن سجن " الخيام  " عامر الفاخوري بل وتبرئته بذريعة " مروز الزمن " وقاموا ليلاً وعلى عجل بتسليمه إلى السفارة الأمريكية في " عوكر " قبل أن يتفضل عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبطلب من رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو ويرسل طائرة خاصة لنقله إلى الولايات تلمتحده واستقباله في البيت الأبيض، والذين يعملون على صهر العملاء الذين عادوا إلى لبنان في مجتمعاتهم وإزالة وصمة العار عن جبينهم، هؤلاء هم الذين يبحثون دوماً عن دولة محتلة وقوة أجنبية تحكم بلدهم، حيث هم أنفسهم يفخرون حتى اليوم في تاريخهم بأنهم طالبوا باحتلال فرنسا للبنان عام ١٩٢٠ واستعملوا لذلك كلمة " الإنتداب " بدل " الإستعمار " تلميعاً لصورة المحتل وإخفاءً لحقيقة بشاعة الإحتلال، وهم الذين استدعوا عام ١٩٥٦ الأسطول السادس الأمريكي و ٤٠٠ من المارينز ليحتلوا العاصمة اللبنانية حفاظاً على سلطتهم، وهم الذين توسلوا عام ١٩٧٦ بسوريا ليغزو جيشها لبنان كي يستقووا به ضد القوى المعارضة المتحالفة مع الثورة الفلسظينية، حيث قال بيار الجميل يومئذٍ كلمته المشهورة: " لولا الأسد لطلّقنا العروبة ثلاثاً "، وهم الذين استنجدوا بشاه إيران أثناء الحرب اللبنانية ليمدّهم بالسلاح والذخيرة ليقاتلوا " الشيوعيين " و " اليساريين "، وكان يتحكم بقادتهم وعلى الخصوص بيار الجميل وكميل شمعون الجنرال في " السافاك " والسفير في بيروت منصور قدَر، وهم الذين استدعوا في العام ١٩٨٣ الجيش الصهيوني وتحالفوا معه ليبسطوا بالتعاون معه كامل سلطتهم على لبنان، واليوم هم أنفسهم يوقعون على عريضة مطالبين الفرنسيين بأعادة احتلال لبنان أثناء ترحيبهم بالرئيس الفرنسي في بيروت.

إذن ،

يجب أن يعرف الأحرار في لبنان حقيقة الذين وقّعوا على العريضة المقدمة للرئيس الفرنسي، ولا يستغربوا وجود شريحة تحب دوماً العيش تحت " جزمة " جندي محتل، ولا يهمّها هوية هذا المحتل سواء كان فرنسياً أو أمريكياً أو سورياً عربياً أو كياناً صهيونياً، ولا يأبهون بمن يكون المتحكم بقرارهم سواء كان الجنرال غورو أو غازي كنعان أو اوري لوبراني أو منصور قدر، لكن يجب على الأحرار في لبنان أن يرفعوا أصواتهم في وجه هؤلاء الحقراء الذين يتخاصمون مع شركائهم في الوطن، ويعادون إخوانهم الذين يقاسمونهم الأرض والماء والكلاء ولا يبذلون جهداً كافياً للتفاهم معهم وتقديم قليل من التنازلات في سبيل الحفاظ على حرية واستقلال بلدهم، لكنهم يلوذون سريعاً بالأجنبي ويطلبون منه احتلال بلدهم من جديد والتحكم بقراراتهم، وهم قد رأوا مصير مختلف المحتلين السابقين وكيف أُجبروا على الإندحار أذلاّء بعد أن تكبدوا خسارة مئات أو آلاف الجنود على أيدي المحاهدين الأشاوس والأحرار في مختلف عصور الإحتلال، والمثل يقول: " من جرّب المجرّب كان عقله مُخرّب ".

إنني انصح جميع الذين شعروا بإمكانية فضح مكنوناتهم الخبيثة بعد اللقاء مع الرئيس الفرنسي ماكرون والتهجم على خط الجهاد والشباب المجاهدين أن يعودوا إلى ذاكرتهم قليلاً ويتذكروا كم مرة اتخذوا مواقف نارية ضد هذا وذاك لكنهم اضطروا بعد وقت غير طويل للتراجع عنها والتوسل بالوسطاء لعلهم يفتحوا لهم باباً للتواصل مجدداً مع الذين اتخذوا سابقاً مواقف نارية ضدهم ؟.

ومن قال لهؤلاء الحمقى أن فرنسا الغارقة في الفوضى منذ أكثر من ثلاث سنوات والعاجزة عن أعادة الهدوء إلى العاصمة الفرنسية والمدن الأخرى قادرة على إعادة الهدوء والإستقرار إلى الساحة اللبنانية، وهل نسوا القاعدة المنطقية " فاقد الشيء لا يُعطيه " ؟.

وهل يستطيع الرئيس الفرنسي الذي يرفض مطالب الفقراء من شعبه وإجراء تعديل طفيف على قانون العمل أن يؤمّن الرفاهية للشعب اللبناني ؟.

وهل يمكن للذي يرفض تطوير قوانين بلده ويواجه قوى التغيير السلميين وأصحاب السترات الصفراء هناك بالقوة المسلحة وإطلاق النار على رؤوس المتظاهرين أن يأتي بميثاق وطني متقدم يُرضي جميع الأفرقاء اللبنانيين ؟.

ونحن نذكّر هؤلاء بكلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول؛ " إعتبروا بمن قبلكم قبل أن يعتبر بكم من يعدكم "، والقرآن الكريم كدلك يقول مراراً بعد ذكر عواقب الذين خرجوا عن طريق الهدى ومألات الذين حادوا عن جادة الصواب ونهاية أمور الذين أفسدوا في الأرض: ( إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي