2020-08-02 12:15:16

العنصرية والتزوير في بلد " الحرية " و " النزاهة " / بقلم السيد صادق الموسوي

العنصرية والتزوير في بلد " الحرية " و " النزاهة " / بقلم السيد صادق الموسوي

العنصرية والتزوير في بلد " الحرية " و " النزاهة " / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع  آب 2020

كانت الولايات المتحدة الأمريكية يُضرب بها المثل في حرية الأشخاص في الفكر والعقيدة والدين والمذهب، وكان كل إنسان في أرجاء المعمورة يطمح بالوصول إلى تلك البلاد ليعيش كما يحلو له ووفق فكره وعقيدته وحتى مزاجه، لكن هذه الصورة الظاهرة بدأت تتلاشى بدءاً من ١١ أيلول من عام ٢٠٠١ حيث بدأت النظرات تتغير بحسب الدين واللغة والعرق..

 ففي المرحلة الأولى بدأت السلطات الأمريكية تتعامل مع كل مسلم أنه متهم بالإرهاب حتى يُثبت هو عكس ذلك، ثم صارت الحساسية أكثر وصار يُنظر بعين الريبة إلى المنتمي لمنطقة الشرق الأوسط سواء كان مسلماً أو غير مسلم.

وبعد ذلك بات صاحب البشرة السمراء بغضّ النظر عن دينه ومذهبه حتى الذي من مواليد الولايات المتحدة هو ووالديه متهماً في نظر السلطات ويتم التعامل معه بحساسية خاصة..

وفي النهاية تحول الواقع في الولايات المتحدة إلى تمييز عنصري تجلى في النموذج الأبرز وهو قتل جورج فلويد على يد شرطي أبيض في مدينة منيابولس، بولاية مينيسوتا ما فجّر الغضب الشعبي الكامن لعقود وتجلى ذلك في التظاهرات الحاشدة التي اندلعت في مختلف الولايات والمدن الأمريكية والمستمرة حتى اليوم، والذي تطور إلى احتلال مراكز الشرطة في المدينة وحلّ جهاز البوليس في أخرى وانضمام عدد من الجنود إلى صفوف المعترضين ورفض تنفيذ الأوامر بإطلاق النار في حالات عديدة، ما جعل الرئيس ترامب يستدعي الحرس الوطني لمواجهة المتظاهرين السلميين، ثم استعان بالقوات الفيدرالية لإخماد الثورة الشعبية ضد التمييز العنصري، وقد وصل الأمر إلى حد فرض حالة الطوارئ في بعض المدن والولايات لعله يسيطر على الأوضاع المتردية، وكان رد الفعل الشعبي هو مهاجمة مظاهر الإستعباد من خلال تحطيم وتشويه ثماثيل لشخصيات كانت حتى الأمس القريب رموزاً وطنية، وكانت صور بعض تلك الشخصيات قد وُضعت على أوراق النقود الأمريكية من فئات مختلفة، ولم يؤثر في الإستمرار في تحطيم وتشويه التماثيل إعلان الرئيس ترامب بأنه أمر باعتقال المعتدين ومحاكمتهم وسجنهم حتى مدة ١٠ سنوات، بل ارتفعت الوتيرة حتى قام عدد من المتظاهرين في عدد من المدن الأمريكية بحرق علم بلادهم والمطالبة بالإستقلال عن الولايات المتحدة، وفي هذه الأجواء بادرت بعض البلديات في عدد من المدن وكذلك المؤسسات من تلقاء نفسها إلى إزالة عدد من التماثيل من الساحات العامة ومداخل المراكز المهمة والتي تستفز مشاعر الناس الثائرين.

ونتيجة للشعور بعدم الأمان في الولايات المتحدة تسابق الناس إلى شراء السلاح واقتنائه للحفاظ على حياتهم وحماية أسرهم تحولت الولايات المتحدة واحة الأمان إلى غابة من السلاح بعد أن زالت عنها صورة موئل الحرية، وأصبح انتشار أخبار إطلاق النار في أنحاء أمريكا وقتل أعداد من الناس أمراً عادياً، فيما حادث إطلاق نار وقتل معزول في بلادنا تصوره وسائل الإعلام على أنه دليل على الفلتان وعدم وجود الأمن وضعف النظام..

 كما أن موجة الحرائق المتنقلة في غابات الولايات المتحدة والتي تواجه السلطات صعوبة في السيطرة عليها وإخماد النيران فيها في كثير من الحالات لا نثير التساؤلات عند المراقبين فيما بعض الحرائق في الجمهورية الإسلامية يتم تصويره أنه دليل على فشل النظام الإسلامي في تجربته، وإذا سقطت طائرة ركاب صغيرة أو كبيرة في إحدى المدن الأمريكية وقُتل إثر ذلك عدد من ركابها فإن ذلك يكون أمراً عاديا علماً بأن لا حصار مضروباً ولا عقوبات تمنع التحديث وإصلاح الأعطال، لكن إذا سقطت طائرة في إيران والتي تعاني منذ ٤١ عاماً من الحصار الخانق وتمنع العقوبات الأمريكية وصول أية قطعة من مصانع الطائرات الأمريكية أو الأوروبية بضغط من السلطات في واشنطن وترفض حتى تزويد إيران بتحديثات البرامج للطائرات الموجودة في الخدمة فعلياً، عند ذالك تقوم الدنيا ولا تقعد لإثبات ضعف الإدارة في مؤسسات الحكومة الإيرانية، وهم يطبقون في هذه الحالة المثل الشائع " ضربني وبكى وسبقني واشتكى".. فأركان الإدارة الأمريكية يصرحون كل يوم صباحاً ومساءً بأنهم يفرضون حصاراً كاملاً وعقوبات غير مسبوقة في التاريخ على الجمهورية الإسلامية في إيران ثم يتهمون المسؤولين فيها بالفشل في إدارة البلاد، ويحاولون بعد ذلك ومن خلال وسائل الإتصال والقنوات الفضائية الممولة من المخابرات ووزارة الخارجية الأمريكينين التحريض على الشغب بين الفينة والاخرى في إيران عبر إثارة الإضطرابات التي سرعان أن تتم السيطرة عليها وإنهاؤها.

إن آخر مظاهر الحرية في الولايات المتحدة كانت الإنتخابات الرئاسية فيها..

وترى أمريكا نفسها معياراً لنزاهة الإنتخابات في أي بلد في العالم..

 فإذا تمت انتخابات في بلد تطابق المعايير الأمريكية فإنها تكون " نزيهة " و " ديمقراطية "، وإن اختلفت ولو قليلاً مع الأنموذج الأمريكي فإنها تكون " مزورة " و " غير ديموقراطية " و " غير مشروعة "، لكن الحديث اليوم وقبل أشهر من إجرائها وعلى لسان رئيس الولايات المتحدة يدور عن احتمال التزوير في الإنتخابات الرئاسية المقبلة في أمريكا، وهذا يفتح الباب أمام التشكيك في نزاهة الإنتخابات ويجعل من السهل التشكيك بشرعية الرئيس المقبل للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الوضع يؤدي بالنتيجة إلى سقوط الأنموذج الذي كان موضع فخر ومباهاة للأمريكيين أمام شعوب العالم والمثال الذي كان يريد الإقتداء به المبهورون بالحضارة الغربية في بلادنا العربية والإسلامية، علماً بأن انتخابات رئاسية سابقة مرت في أزمة وآخرها انتخاب دونالد ترامب نفسه، لكن المحكمة العليا كانت تحسم الأمر وتعلن الفائز، لكن لم يشكك أحد من المتنافسين مسبقاً بصحة عملية التصويت والقول بإمكانية التروير وحتى الذهاب إلى المطالبة بتأخير إجراء الإنتخابات.

إن الأجواء السياسية الملبدة السائدة في الولايات المتحدة وتدني شعبية دونالد ترامب يومياً بسبب فشله في التعامل مع فيروس " كورونا " وما تبعه من تدهور اقتصادي وبلوغ البطالة في البلاد إلى مستوى الـ ٥٠ مليون عاطل عن العمل، وهي تزيد يوماً بعد يوم بسبب إفلاس الشركات واحدة تلو أخرى وصرف عشرات الألوف من العمال والموظفين يومياً، وبسسب تراكم الديون على الحكومة الأمريكية بمقدار ٣٠ تريليون دلار تقريباً والعجز في الميرانية بمقدار ١٬٩ تريليون دولار ما أدى إلى تدني سعر العملة الأمريكية أمام العملات الأخرى لأول مرة..

وبالخلاصة دخول الإقتصاد الأمريكي في حالة ركود لم يعهده الأمريكيون في تاريخهم الحديث.

إن التحركات التي يقوم بها الرئيس الأمريكي المرشح للدورة الإنتخابية القادمة تجعل شرائح المجتمع الأمريكي في مواجهة عنيفة نرى بعض نماذجها في المواجهات الأمريكية الأخيرة حيث يندفع العنصريون المدججون بالبنادق والمسدسات إلى مهاجمة المتظاهرين ضد التمييز العنصري سلمياً، بل وتقتحم سيارات الشرطة بشاراتها صفوف المتظاهرين وتدهس الناس، ثم يأتي الصهريج الكبير ويقتحم بدوره حشود متظاهرين آخرين وتتعامل الشرطة والحرس الوطني والشرطة الفيدرالية بقسوة شديدة مع المتظاهرين ما جعل مجلس حقوق الإنسان الدولي يصدو قراراً يدين فيه الإستعمال المفرط للقوة من جانب الشرطة الأمريكية ضد المتظاهرين السلميين المنددين بالتمييز العنصري.

إن تهشم الصورة المثالية عن الحرية في الولايات المتحدة..

وبروز واقع التمييز العنصري ضد السود اليوم بعد أن كان مستتراً لعقود..

ومعاداة المسلمين الذي أظهره القرار التنفيذي لترامب الذي يمنع مواطني عدد من الدول الإسلامية من دخول البلاد ما دفع مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون مؤخرا إلى إصدار قانون يوقف القرار العنصري للرئيس، لكن هذا القرار يحتاج لقرار مماثل من مجلس الشيوخ الدي يهيمن عليه الجمهوريون حتى يصبح نافذاً..

وكذلك تردي الحالة الإقتصادية الأمريكية التي كان يُضرب به المثل في إقتصادات العالم، وفشل الولايات المتحدة " الرائدة " بمجال الطب عن مواجهة فيروس " كورونا " حتى أصبحت الدولة الأكثر إصابة وضحايا في العالم، وانتشار البطالة والفقر في بلاد الثروة والسعادة حتى صار البعض يبحث عما يتقوّته في مستوعبات القمامة...

كل هذا يفرض علينا الرجوع إلى ذواتنا قليلاً وإعادة قراءة ثقافتنا النابعة من القيم الإنسانية والسماوية، ويفرض على النخبة المثقفة أن تقطع أملها بالقيم الغربية التي ظهر فسادها والتوقف عن اتخاذها أسوة لنمط التفكير والعيش، والتوجه بدل ذلك نحو شرع الله العليم الخبير السميع البصير والإستجابة لدعوة كتاب الله العزيز:

( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم )

والتأسي بخير خلق الله محمد صلى الله عليه وآله تطبيقاً لقول الله:

 ( ولكم في رسول الله أسوة حسنة )

واتّباعاً لأمر الله :

( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا )..

وهكذا نكون مصداقاً للآية الكريمة ( كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ). صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي