2020-07-30 17:03:05

ردا على ابن تيمية ودفاعا عن عبد الله بن عمر / بقلم الشيخ أسامة السيد

ردا على ابن تيمية ودفاعا عن عبد الله بن عمر / بقلم الشيخ أسامة السيد

ردا على ابن تيمية ودفاعا عن عبد الله بن عمر / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 30 تموز 2020

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {إن الله يُدافعُ عن الذين ءامنوا إن الله لا يُحبُّ كل خَوَّانٍ كفور} سورة الحج.

لا زلت أتعجَّب من استرسال الوهابية في الدِّفاع عن ابن تيمية والطَّعن فيمن يُخطِّئه بينما كلام أي عالمٍ آخر هو قابلٌ عندهم للنِّقاش ويجوز عليه الخطأ والصَّواب، بل ربما ضَعَّفوا حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أوَّلوه على خلاف معناه إذا عَارَضه قولٌ لابن تيمية، بل زعم زعيمهم ابن عثيمين في تسجيل له "إن ابن تيمية لا يقُوم له عالم ولم يستطع أحدٌ أن يُقيم الحجَّة عليه في شىءٍ، وإنه كان عنده من قوة الدليل ما لو احتجَّ عليه أحدٌ بآية أو حديثٍ فإنه يجعل الآية والحديث دليلًا له على من احتجَّ عليه". والواقع أن كثيرًا من العلماء ردُّوا على ابن تيمية وفنَّدوا أقواله بالدليل ولكنَّ الوهابية تطمس ذلك. وقال الوهابي عبد العزيز السَّدحان في كتابه الذي سمَّاه "الإمام ابن باز دروسٌ ومواقف وعبر": "نُقل عن بعض أهل العلم مقولة مفادُها لو لم نُخبَر بختام النبوة لقلنا: إن ابن تيمية نبي فعُرضت على بعض أهل العلم فبَالغ في إنكارها وعرضتها بنفسي على سماحته (أي ابن باز) فتبَسَّم ضاحكًا وقال: نعم لذلك أصل، ثم ذكر حديث "لو كان بعدي نبيٌ لكان عمر بن الخطاب". وزعم ابن القيِّم وهو من أخصِّ تلاميذ ابن تيمية في كتابه "مدارج السَّالكين" أن ابن تيمية اطَّلع على اللوح المحفوظ وأخبر بهزيمة التتار سنة اثنتين وسبعمائة للهجرة. ويقرأ الوهابية هذا فيه زاعمين أنه من كرامات ابن تيمية.

تكفير ابن تيمية لسيدنا ابن عمر

قلت: ألم يكتفِ الوهابيةُ بتسمية ابنِ تيمية شيخَ الإسلام وتقديمِه على سائر علماء الأمة وعدمِ قبول تخطئته حتى وصل بهم الحدُّ إلى هذا المقال، وربما يخجلون من التصريح بتفضيله على الصحابة أو مساواته برسول الله صلى الله عليه وسلم!!! وليت شعري ماذا يكون مقام الخلفاء الراشدين والأئمة الأربعة وأئمة أهل البيت والتابعين عندهم بالنظر إلى رأيهم في مقام ابن تيمية؟ ولقد ازداد عجبي بعدما رأيت كلام ابن تيمية في سيدنا عبد الله بن عمر حيث اتَّهمه بالشرك ففي كتابه المسمى: "اقتضاء الصراط المستقيم" (ج2/ص757) قال عن تبرك الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله: "إنه ذريعةٌ إلى الشرك" وهذا تكفيرٌ صريحٌ لابن عمر لأن ما كان ذريعةً أي وسيلةً إلى الشرك فهو شركٌ إذ الإعانةُ على الكفر كفرٌ.

فماذا أنتم قائلون أيها الوهابية وبأي وجهٍ ستُدافعون عن شيخكم ابن تيمية بعد تكفيره للصحابي الجليل عبد الله بن عمر؟! وإذا صحَّ عند ابن تيمية أن يكون ابن عمر مشركًا فهل صحَّ له ولكم الإيمان بزعمكم؟! ولنوضح للقارئ لماذا حكم ابن تيمية على ابن عمر بهذا: روى ابن حِبَّان في "صحيحه" عن نافعٍ قال: "كان ابن عمر يتتبَّع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل منزلٍ نزله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ينزل فيه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فكان ابن عمر يجيء بالماء فيصبَّه كي لا تيبس". وأخرج الحميدي في "مسنده" عن نافعٍ أيضًا: "أن ابن عمر كان يمُرُّ بشجرةٍ بين مكة والمدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستظلُّ فيها فيحملُ لها الماء من المكان البعيد حتى يصبَّه تحتها".

قلت: هكذا كان حالُ ابن عمر في شدة تتبُّعه لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنَّ هذا الفعل من هذا الصحابي العظيم لم يُعجب ابن تيمية ومن يرى رأيه فسوَّلت له نفسه فحكم عليه بالشرك لذلك.  

عبد الله رجلٌ صالح

ألم تدر الوهابية أن الحكم على ابن عمر بالشرك يتضمن نسفَ ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدح ابن عمر، فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: رأيتُ في المنام في يدي سَرَقةً (قطعة) من حرير لا أَهوِي (أُشير) بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه فَقَصَصتُها على حفصة فَقَصَّتها حفصةُ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخَاك رجلٌ صالح، أو قال: إن عبد الله رجلٌ صالح".

فيا أيها الوهابية إن أقررتم أن عبد الله بن عمر رجلٌ صالح وهو هكذا بشهادة النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم فأولى لكم أن توافقوه فيما رآه من جواز التَّبرك بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن تتركوا مذهبَ الرجل الصَّالح لرأيٍ عجيبٍ شاذ جاء به ابنُ تيمية بعد مئات السنين. وإن لم تُقِرُّوا بصلاح ابن عمر فقد استدركتم على من قال الله تعالى فيه: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى} سورة النجم. فبأي شىءٍ ستُدافعون عن أنفسكم؟! ولو سألناكم: ما حُكم من نسب إلى رجلٍ شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالصَّلاح الشركَ فماذا أنتم قائلون؟ وحقيقة الأمر أن مثل هذا لو ناظركم به أحدٌ لأفحمكم ولكن لا ندري بماذا يُسوِّل لكم الشيطان عند ذلك؟ وليس ببعيدٍ على أمثالكم ردّ الحديث نُصرةً لقول ابن تيمية وقد سبق لمن ترون فيه أهلية الخوض في علم الحديث وهو بعيدٌ من هذه المرتبة بُعد الأرض من السماء، عنيت به ناصر الألباني، أن ضعَّف ما صححه البخاري لنُصرة أهوائكم، ويا ويح من كان النبي صلى الله عليه وسلم والصَّالحون خُصماءه يوم القيامة.

إن مقام عبد الله بن عمر أسمى وأجلّ، وإن رجلًا حكم له النبي صلى الله عليه وسلم بالصَّلاح يُنزّه عن مثل ما يقول فيه ابنُ تيمية، وإن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن عمر وغيره أيها الوهابية لا يعرفون بزعمكم الفرقَ بين الإيمان والشرك فهل أنتم تعرفون هذا الفرق؟! وهل التشكيك بفهم الصحابة للدين إلا تشكيكًا بما تدين به الأمةُ لله عبر مئات السنين إلى يومنا هذا حيث كانوا هم من نقل إلينا الدينَ ونشروه بجهادهم في البلاد بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ بعض الناس ينطبق عليهم قول الله تعالى: {فمالِ هؤلآء القوم لا يكادُون يفقهون حديثا} سورة النساء.

والحمد لله أولًا وآخرا.