2020-07-12 21:27:45

أمريكا السيدة المعزولة / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا السيدة المعزولة / بقلم السيد صادق الموسوي

أمريكا السيدة المعزولة / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشـراع 13 تموز 2020

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية تمسك بعنق السياسة الدولية من خلال حق النقض ( الفيتو ) في مجلس الأمن الدولي، وبالإقتصاد العالمي من خلال التحكم بقرارات صندوق النقد الدولي وأيضاً عن طريق التحكم بحركة الدولار في مختلف التعاملات الدولية، وبالقوة العسكرية في العالم عبر أساطيلها الحربية وحاملات طائراتها التي تجوب بحار ومحيطات العالم وتهدد من تشاء بها، وفي القوة التجسسية حيث تجوب أقمارها الصناعية العسكرية الفضاء وتراقب ما يجري في الأرض وتصوره بأفضل التقنيات، وفي المجال العلمي إذ تستقطب الأدمغة المبدعة من أنحاء العالم وتستفيد من انتاجاتها باسمها، وفي المجال الصناعي حيث تهيمن قدرة صناعاتها على باقي صناعات دول العالم؛ لكن هذه القوة العظمى التي فرضت سطوتها على باقي دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وجعلت من توجهاتها في مختلف القضايا والأمور ميزاناً لسياسات باقي الدول فيما الولايات المتحدة لا تهمها قرارات وتوجهات في هذا العالم.

ولقد تكرس منطق الهيمنة الأمريكية عند مختلف شرائح المجتمع مع مرور الزمن وعبر عقود حتى صار الإستخفاف بالقوة الأمريكية أمراً غير معقول في نظر عموم الناس، والإستهانة بقراراتها دليلاً على عدم الواقعية ومواجهة سياساتها ضرباً من الجنون، لكن تجارب عديدة في أرجاء العالم أثبتت أن لدى هذه القوة العظمى نقاط ضعف كثيرة يمكن اختراقها وتوجيه ضربات قاسية من خلال تلك النقاط لهيمنتها بل وفرض الهزيمة عليها في حال الإستقامة والصمود في وجه استكبارها، فهزيمتها في فيتنام في سبعينيات القرن الميلادي الماضي، وإذلال هيبتها في احتلال السفارة الأمريكية في طهران وأسر ٩٨ ديبلوماسياً أمريكياً والإحتفاظ بهم لمدة ٤٤٤ يوماً ما والذي تسبب في هزيمة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وكذلك فشل محاولة الغزو الأمريكي لإيران بذريعة العمل لتحرير الرهائن عبر الإنزال العسكري في صحراء طبس والذي ادّى إلى تدمير طائراتها المتطورة ومقتل ٨ جنود لها، وفي لبنان جاءت الهزيمة الأمريكية بعد مقتل ٢٤١ جندياً في تفجير مقر المارينز في بيروت في العام ١٩٨٣، وبعد ذلك تفجير مبنى السفارة الأمريكية في بيروت في العام نفسه ومقتل جميع العاملين فيها والبالغ عددهم ٦٤ منهم ١٦ أمريكياً، وهناك أمثلة أخرى لا نريد ذكرها تجنباً للإطالة.

هذا عن الهزائم الأمريكية في المجال العسكري..

أما الهزائم في المجال الإقتصادي والتجاري،

فالحصار الأمريكي على كوبا منذ العام ١٩٦٠ وهو الأطول في التاريخ لم يُعطِ ثماره بل اضطرت الولايات المتحدة إلى تغيير سياستها تجاه كوبا في أواخر عهد الرئيس أوباما والإنفتاح على كوبا..

والحصار الإقتصادي وفرض أشد العقوبات على الجمهورية الإسلامية في إيران مند العام ١٩٧٩ لم يُؤدِّ إلى إضعاف النظام بل دفع الإيرانيين إلى الإعتماد على قدراتهم الذاتية فتحولت إيران من دولة عاجزة عن التصدي لغارات الطائرات العراقية على عاصمتها وباقي المدن إلى دولة قادرة على إسقاط أهم وأحدث طائره مسيرة أمريكية حاولت الإقتراب من ارتفاعات شاهقة إلى المجال الجوي الإيراني وذلك من دون أن تتمكن أجهزة التشويش المتطورة عليها من إنقاذها.

وكذلك قامت الصواريخ الإيرانية بدكّ أهم قاعدة أمريكية في قاعدة عين الأسد في العراق دون أن تتمكن الأجهزة الدفاعية الأمريكية من التصدي لأي منها أو الرئيس الأمريكي من الجرأة على الردّ عليها، وأيضا سارت الصواريخ الذكية الإيرانية أكثر من ١٠٠٠ كيلومتر لتدمر إحدى أهم المراكز التابعة لقيازات " داعش " على الحدود العراقية ـ السورية من دون أي اعتراض لها، وقد بلغ مدى الصواريخ الإيرانية حتى اليوم ٣٠٠٠ كيلومتر بحيث تقع كامل الأراضي المحتلة في فلسطين الحبيبة وحتى بعض الدول الأوروبية في مرمى تلك الصواريخ، وهذا يشكل عامل ردع للعنتريات الأمريكية والعربدات الصهيونية، وفي البحار والمحيطات حيث كانت من قبل تحت سلطة الأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية أولاً ثم باقي الدول العظمى، وكانت أمريكا تحدد المجال المسموح والممنوع في البحار والمحيطات لحركة السفن التجارية، وأسقطت البحرية الأمريكية في الخليج العام ١٩٨٨ بدم بارد الطائرة المدنية الإيرانية المتجهة إلى مطار دبي وقتلت ٢٩٠ شخصاً وهم الطاقم وجميع المسافرين، لكن الجمهورية الإسلامية في إيران أصبحت اليوم تذهب ناقلاتها محملة بالنفط إلى فنزويلا متحدية الحصار الأمريكي على تلك البلاد ومن قبل نقلت النفط إلى سوريا على الرغم من فرض الحصار عليها أمريكياً وغربياً وفشلت كافة المحاولات لعرقلة رحلتها.

وفي الحقل السياسي،

 يشهد العالم كله على تدني مكانة الولايات المتحدة واحترامها عند الشعوب وذهبت هيبتها لدى قادة العالم وضعفت هيمنتها على باقي الدول، بل ترى نفسها معزولة في مجلس الأمن الدولي حيث تواجهها روسيا والصين دون تردد باستعمالها حق الرد وتعطل بكل سهولة مشاريع القرارات التي تقدمها واشنطن، وفي اليونسكو وفي محكمة العدل الدولية وفي متظمة الصحة العالمية أيضاً، فتضطر بسبب هزائمها وعزلتها إلى الإنسحاب من المنظمات الدولية واحدة تلو أخرى ومعاقبتها بسبب تنمّرها وذلك عبر قطع حصتها في ميزانية تلك المؤسسات، وبحجج واهية ولأتفه الأسباب تلغي التزامات أمريكا الإقليمية وتخرج على الإتفاقيات الدولية، وقد بلغت هشاشة موقع الولايات المتحدة أن مسؤوليها الكبار يتحدثون عن محاولة الجمهورية الإسلامية في إيران إخراج أمريكا من المنطقة بعد أن اكتملت حلقات السلسلة وأصبحت إيران لها أكبر التأثير في العراق وبسطت تواجدها على كامل الساحة السورية وتُمسك بجزء كبير من القرار في لبنان، واستعادت دفء العلاقات مع أطراف المقاومة الفلسطينية بعد فترة من الفتور مع قيادات حماس.

إن إيران التي اعترف العالم كله مُرغماً بقدراتها النووية وبدخولها من خلال الإتفاق النووي في نادي الدول القليلة القادرة على تخصيب اليورانيوم، وصار همّ القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة أن لا ترفع الجمهورية الإسلامية مستوى تخصيبها عن الـ ٢٠٪  ليصل إلى حد إنتاج قنبلة نووية، قد طورت إيران أيضاً قدراتها في مجال السيبرانية حيث استطاعت الدخول إلى أعماق الأجهزة السرية والوصول إلى شيفرات أهم المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للولايات المتحدة وحتى التحكم بالطائرات الأمريكية المسيّرة الحديثة جداً وإنزالها سالمة على الأراضي الإيرانية، وتمكنت أيضاً من الدخول إلى الهواتف الخاصة لكبار المسئولين الصهاينة وآخرهم وزير الحرب الصهيوني والإطلاع على كافة المعلومات المخزنة عليها، وفي عالم الفضاء كذلك نجحت الحمعورية الإسلامية في إرسال قمر صناعي بقدراتها الذاتية وهي تجوب الفضاء وتصوّر المواقع الحساسة لأعدائها ويراقب الإيرانيون بدورهم تحركات الآخرين عبر الصور التي تصلهم تباعاً من قمرهم الصناعي بعد آن كان الفضاء محتكراً لعدد محدود من الدول المتقدمة علمياً وصناعياً.

إن الإستكبار الأمريكي الذي كان قبل انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني في العام ١٩٧٩ يقرر مصير شاه إيران ويفرض سفيرها رئيس الحكومة والوزراء على الشاه دون أن يجرؤ على التردد في الموافقة قد آصبح ممثلوها رهائن بيد الطلاب الإيرانيين، وطائراتها الحديثة التي أتت لفرض الهيبة الأمريكية مجدداً قد تدمّرت، وجنودها الذين قدموا لإنقاذ الرهائن قد تمزقوا أشلاء، ولم يعد لأمريكا أية هيبة في الجمهورية الإسلامية، ثم حاولت الولايات المتحدة الحؤول دون تمدد روحية التمرد على الإستكبار في المنطقة من خلال إشعال الحرب العراقية ـ الإيرانية وإيقاظ العصبيات القومية بين العرب والإيرانيين وتحريك الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة وتشكيل أحلاف في المنطقة لتكتيل الدول في وجه السيل الجارف الذي انطلق من إيران، لكن كل المحاولات فشلت وخرجت الجمهورية الإسلامية منصورة على الرغم من شدة الجراحات التي أصيبت بها، واليوم تقود إيران محوراً في المنطقة تضم دولاً وتنظيمات ومنظمات فاعلة تعمل بجد لطرد الإستكبار الأمريكي من المنطقة وأيضاً تحرير فلسطين من الإحتلال الصهيوني، ومع انضمام فنزويلا بقيادة نيكولاس مادورو إلى هذا المحور فإن شعاع مواجهة النفوذ الأمريكي يمتد إلى المنطقة التي تريدها الإدارة الأمريكية حديقة خلفية لها تأتمر بأوامرها وتخضع لسلطتها.

اننا نطلب من زعماء دول المنطقة أن يمتلكوا على الأقل الشجاعة بقدر المواطن الأسود الأمريكي الذي تحدى رئيسه دونالد ترامب وسخر من قراراته وواجه الشرطة المسلحة بأفتك وسائل القتل بصدره العاري في محاولة لاستعادة كيانه كإنسان في بلد لا يزال يتعامل مع ذوي البشزة السوداء كعبيد في وقت يصمّ آذان العالم بأنه يدافع عن حقوق الإنسان ويناهض العنصرية بل ويقوم بتصنيف دول العالم بين مطابقة للمواصفات التي تحددها وزارة الخارجية الأمريكية ومخالفة لها.

أما في لبنان،

 فمازال البعض يعيش في العصور الغابرة، ولم يصدق أن الجيش الصهيوني الذي لم يكن يُقهر في الحروب مع الأنظمة قد قُهر فعلاً واندحر ذليلاً هو وعملاؤه على أيدي ثلة من المجاهدين الدين أعاروا جماجمهم لله وأحبوا آن يكونوا أحياء عند ربهم يُرزقون، وأن الجيش الأمريكي الذي لم يكن يُهزم بفعل الروح الإنهزامية لدى القادة التقليديين قد هُزم فعلاً بفعل اقتحام قواعده المحصنة من قبل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وتركت الولايات المتحدة ومن سار في ركبها لبنان خائبين، والهيمنة الأمريكية قد زالت أو هي على وشك الزوال نتيجة الثبات والصمود للرجال الرجال الذين أبوا أن يكونوا عبيداً أذلاّء وصبروا قليلاً على ألم الجراح لينالوا بعد ذلك الشفاء والصحة، والنموذج الأمريكي الذي كان يُقتدى قد انفضح وبانت عنصريته ووحشيته وتجوب مختلف المدن والولايات تظاهرات شعبية حاشدة تدين النظام الأمريكي القائم على العنصرية، ويقوم المواطنون الأمريكيون بتحطيم وإسقاط وتشويه تماثيل كانت حتى أمس ترمز إلى عظمة أمريكا ويحترمها كل مواطن وتزين صور تلك الرموز فئات العملة الأمريكية، والعَلَم الأمريكي الذي كان يُحرق في بلادنا من قبل ويدين العمل بعض الناس يتمّ اليوم حرقه في المدن الأمريكية نفسها وعلى أيدي المواطنين الأمريكيين أنفسهم، والإدارة الأمريكية التي تفرض سلطتها على دول وأنظمة هنا وهناك قد عجزت عن السيطرة على مناطق في العاصمة واشنطن وأعلنت مدن الخروج على الحكومة الأمربكية وحددت مناطق للإدارة الذاتية واحتلت مراكز الشرطة ومؤسسات تابعة للحكومة وطردت العاملين فيها، والرئيس الأمريكي الذي يدافع عن كل معترض في بلاد العالم ويساند كل تحرك محدود ضد أنظمة لا تخضع للسياسة الأمريكية ويسلط الأضواء عليه واصفاً إياه بأنه ثورة شعبية، لم يترك وصفاً قبيحاً إلاّ رمى به المتظاهرين السلميين في بلاده، بل كانت الألفاظ القذرة التي تلفظ بها الرئيس الأمريكي يخجل من التفوّه بها أكثر السخفاء عندنا.

إننا نؤكد،

 لمن لا يزال يعيش أوهام الماضي أن يتمعن في الوقائع ويرى مدى عزلة أمريكا في مختلف المجالات وفي كافة الأرجاء وهي التي كانت من قبل سيدة محترمة يطلب الجميع ودّها ويفتخر بالتقرب من زعمائها، ونتمنى أن " لا يذهب إلى الحج والناس راجعة "، وأن يحرر فكره قليلاً ويستعيد شخصيته وكيانه ويتمسك بسيادة بلده ويؤمن بأن الصبر يأتي بالنصر و ( إن الله مع الصابرين ) و ( إن الله يحب الصابرين ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي