2020-06-30 07:52:37

لبنان في مهب المجاعة والحل بحالة طوارىء وطنية / كتب المحرر السياسي لـ "الشراع"

لبنان في مهب المجاعة والحل بحالة طوارىء وطنية / كتب المحرر السياسي لـ "الشراع"

لبنان في مهب المجاعة والحل بحالة طوارىء وطنية / كتب المحرر السياسي لـ "الشراع"

مجلة الشراع 30 حزيران 2020

لا سر في القول بان الازمات المتلاحقة والمتفاقمة التي يعيشها لبنان اليوم ما هي سوى انعكاس للكباش الاقليمي والدولي المحتدم في المنطقة ,ما يعني ان اي حلحلة في الموضوع اللبناني وفقا لما يريده اللبنانيون الذي يعيشون محنة غير مسبوقة لن تظهر ملامحها الاولية قبل انجلاء الوضع خارجياً وتبلور صيغة معادلات يؤمل ان لا تكون على حساب شعوب المنطقة ودولها.

ومع انعقاد اللقاء الاخير في قصر بعبدا, تحت عنوان اتخاذ الاجراءات اللازمة لوأد اي فتنة يمكن ان تطل برأسها بعد احداث السبت (6-6) وما شهده من مواجهات اخذت طابع الاشكالات المذهبية والطائفية, فان اعطاء الاولوية للمعالجات الامنية والتلويح بتغيير النظام اللبناني , يشير بوضوح الى ان مستوى الازمة في لبنان بلغ مرحلة لا هم فيه لمن يتولى مسؤولية الحكم في لبنان الا الهاجس الامني .

وكمن يضع العربة امام الحصان يتم التعاطي مع هذه المسألة . لاسيما وان الامن او الاخلال به لا سمح الله هو سبب لما يجري وليس نتيجة له. علماً ان اي معالجة امنية قمعية او غير قمعية لن تحل المسألة ومن شأنها زيادة حالة الاعتراض العام على المسارات القائمة بدلاً من التخفيف منها او ادارتها بالشكل الذي يضمن تدارك الوقوع في الاسوأ.

وبات واضحا للجميع ان الازمة المالية والاقتصادية وانهيار سعر الليرة اللبنانية وتدهور القوة الشرائية لمداخيل اللبنانيين ومخصصاتهم ومدخراتهم ,وكل ما نتج عنه من افقار وجوع عام وشامل يذّكر بما كان قاله النائب ميشال معوض قبل اشهر عندما تحدث عن مجاعة سيشهدها لبنان شبيهة بالمجاعة التي شهدها عام 1914 خلال الحرب العالمية الاولى .ويمكن القول وللاسف بان لبنان بات اليوم في مهب مجاعة جديدة يعرف الجميع كيف بدأت ولكن احداً لا يعرف كيف ستنتهي والى اين ستأخذ البلاد.

ولم يعد يكفي في مواجهة هذه المحنة غير المسبوقة الاعتراف الصريح بالمسؤولية عنها كما ورد على لسان رئيس حكومة "مواجهة التحديات" حسان دياب ,الذي وصف من قبل خصومه بانه تحول الى قارئ عزاء لا عمل له الا تلاوة بيانات النعي من دون الاقدام على خطوة جدية او واعدة بالعمل على لجم او وقف حتى الدفع باتجاه مساعدة اللبنانيين على التحمل لتمرير مرحلة قد تكون الاسوأ في تاريخ لبنان القريب او البعيد.

وحال دياب في هذا الاطار ليس استثناء , فكل الخطب والمواقف والبيانات الواردة على ألسنة المسؤولين والقيادات الحزبية والسياسية موازية لما تعبر عنه مواقف رئيس الحكومة من عجز عن القيام باي خطوة عملية وواقعية  وتخفف عن اللبنانيين ما يعيشونه من معاناة.

ومن خلال ما تسرب من اجواء لقاء قصر بعبدا, فان احداً لم يلمس اي اشارة يمكن البناء عليها صدرت عن المداولات او المشاورات او حتى السجالات التي دارت, ما طرح ويطرح تساؤلات حول الجدوى من عقد مثل هذا اللقاء والغاية منه, ليس باعتباره مضيعة للوقت كما عبر احد رؤساء الحكومة السابقين, بل بسبب عدم تلمس الطاقم الحاكم حتى الان ومعه الطاقم المعارض له, لحجم المخاطر التي تمر بها البلاد الى درجة يصح معها ما قيل عن ان حكام لبنان وسياسييه في واد والواقع القائم في واد لا بل في عالم اخر.

ولعل هذا ما يضع هذه المشكلة في صدارة ما يعاني منه لبنان, اضافة بالطبع الى الكم الهائل من التهديدات التي تواجهه, في مرحلة انتقالية مريرة وصعبة قد تطول وقد تقصر تبعاً لتطورات المنطقة والاقليم. مع استمرار حكام لبنان بسياسة عزل لبنان عن محيطه وعن العالم وغياب الاصلاحات الفعلية واللازمة المطلوبة من اصدقاء لبنان واشقائه فضلا عن الغالبية الساحقة من اللبنانيين لدعمه ومساعدته لاخراجه من قعر الازمات التي يمر بها.

واكثر ما يؤلم على هذا الصعيد ,هو انه سيكون على المواطن ان يدفع الثمن , في ظل طبقة سياسية لا هم لها الا الحفاظ على مكتسباتها سواء كانت في السلطة حيث تعمل القوى الموجودة فيها على تقطيع الوقت ولو المر على اللبنانيين من اجل ضمان عدم انعكاس ما يدور حاليا في الاقليم سلبا على وزنها وثقلها حاضراً ومستقبلاً او كانت خارج السلطة حيث تعمل القوى المندرجة في هذا الاطار على التفرج كمن يشاهد مراسيم دفن ميت, على امل ان يلي ذلك دخولها "جنة السلطة" بدلا ممن يقبعون فيها حالياً, في سيناريو مقيت ومصلحي ضيق, يتحمل الجميع مسؤوليته داخل وخارج السلطة.

والمقصود في هذا الاطار , هو ان كل ما يطرح من صيغ "وحلول " لا ترتقي الى مستوى معالجة الازمة سواء كان لبنان محكوماً بمعادلات الخارج التي لم تتبلور بعد او هي في قيد التبلور خلال الاشهر القليلة المقبلة , او يمكنه الاتفاق على صيغة داخلية تضمن مواجهته العواصف الداخلية والخارجية التي تهب على البلاد من كل الارجاء وتتربص به الدوائر.

واول الغيث على هذا الصعيد , هو الذهاب الى الاعلان عن حالة طوارىء وطنية, في كل المجالات والميادين والحقول, لا تهتم بالامن فقط وهو من الاولويات الاساسية التي لا يجوز العبث بها, بل تعطي الاولوية للحوار الجاد والفعلي بين كل اطراف الطبقة السياسية ومع كل النخب والناشطين في الحراك الشعبي لبلورة ما يشبه ورقة انتقالية تتضمن رزمة من الحلول والمعالجات التي باتت معروفة وشائعة لكثرة تداولها وسط الكم الهائل من الاعمال الدعائية التي لا هم لها الا الترويج لهذا الفريق او ذاك.

حالة طوارىء وطنية, تبدأ اولاً بوقف الهدر الذي تتولاه مافيات منظمة ومدعومة  تتولى في كل القطاعات سرقة المال العام ولا تتورع عن ارتكاب كل ما من شأنه زيادة ثرواتها الطائلة ولو كان ذلك على حساب عيش المواطن وكرامته .

حالة طوارىء وطنية تتولى وقف عمل الغرف السوداء التي تخطط وتنفذ ما يحلو لها في كل المجالات والصعد والميادين, ولا هم لها الا اثارة البلبلة وزيادة الاحتقان والعمل على تحويل الاحتدامات الحاصلة الى مشاريع تخريبية امعانا في زعزعة المؤسسات والادارات والقواعد الاساسية للدولة.

حالة طوارىء وطنية, تخرج البلد من حالة الادارة العرجاء التي تتولاها حكومة قاصرة لا هم لها الا الدفاع عن وجودها وبقائها, الى حالة وطنية ينبثق عنها ما يصح وصفه مؤتمر حواري دائم يتم العمل من خلاله وفي فترة زمنية محددة قد تكون لستة اشهر او اقل او اكثر التشاور في كل صغيرة وكبيرة.

مؤتمر حواري دائم يضم على الاقل من يقال انهم ستة او خمسة قادة يختصرون مجلس النواب والمؤسسات الاخرى, اضافة الى القيادات الروحية وايضا الى القيادات النخبوية, ليبقوا على تواصل مباشرودائم من خلال خط ساخن يعمل على مواجهة كل تفصيل وقضية, ولا يكون فيه لمنطق المحاصصات والزبائنية اي مكان من خلال اعتماد معايير ليس من الصعب اعتمادها اذا توافرت الارادة الحقيقية لذلك.

حالة طوارىء وطنية,لا تتولى البحث في القضايا الخلافية الاستراتيجية وتضعها جانباً في هذه المرحلة, وتتولى العمل بكل الوسائل الممكنة وبينها جولات الى الخارج حيث دول القرار من اجل تأمين كل مستلزمات منع الانهيار وضمان عدم سقوط لبنان الكيان والمؤسسات والشعب.

الكل اليوم يتحمل المسؤولية, ولا وقت للمزايدة او العمل على تحصيل مكسب من هنا او هناك  او الكلام عن صلاحيات رئاسة او مؤسسة او ادارة او وزير او ما شابه, والعمل اي عمل ينبغي من الان وصاعدا ان يكون جماعياً ,والا فان العواقب ستكون كارثية لا بل اكثر كارثية مما نشهده الان.

اما القول بعدم واقعية هذه الفكرة وسذاجتها واستحالة تطبيقها في لبنان وسط تعارض الاهواء وتضارب المصالح بين الاطراف المطلوب منهم التلاقي لعمل شيء ما, فهو للتبرير ورفض مجرد المحاولة, خصوصاً وان الجميع مستهدف اليوم واذا سقط الهيكل وقد بدأ بالسقوط  فانه لن يوفر احداً وسينهار على رؤوس الجميع ولن يوفر لا صغيراً ولا كبيراً, ولا ضعيفاً او قوياً.